• ×

د. خالد بن محمد السليم

الحسيب جل جلاله

د. خالد بن محمد السليم

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أزكى الخلق أجمعين وبعد :
فإن من أسمائه الدالة على علمه المحيط ,وحياته الكاملة ,وقدرته التامة اسم الله سبحانه (الحسيب) جل شأنه .
الحسيب هو الذي يحصي أعداد المخلوقات وهيئاتها وما يميزها،ويضبط مقاديرها وخصائصها ، ويحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين ، يحصي أرزاقهم وأسبابهم وأفعالهم ومآلهم في حال وجودهم وبعد موتهم وعند حسابهم يوم يقوم الأشهاد .
والحسيب هو المجازي للخليقة عند قدومها بحسناتها وسيئاتها ، وحِسابُه واقعٌ لا محالة لا يَشْغَلُه حِسابُ واحد عَن آخَر ، كما لاَ يَشْغَلُه سَمْع عن سمع ، ولا شَأْنٌ عن شأْنٍ فهو سريع الحساب , كما قال: ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ).[ الأنعام62]
ومع ذلك كله فلا يقع في حسابه ظلم على أحد ولا نقص لحق أحد
(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) [الأنبياء:47]
(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[غافر:17] .
فمن عرف (الحسيب) بهذا المعنى حاسب نفسه قبل أن يلقاه ,فيقف العبد مع نفسه على الدوام لمحاسبتها ، فيميز حركاتها وسكناتها ,فما من فعلة وإن صغرت إلا سيُحاسب عليها .
فالله سبحانه ذكر اسمه (الحسيب) في أقل حقوق المسلم شأناً وهو رد التحية على من حيّاه هل أداها أو نقص منها , فمن حاسب نفسه على التحية وأدى حق أخيه فيها فلن يظلم الآخرين بعد ذلك مالاً ولن يبخس لهم حقاً.
وذِكْر الحسيب في موضع أداء الأموال لليتامى كاملة بعد بلوغهم والإشهاد عليهم في قوله تعالى : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً) [النساء :6]
تحذير للأوصياء أن يظلموا وتحذير للأيتام أن يجحدوا وينكروا قبضها ,وكونه سبحانه حسيب لا يمنع من إشهاد الشهود ,ومن شهد له أو عليه زوراً فلن ينفعه شهوده وعند الله تجتمع الخصوم .
ومن علم أنه واقف لا محالة بين يدي الله ومسائله عن كل شيء حُق له أن يستحي من ذلك الموطن وإن غفرت له كل ذنوبه.
وسيحاسب الله أقواماً محاسبة نقاش إمعاناً بخزيهم وهوانهم وهؤلاء هم المعذبون
فعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها : ( أنها كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ عز وجل : (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) فَقَالَ : ( إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ ) [2]
ومن علم أنّ الله أسرع حاسب جلّ في علاه بادر إلى توبة نصوح قبل أن يعجل عليه حسابه بغتة فليس بين العمل والمجازاة إلا لحظة الفراق فقط فلا تسوف في الخير فلعلك اليوم من أبناء الآخرة وكن على حذر من مكر الله فلا تعلم يا عبد الله من أنت عنده وفي أي منزل سينزلك إياه.
وأبشر بما وعدك ولا تقنط من رحمته وافعل من الخير ما بوسعك.
فالله سبحانه يعطي عطاءً حساباً أي كافياً وينيل عباده كرامته حتى يقول لهم أرضيتم ؟
ومن معاني هذا الاسم أنه سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه .
وهذا وصف لا تتصور حقيقته لغيره ، وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا الله عز وجل ,ومن كان الله حسيبه كفاه .
فيكفي عباده إذا التجئوا إليه ، فيؤمن خوفهم ، ويرد عنهم عدوهم, وينجيهم من كيدهم قال تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُفَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)[آل عمران:173/174] ، وعند البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال : حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عليه السلام حِينَ أُلْقِىَ في النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ قَالُوا :(إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[3] ،
ومن كان الله حسبه وهو كافيه فلماذا يذهب قلبه يمنة ويسرة ,ويتعلق بمن لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً أو ضراً . (يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) [الأنفال:64 ]
أي كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد[4] "وكل من كان بالله وصفاته أعرف ؛كان توكله على الله أصح وأقوى"[5]
ومن علم أن الله حسبه لم يمتنع من دعوة الخلق خشية منهم ولِمَ الخشية ؛ أليس الله بكافٍ عبده : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً) [ الأحزاب:39]
وقد وعد الله من توكل عليه أن يبلّغه ما أراد فليس في الكون من يغالب الله على أمره أو يتعقب حكمه ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن بالغ أمره) [ الطلاق:3]
قال ابن القيم :"ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله "[6]
ومن معان الحسيب أيضاً أنه الكريم العظيم المجيد الذي له علو الشأن ومعاني الكمال ، وله في ذاته وصفاته مطلق الجمال والجلال ، قال تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِه ِشَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)[الشورى:11] ، وقال تعالى : (هَل تَعْلَمُ لَه سَمِيّاً)[مريم:65]
فمن علم هذا المعنى اعتز بعبوديته ,ولم يفخر بحسبه ,ولم يطعن في نسب غيره .
((فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) [7].
اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
....................................................................................................................................
[1] انظر: النهج الأسمى للحمود1/363 وأسماء الله الحسنى للرضواني 2/106.
[2] البخاري في العلم ، باب من سمع شيئا فراجع 1/51 (103) .
[3] البخاري في كتاب التفسير ، باب إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم الآية 4/1662( 4287) .
[4] انظر تفسير ابن جرير الطبري 10/26,وزاد المعاد 1/35
[5] تهذيب مدارج السالكين:337
[6] تهذيب مدارج السالكين:337
[7] قطعة من حديث أخرجه مسلم


التعليقات ( 0 )