• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والحياة

د. أحمد القاضي

 0  0  864
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد :

 فإن الله تعالى بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، كما قال تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) [الصف:9] والهدى هو العلم النافع. ودين الحق هو العمل الصالح . ومبنى العمل على العلم، فالعلم قبل القول والعمل، كما قال تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) [محمد:19]

 

وأعظم العلم وأشرفه، العلم بالله تعالى،بأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ فإن شرف العلم مبني على شرف المعلوم، ثم العلم بما أخبر به من أمور غيبية، وأصول عقدية، يقام عليه نظام الحياة .

 

فـبين (العقيدة) و (الحياة) صلة وثيقة، وعلاقة حميمة، كصلة الروح بالجسد، وعلاقة الظرف بالمظروف . فالعقيدة الصحيحة تكسب الحياة معنى، وتنصب للإنسان هدفاً، وتبارك العمر وتزكيه، وتسعده وتواسيه . قال تعالى : (أو من كان ميتاً فأحييناه، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) [الأنعام:122]، وقال:(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [النحل:97]، وقال: ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) [التغابن:11]. وتنطبق هذه المعاني على المجتمعات، كما الأفراد، قال تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ) [إبراهيم:1]

 

وحين تفقد هذه العقيدة، أو تضل، تصبح الحياة جثة هامدةً؛ جسداً بلا روح، رسماً بلا معنى، عبثاً دون حكمة،كبداً دون عوض. قال تعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً. ونحشره يوم القيامة أعمى ) [طه:124]، ويفقد فاقدها معاني الإنسانية الحقة، وتتعطل جوارحه عن وظائفها الطبيعية، وينحط إلى ما دون مرتبة الحيوان،ويقع في دوامة الغفلة المطبقة، قال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [الأعراف: 179]

 

وهكذا، فإن العقيدة تسري في الحياة سريان النور في الظلام، وتجري جريان الماء في العروق، ولا يمكن أن تكون مجرد (متعة ذهنية) أو (جدل عقلي) أو (محفوظات متنية) بل هي حكمة الخلق، ومشروع العمر. وكثير من الناس لا يتصور هذا الدور الشمولي للعقيدة في الحياة، ولو تصور لم يستصحب هذا التصور في عموم ماجريات الحياة، ولو استصحبه لم يحسن تنزيله على الواقع .

 

وهذا الموقع ( العقيدة والحياة ) مسعى لبيان مقاصد العقيدة، ورفع لبعض الالتباسات القائمة، وكشف لبعض الشبهات الواقعة، وإبصار لمختلف قضايا الحياة من خلال منظور عقدي رائق، على أصول أهل السنة والجماعة. والموقع ، وإن كان يضم بعض نتاج المشرِف، إلا إنه ليس موقعاً شخصياً بحتاً، بل يرحب بمشاركات المتخصصين من طلبة العلم، ويستقبل أسئلة الجمهور على اختلاف أنواعها، وملاحظاتهم، واقتراحاتهم، ليرقى تدريجياً في مستوى أدائه، ويقضي حاجةً في نفوس بعض الناصحين الغيورين، ويسهم في إفشاء العقيدة الصحيحة الحية، ويسد ثغرة في خط المواجهة الساخن مع الكفر، والشرك، والجهل، والبدعة .

 

والله المسؤول، وحده، أن يسدد الخطى، ويبارك في الجهود، ويصلح النية والعمل ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم .

 


التعليقات ( 0 )