• ×

د. خالد بن محمد السليم

البصير جل جلاله (1)

د. خالد بن محمد السليم

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أكرم خلقه أجمعين وبعد :

ومن أسماء الله الشريفة التي سما الله بها نفسه : "البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع"[1]

فهو الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة ويرى الأشياء كلها مهما خفيت أو ظهرت ومهما دقت أو عظمت ، وهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر ، فالسر عنده علانية والغيب عنده شهادة ، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، ويرى نياط عروقها ومجاري القوت في أعضائها ، قال ابن القيم :

وهو البصير يرى دبيب النملة السـ *** ـوداء تحت الصخر والصوان

ويرى مجاري القوت في أعضائها *** ويرى عروق بياضها بعيان

ويرى خـيانات العيون بلحظـها *** ويرى كذاك تقلب الأجفان .

فنؤمن أن لله عز وجل عينان حقيقيتان تليق بذاته سبحانه تصديقا لخبر الله ولا نسأل عن الكيفية لأننا ما رأينا الله ، وما رأينا لعينه مثيلا ، وهما منزهتان عن العيوب كسائر أوصافه جل في علاه

روى البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي ذكر الدجال فقال : ( إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ ، وَمَا مِنْ نبي إِلاَّ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ وَلَكِنِّى أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلهُ نبي لِقَوْمِهِ ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ )[2] .

والله عز وجل لا يحتجب عن نظره أحد وإن حاول الاختفاء بكل سبيل فهو مكشوف { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }[ سورة هود :آية 5]

كما أنه ينظر إلى أوليائه نظرا مخصوصا بالتأييد والنصرة والإعانة والتوفيق , قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام : { قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه:46] .

ويذكر ربنا أنه بصير بعباده بعد التهديد ـ أحيانا ـ بقوله {اعملوا ما شئتم }[فصلت:40] لتحذير من أخفى الطغيان بأن الله مطلع على كل عمل يعمله ، ولذلك اختير وصف { بصير } من بين بقية الأسماء الحسنى لدلالة مادته على العلم البين ودلالة صيغته على قوته .[3] كما يأتي البصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب العالم بالشيء الخبير به [4]

كما أنه ينظر للمؤمنين في الآخرة نظرة رضا وإكرام ، ولا ينظر إلى أقوام تحقيقا لعقوبته ، {إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ الله وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[آل عمران:77] ، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيِ قَالَ : ( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ ، وَرَجُل حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ ) فلا يراهم عقوبة لهم كما أن الكافرين محجوبون عن رؤيته ، قال تعالى : {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] . [5]

الآثــار

منها : أنه إذا تحقق العبد من رؤية ربه له زال من قلبه محبة الرؤية الخلق لعمله وكلما كان أكثر استشعارا لنظر الله إليه كان أكثر تحقيقا لمقام الإخلاص وتأمل المثل الذي ذكره الله للمخلص والمرائي في سورة البقرة : { كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} إلى قوله {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[ البقرة :265] قال الألوسي :" فيجازي كلاً من المخلص والمرائي بما هو أعلم به ، ففي الجملة ترغيب للأوّل ، وترهيب للثاني مع ما فيها من الإشارة/ إلى الحط على الأخير حيث قصد بعمله رؤية من لا تغني رؤيته من لا تغني رؤيته شيئاً وترك وجه البصير الحقيقي الذي تغني وتفقر رؤيته عز شأنه" [6].)

ومنها : الاكثار من الطاعات والاستزادة من الحسنات لأنه دائما تحت نظر ربه ومولاه   فهذا موسى عليه السلام يقول: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } [طه:315/35]

ومنها تفويض الأمر إليه فهو الذي يبصر الحال ويعلم المآل فاركن إلى تدبيره وثق به فهو الكبير المتعال , وقل كما قال مؤمن آل فرعون : {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:41/44] . وقد أمر الله نبيه أن يتوكل عليه لانه يراه حين يقوم من الليل : {وَتَوَكَّل عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء:219]

ومنها : أن العبد إذا تيقن باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه واستدام هذا اليقين في قلبه حصلت له المراقبة ، فهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين , وقيل من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه . وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة والله أعلم [7]

فإذا اجتهد العبد وجاهد قادته هذه إلى أعلى منازل الدين وهو أن يعبد الله كأنه يراه وهي منزلة الإحسان كما روى مسلم من حديث عمر رضي الله عنه أن جبريل سأل النبي فقال : ( أخبرني عَنِ الإِحْسَان ؟ قَال : أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )

 

[1] طريق الهجرتين ج1/ص212

[2] البخاري في أحاديث الأنبياء ، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي 3/1113 (2892) .

[3] التحرير والتنوير - (ج 7 / ص 206)

[4] تفسير القرطبي ج2/ص35

[5] شرح أسماء الله للرضواني 2/30

[6] تفسير الألوسي - (ج 2 / ص 354)

[7] ينظرمدارج السالكين ج2/ص65 بتصرف



التعليقات ( 0 )