• ×

د. خالد بن محمد السليم

التواب جل جلاله (2)

د. خالد بن محمد السليم

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أكرم خلقه أجمعين وبعد :
فمن أعظم آثار هذا الاسم الشريف أن يصبح الإنسان ويمسي معترفا بذنبه مشفقا منه خائفا من ربه تائبا إليه فلا يتناسى ذنبه مهما طال عهده به فالتناسي شأن من لم يعبأ بالذنب ولم يكترث منه ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) بل يجدد توبته كلما ذكر الذنب ولا يتهاون به وإن صغر فلعل في تعظيم حق الله وإجلاله ما يكفر به خطاياه.
ملحا على مولاه بالتوبة راجيا قبوله لها فلا يكون آخر عهده بالتوبة بُعيد معصيته فلعل قبول التوبة لم يحن بعد , ولربما أخرت توبته ليعلم الله صدقه فيها ؛ فهؤلاء الثلاثة الذين لهم من الحسنات والصحبة والجهاد والنصرة وتمام الطواعية لله ورسوله. حين تخلفوا عن غزوة واحدة فقط , ثم اعترفوا بذنبهم وأنابوا إلى ربهم , وبلغ بهم من عظيم الندم ؛أن ضاق عليهم كل شيء حتى أنفسهم لم يبق فيها متسع لهم , في حال رهيبة من الحزن , مع صدق الالتجاء إلى الله أن يتجاوز عنهم ؛أتراهم تيب عليهم في يومهم أو في أسبوعهم أو في شهرهم ؟!إنها خمسين ليلة من التضرع والبكاء وأحدهم لم يزل باكيا منذ يومه ذاك ليس به حراك إلى شيء , وهم في وجلأن ترد توبتهم ؛ ليعلم العبد بعد ذلك كله أن توبة الله لا تكون إلا للصادقين وحدهم (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)) [التوبة]
قال الحسن رضي الله عنه :" يا سبحان الله ! والله ما أكلوا مالا حراما ولا أصابوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير والجهاد في سبيل الله وقد - والله - جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن"[1]
فليست التوبة كلمات تقال ولا مشاعر عابرة بل هي حال تخالط القلب فتجعله في كل أحواله منيبا أوابا أواها عندئذ ينال ما وعده الله للمنيبين (وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)) [سورة ق]
ومن أراد صدق توبته فليعمل على البعد عن كل ما يعيده إلى معصيته , وليحرس توبته من أن تطولها يد تفسدها عليه .جاعلا من معصيته حافزا للمسارعة في الخيرات وعمل الصالحات والإكثار من الحسنات فإنهن مذهبات للسيئات ؛فالله سبحانه ذكر أخذ الزكاة من أموالهم في ثنايا الحديث عن التائبين ونبه في معرض كلامه عن قبوله للتوبة أنه يأخذ الصدقات ؛ وفي هذا إشارة ـ والله أعلم ـ أن مما يعين على قبولها أن يبذل معها العبد شيئا من حر ماله برهانا على الصدق فيها (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)) , وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ... ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ))[2]
وتوبة الصادقين ليست عن ذنوب جنتها أيديهم فقط بل هم يتعاهدونها كلما عرضت لقلوبهم غفلة طلبا لنقائها وحرصا على صفائها ومن ذلك قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي , وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه فِي الْيَوْم مِائَة مَرَّة )[3],وتراهم يتوبون من طاعاتهم يا سبحان الله! أطاعة يتاب منها كيف يحصل ذلك؟ نعم..لأن طاعتهم لا تليق في نظرهم لمقام ربهم فهم أحقر في نفوسهم من أن يبلغوا كمال مراده فهاهم بعد ليل قضوه سجدا وقياما يستغفرونكأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار هم يستغفرون )
" فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم و اعتذارهم . صحائف التائبين خدودهم , و مدادهم دموعهم قال بعضهم : إذا بكى الخائفون فقد كاتبوا الله بدموعهم"[4] وأشرف أوقاتها عند نزول التواب إلى السماء الدنيا (( ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له هل من داع فأجيب دعوته إلى أن ينفجر الفجر ))[5]
"نحـن الــذين إذا أتانا سـائل ... نوليه إحسانا و حسن تكرم
و نقول في الأسحار هل من تائب ... مستغفـر لينـال خير المغنم
كان بعض الصالحين يقوم الليل فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته يا أيها الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون ألا تقومون فترحلون فإذا سمع الناس صوته و ثبوا من فرشهم فيسمع من هنا باك , و من هنا داع, و من هنا تال , و من هنا متوضىء فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى
يا نفس قومي فقد نام الورى ... إن تصنعي الخير فذو العرش يرى
و أنت يا عين دعي عنك الكرى ... عند الصباح يحمد القوم السرى" [6]
قال الأحنف بن قيس : عرضت نفسي على القرآن فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم)[7]
ومن صدقت توبته عظمت عند الله محبته (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وكان ساعة إذ من المفلحين (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ (67)) ونال دعوات المقربين من الملائكة وحملة العرش (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(9) ) [غافر] .فأصبح من أهل الجنة الفائزين (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60) )
(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:128]
( اللهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلاَمِ ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَبَارِكْ لَنَا في أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا قَابِلِيهَا وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا )[8].
 

[1] الدر المنثور 4 /315
[2] الترمذي في الإيمان ح 2541 قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[3] وَالْمُرَاد هُنَا مَا يَتَغَشَّى الْقَلْب , قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : الْمُرَاد الْفَتَرَات وَالْغَفَلَات عَنْ الذِّكْر الَّذِي كَانَ شَأْنه الدَّوَام عَلَيْهِ , فَإِذَا أَفْتَرَ عَنْهُ أَوْ غَفَلَ عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا , وَاسْتَغْفَرَ مِنْهُ
[4]لطائف المعارف :43
[5] متفق عليه واللفظ لمسلم
[6] لطائف المعارف :43
[7] الدر المنثور 4 / 278
[8] أبو داود في الصلاة ، باب التشهد 1/254 (969) ، تمام المنة ص225.


التعليقات ( 0 )