• ×

د. خالد بن محمد السليم

الكريم الأكرم جل جلاله (2)

د. خالد بن محمد السليم

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أكرم خلقه أجمعين ، وبعد :
فهذه بعض الآثار لهذين الاسمين الشريفين إتماما لما بدأته في الحلقة السابقة .
الآثار :
ومنها : أن من عرف ربه بهذا الكرم أحسن ظنه فلا يخشى على نفسه فقرا أبدا ، و لا يلوم قدرا   و لا يذل لمخلوق كائنا من كان بل يسارع عند النوازل والكروب والضائقات المالية والنفسية إلى من أن يمينه ملأى سحا الليل والنهار    
ومنها : أن يتحلى بوصف الكرم والسخاء ، والجود والعطاء لأنه يحب من عباده الكرماء  
قال ابن القيم : "ومن وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة اليه بزمامه وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته وصيرته محبوبا له فانه سبحانه رحيم يحب الرحماء كريم يحب الكرماء عليم يحب العلماء " [الجواب الكافي ص44 ] 
"ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها فأمرهم بالعدل والإحسان والبر ولما كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه لمنافاتها لصفات العبد وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية , وهذا خلاف ما تقدم من الصفات فإنها لا تنافي العبودية بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية " [طريق الهجرتين ص215 ] 
ورتب الله على النفقة والبذل أجورا عظيمة وهي لا تنقص من المال شيئا بل تزيده ؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم , وهي أيضا مخلوفة على العبد ؛ فلينفق العبد وهو يوقن بالخلف من الله ( وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) [سبأ : 39] , وسخر الله لمن أنفق ملكين يدعوان له بالخلف من الله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) 
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ) [متفق عليه ]
وتكفل الله لمن أنفق أن ينفق عليه كما ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم   قَالَ :( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )   
كان خالد بن عبد الله الطحان يخرج في كل شهر نفقة عياله ويخرج للصدقة مثل ذلك فإن نفدت دراهم الصدقة تصدق من نفقة عياله وإن نفدت النفقة قبل الصدقة أمسك [تاريخ واسط ص136]
قال ابن القيم : "ومن عامل خلقه بصفة عاملة الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والاخرة فالله تعالى لعبده على ما حسب ما يكون العبد لخلقه" [الوابل الصيب ج1/ص54 ] .
ولذا كان النبي أكرم الخلق فعند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه : ( أَنَّ رَجُلاً سَأَل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَنَمًا بَيْنَ جَبَليْنِ ؟ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ؛ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَال : أَيْ قَوْمِ أَسْلمُوا فَوَ اللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا ليُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الفَقْرَ ؛ فَقَال أَنَسٌ : إِنْ كَانَ الرَّجُل ليُسْلمُ مَا يُرِيدُ إِلاَّ الدُّنْيَا فَمَا يُسْلمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلاَمُ أَحَبَّ إِليْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَليْهَا )  .
َوأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِنْ النَّعَمِ ثُمَّ مِائَةً ثُمَّ مِائَةً قَالَ صَفْوَانََ وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ [رواه مسلم] سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ (مَا سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا) [متفق عليه ]  
وكان الليث بن سعد سريا من الرجال نبيلا سخيا وكان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب الله عليه زكاة درهم قط
قال شعيب بن الليث بن سعد : خرجت مع أبي حاجا فقدم المدينة فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب قال فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه . و كتب مالك إلى الليث إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها فأحب أن تبعث إلي بشيء من عصفر فبعث إليه بثلاثين حملا عصفرا فصبغ لابنته وباع منه بخمس مائة دينار وبقي عنده فضلة . وسألت امرأة الليث بن سعد منا من عسل فأمر لها بزق فقال له كاتبه إنها سألت منا فقال إنها سألتني على قدرها فأعطيناها على قدر السعة عندنا . [تهذيب الكمال (جزء 24 - صفحة 274 )]
ومنها : أن يحذر البخل والشح ويجاهد ويجتهد ليقيه الله شح نفسه وحينئذ سيكون من المفلحين   قال تعالى ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وكيف يبخل المسلم وليس البخل منع الآخرين وإنا هو في الحقيقة حرمان الانسان نفسه من الخير ( هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )[محمد :38 ]
وأشد البخل في منع ما وجب لله أو وجب لخلقه وقد توعد الله عليه بالوعيد الشديد ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) [ التوبة :35 ]
ومن منع حق الأجير كان خصما لله تعالى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َ قَالَ :( قَالَ اللَّهُ ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ ) [البخاري ]
 


التعليقات ( 0 )