• ×

د. أحمد القاضي

(قل هذه سبيلي) (1)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة، أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين ) يوسف: 108، وقد تضمنت هذه الآية، على قلة كلماتها، توصيفاً واضحاً، دقيقاً، لسبيل المؤمنين، الذي لا يلتبس بسبيل المجرمين، ولا المبتدعين . ويمكن أن نتبين منه المعالم التالية :
أولاً : ( سبيل الله ) التي بعث بها أنبياءه واحدة، كما أن صراطه واحد ! قال تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) [الأنعام: 153]. فالحق واحدٌ لا يتعدد، وليس للحق عدة صور في قضية واحدة، ولكن الناس يتفاوتون في إصابته، وفي القرب منه، بحسب ما يملكون من مقومات الصواب و أدواته؛ من الإخلاص، والصدق، والعلم، والاجتهاد . ولا يجوز، بحال، تمييع قضية الصواب في المسائل القطعية اليقينية، بدعوى أن الحقيقة نسبية ! أو أن ليس لأحدٍ أن يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ! فإن هذا الزعم يقتضي إبطال النبوات، وإلغاء الوحي ، وتسويغ جميع الأفكار، مهما كانت زائغة، كما هو مذهب دعاة وحدة الوجود، من زنادقة الصوفية، الذين يصوِّبون كل قول، وكل عمل، وكل نحلة، كما قال كبيرهم، ابن عربي :
لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
فقد صـار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وألواح توراة وكعبــة طائف
وإنجيل رهبان ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجـهت
ركائبـه فالحب ديني وإيماني
 
 
ويشابههم من بعض الوجوه، دعاة الليبرالية ( الحرية )، الذين يغالون في احترام (الرأي الآخر) و (قيم الآخر) مهما كانت، دون تمييز بين ما يقع في دائرة الأصول والاعتقادات، وما يقع في هامش النظر والاجتهادات . وقد أدى بهم الحال، واطِّراد المقال إلى المناداة بإخضاع النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، لمعاول النقد البشري، ورفع الحصانة عنها .
ويقابل هؤلاء نفر ضيقو الأعطان، لا يحتملون اختلاف الأنظار في مسائل الاجتهاد، ويريدون أن يسوقوا الناس مساقاً واحداً، وفق رؤيتهم الخاصة، في مسائل يسوغ الاختلاف فيها، بل ربما كان الخلاف فيها محفوظاً في جيل الصحابة، والتابعين، وأتباعهم. وحين يختلف معهم أحدٌ، في مسألة فرعية، يناصبونه العداء، ويفجرون في الخصومة، زاعمين أن ذلك هو السبيل .
لابد من تمييز واضح، ورؤية بينة، لمعالم السبيل الجامع لما شرع الله لجميع أنبيائه، من لدن نوح، إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وهو إقامة الدين، وصيانته، وحماية جنابه، وعدم التسور عليه بدعوى نسبية الحقيقة، أو احترام الرأي الآخر. ولا بد أيضاً من الحذر من الوقوع في معمعة التفرق، واصطناع الخصومات، ومصارعة الأوهام، والنفخ في صورة بعض الفروع، ومساواتها بالأصول . وإن كان ذلك لا يلغي دوام البيان ، وإيضاح الحق، والدعوة إلى سواء السبيل . وقد جمع الله القضيتين في آية جامعة، فقال : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) الشورى: 13، فأمر بإقامة الدين، ونهى عن التفرق فيه .


التعليقات ( 0 )