• ×

د. عبدالله المسند

كسوفات وخسوفات العهد المدني

د. عبدالله المسند

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
فقد اختلف الفقهاء في القديم والحديث حيال عدد وقائع الكسوف والخسوف التي حدثت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عند مناقشة فقه صلاة الكسوف وعدد ركعاتها وتعدد الروايات المنقولة من رواة الحديث رضوان الله عليهم، والمسألة تتطلب تحقيقاً علمياً فلكياً للوقوف على عدد حوادث الكسوف والخسوف في تلك الفترة الغابرة، حيث قمت باستعراض النصوص المنقولة حول صفة صلاة الكسوف هذا من جهة، و بحساب حوادث الكسوف والخسوف في العهد المدني من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة سنة 622 م إلى وفاته صلى الله عليه وسلم سنة 632 م وتحليل إمكانية الرؤية مكانياً وزمانياً من جهة أخرى ومن ثم الترجيح بين الرأيين.

 
ما عدد الكسوفات في العهد المدني؟
ذهب جملة من علماء السلف رحمهم الله تعالى ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكذا الشيخ العلامة محمد بن عثيمين إلى أن صلاة الكسوف وقعت مرة واحدة فقط في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتكرر!. قال شيخ الإسلام في معرض حديثه عن مسألة عدد ركعات صلاة الكسوف: (والصواب أنه لم يصلّ إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم) أ.هـ. وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (إن النبي صلى الله عليه وسلم بقي في المدينة عشر سنوات لم تكسف في عهده الشمس ولا القمر إلا مرة واحدة) أ.هـ.

 
ومن جهة أخرى سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن جبرين حفظه الله حول تعدد الروايات في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الكسوف؟ فأجاب: (غالب الروايات على أنه صلاها ركعتين؛ في كل ركعة ركوعان وسجدتان، هكذا في صحيح مسلم (صحيح مسلم:3/28) وغيره عن عائشة وأختها أسماء وابن عباس وعبدالله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن سمرة. وروى مسلم (صحيح مسلم:3/29) وغيره أنه صلاها ركعتين؛ في كل ركعة ثلاثة ركوعات وسجدتان كما في حديث ابن عباس وعائشة وجابر وروى مسلم (صحيح مسلم:3/34) عن ابن عباس أنه صلاها ركعتين، في كل ركعة أربع ركعات وسجدتان، وروى علي مثل ذلك، وروى أبو داود (سنن أبي داود، ومعه كتاب معالم السنن للخطابي: 1/699) أنه صلاها عشرة ركوعات وأربع سجدات مع أن أسانيدها صحيحة ثابتة معتمدة في كثير من الأبواب والأحكام) أ.هـ.

 
واستطرد فضيلته قائلاً: (وقد ذهب بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية إلى تخطئة الروايات التي فيها الزيادة على ركوعين حيث انفرد بها مسلم عن البخاري، وعلل بأن الكسوف لم يقع إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ... لكن نقول: إن تخطئة هؤلاء الرواة الثقات فتحٌ لباب الطعن في حديثهم ... والأقرب أن يُحمل هذا الاختلاف على تعدد وقوع الكسوف والخسوف، فإن المعتاد وقوعهما في كل سنة مرة أو مراراً و من المستبعد أن لا يقع الكسوف و الخسوف في زمن النبوة عشر سنين سوى مرة واحدة ... وعلى هذا فيجوز للإمام أن يصلي ثلاثة ركوعات أو أكثر في كل ركعة إذا علم أن مدة الكسوف سوف تطول...) أ.هـ.

 
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: (حقيقة أن الأحاديث التي وردت في وصف صلاة الكسوف مختلفة جداً وكثير منها صحيح الإسناد وللعلماء فيها مسلكان:

 
المسلك الأول: الجمع بينهما بحملها على تعدد حصول الكسوف وصلاته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي ذهب إليه إسحاق ورجحه ابن رشد في بداية المجتهد (1/167) وابن حزم في المحلى.
المسلك الثاني: الترجيح قال ابن حجر في الفتح (ج2ص362) نقل صاحب الهدى عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من بعض الرواة فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح) أ.هـ.
قال الشيخ العلامة أحمد شاكر: (ولقد حاولت كثيراً أن أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التي حصلت في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وتكون رؤيتها بها ممكنة وطلبت ذلك من بعضهم مراراً فلم أوفق إلى ذلك ... فإذا عرف بالحساب عدد كسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة أحد المسلكين: إما حمل الروايات على تعدد الوقائع، وإما ترجيح الرواية التي فيها ركوعان في كل ركعة) أ.هـ.

 
وهذا الاختلاف بين الفقهاء حول عدد وقائع الكسوف والخسوف التي حدثت في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هل هي واحدة أم متعددة؟ وكذا دعوة الشيخ أحمد شاكر السالفة دفعتني إلى أن استعين بالله تعالى وابحث في تلك الفترة الزمنية والتي تمثل العهد المدني والممتدة عبر عشر سنوات هجرية تقريباً بدأً من يوم هجرته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين 8 ربيع أول سنة 1هـ الموافق 20 سبتمبر 622م حتى وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين 13 ربيع أول سنة 11هـ الموافق 8 يونيو 632م، وذلك لأجيب على سؤال طالما تردد في أوساط الفقهاء.

 
وعن مدى إمكانية البحث قبل أكثر من 1400 سنة فليس ذلك غريباً أو مستحيلاً قال شيخ الإسلام رحمه الله (ولهذا يمكن المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهلة وما يستقبل؛ إذ كل ذلك بحسبان، كما قال تعالى: ﴿جعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً﴾ وقال تعالى: ﴿والشمس والقمر بحسبان﴾) أ.هـ.

 
وحيث إن الفترة الزمنية المطلوب الكشف عنها قديمة جداً فقد تم الاعتماد على أكثر من برنامج فلكي متطور ومقارنة النتائج للوصول لأعلى دقة مستهدفة وجاءت النتائج على النحو التالي جدول رقم (1).

 


 
إن تحليل معطيات الجدول السابق يسمح باستنتاج الملاحظات الآتية:
1) أن عدد الكسوفات التي وقعت في العهد المدني (9) كسوفات، بينما بلغ عدد الخسوفات (14) خسوفاً ومجموع الحوادث 23 حادثاً.
2) أن جميع الكسوفات التسعة جزئية وليست كلية، بينما الخسوفات منها الكلي ومنها الجزئي.
3) نتائج الحساب الفلكي كدليل علمي تتفق مع نتائج النقل كدليل شرعي وذلك في شأن الكسوف الأخير الذي وقع يوم وفاة إبراهيم رضي الله عنه (27/1/632م)؛ وهذا مؤشر صريح ومطمئن لدقة وصحة الحسابات الفلكية المتعلقة بحوادث الكسوف والخسوف، ومؤشر أيضاً إلى سلامة مذهب علماء الهيئة في شأن نظام جريان الأجرام الثلاث (الأرض، القمر، الشمس).
4) الكسوفات التسعة الواقعة في العهد المدني لا يعني بالضرورة أنه قد تمت مشاهدتها كلها في المدينة المنورة بل بعضها وقع بعد غروب الشمس على المدينة أو قبل شروقها وبالتالي لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضوان الله عليهم الحدث، وهذه الملاحظة تنسحب أيضاً على حوادث الخسوفات فليس كل خسوف ورد في الجدول ممكن مشاهدته في المدينة، ولأهمية هذه النقطة سوف نحلل فقط الحوادث الواردة في الجدول السابق والتي ربما تشاهد في أفق المدينة ولنفصل القول فيها على النحو التالي:

 
سنة 622 م
حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر في 20 سبتمبر 622م فإنه في شهر سبتمبر وما بعده (أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر) لم يقع أي حدث.

 
سنة 623 م
في 17 يوليو من العام نفسه وقع خسوف جزئي للقمر من الساعة 5.23 عصراً حتى الساعة 7.48 ليلاً، علماً أن الشمس غربت يومها في تمام الساعة 7.09 بينما يشرق القمر في تمام الساعة 7.08 بمعنى أن القمر يشرق والخسوف الجزئي في مراحله الأخيرة، وأشك في احتمال رؤية ذلك الخسوف الجزئي وهو في مراحله الأخيرة وذلك لأسباب: منها وجود الشفق الأحمر في الجو بُعيد الغروب، ومنها كون الجزء المنخسف وقت غروب الشمس ضئيلاً جداً، ومنها أن أي جرم سماوي يعلو الأفق الشرقي أو الغربي مباشرة يتعرض إلى تشويه في الصورة وذلك لاختلاف كثافة الهواء وتلوثه بالغبار خاصة في فصل الصيف لذا يشاهد القمر فوق الأفق باللون الأحمر غالباً، ومن الأسباب أن فترة الخسوف القصيرة ربما لم تمكن الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة من رصد الظاهرة، وربما وُجد سحاب صيفي متقطع حال دون رؤية القمر وخسوفه، ومن المحتمل أيضاً وجود حزام من السحب العالية جداً والموجودة في طبقات الجو العليا وهي سحب تعرف عند علماء المناخ بالسحب الفضية المتخلفة عن احتراق الشهب على ارتفاع يصل إلى 80كم من سطح الأرض ويحصل أحياناً عند شروق النيرين أو غروبهما مباشرة رؤية تلك السحب غير الممطرة تحجب قرص الشمس أو القمر كلياً أو جزئياً، فربما تصدق بعض تلك الاحتمالات وبالتالي يُفوت على الصحابة الرؤية والله أعلم.
 
سنة 624 م
في 30 نوفمبر من العام نفسه وقع خسوف جزئي للقمر من الساعة 10.14 ليلاً حتى الساعة 12.16 ليلاً، وعن مدى احتمال رؤية الحدث من قِبل الصحابة في المدينة فالذي اعتقده والله أعلم أن الاحتمال ضعيف لأسباب: منها أن الخسوف وقع في النصف الأول من الليل وهو وقت ينام فيه الصحابة بعد عناء نهار شاق وطويل، ومنها أن الخسوف جزئي ولم يختفِ من القمر إلا 25% تقريباً وهذا ربما لا يلفت الانتباه إلى حد ما، ومنها أن الخسوف وقع في شهر نوفمبر وهو من أشهر فصل الخريف وفيه تبدأ السحب في الظهور وبالتالي يُحتمل أن يكون القمر قد اختفى خلف ستار من السحب والله أعلم.

 
سنة 625 م
أ‌. في 27 مايو من العام نفسه وقع خسوف كلي للقمر من الساعة 6.07 عصراً حتى الساعة 9.35 ليلاً، علماً أن الشمس غربت يومها في تمام الساعة 7.02 بينما أشرق القمر يومها عند الساعة 6.55 وهو في حالة خسوف خلا مساحة بسيطة من قرصه ما لبثت أن انخسفت بعد دقائق قليلة من شروقه ليصبح الخسوف كلياً، وأحسب أن الصحابة رضوان الله عليهم قد لاحظوا وشاهدوا الخسوف لوقوعه أول الليل ولكونه خسوف كلي، أيضاً الفترة الزمنية طويلة إذ لم ينته إلا الساعة 9:35 وبالتالي قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخسوف هذه.

 
ب‌. في 20 نوفمبر من العام نفسه وقع خسوف كلي للقمر من الساعة 2.01 ليلاً حتى الساعة 5.42 فجراً، وعن مدى احتمال رؤية الحدث من قِبل الصحابة في المدينة فالذي اعتقده أن الاحتمال ضعيف لأسباب: منها أن الخسوف وقع في وقت متأخر ينام فيه معظم الصحابة، ومنها أن آذان الفجر ذلك اليوم في تمام الساعة 5.17 وعندها كان الخسوف الكلي قد انتهى وبقي الخسوف الجزئي بنسبة ربما لا تلفت انتباه المراقب فضلاً عن غيره، ومنها أن الخسوف وقع في شهر نوفمبر وهو من أشهر فصل الخريف وفيه تبدأ السحب في الظهور.
 
سنة 626 م
في 17 مايو من العام نفسه وقع خسوف جزئي للقمر من الساعة 4.34 ليلاً حتى الساعة 7.55 نهاراً، واحتمالية رؤية الخسوف من قِبل الصحابة ضعيفة لأسباب: منها أن دخول وقت صلاة الفجر يسبق الخسوف حيث يدخل الوقت في تمام الساعة 4.08 والخسوف بعده بـ 26 دقيقة تقريباً وذلك عندما ينتشر ويستطير الشفق الأبيض، وعندما يتعاظم الخسوف يكون متزامناً مع ظهور الشفق الأحمر الأمر الذي يجعل ظاهرة الخسوف الجزئي غير ملفتة للانتباه، ومنها أن الخسوف جزئي ووقع في شهر مايو وهو من أشهر فصل الربيع واحتمال وجود سحب حالت دون رؤية الخسوف وارد، ومنها أن القمر وقت الخسوف سيكون فوق الأفق الغربي من المدينة ومن المعلوم أن الجهة الغربية من المدينة فيها جبال عالية مثل جبل سلع وجبل جمة وغيرهما والتي قد تحجب ظاهرة الخسوف، ومنها أن لون القمر عند الغروب عندما يكون فوق الأفق الغربي يميل إلى الحمرة وتكون صورته غير صافية بسبب ما في الجو من عوالق صلبة وكذا بسبب اختلاف كثافة الهواء والله اعلم.

 
سنة 627 م
في 21 إبريل من العام نفسه وقع كسوف جزئي للشمس من الساعة 11.26 نهاراً حتى الساعة 1.32 نهاراً، وقد يكون الصحابة رضوان الله عليهم لاحظوا الكسوف سيما أن النسبة المنكسفة من قرص الشمس تبلغ حوالي 20% انظر إلى الشكل المرفق.

 


 

 

خارطة كسوف 21 أبريل 627م الخط المزدوج يمثل خط الكسوف الكلي.

 

 
سنة 628 م
أ‌. في 25 مارس من العام نفسه وقع خسوف جزئي للقمر من الساعة 6.40 مساءً حتى الساعة 8.47 ليلاً، علماً أن الشمس غربت يومها عند الساعة 6.36 بينما أشرق القمر عند الساعة 6.31 وتعاظم الخسوف الساعة 7.44 حيث اختفى حوالي 20% من قرص القمر فقط، وعن مدى احتمال رؤية الخسوف من قِبل الصحابة فالذي أعتقده والله أعلم أن الاحتمال ضعيف لأسباب: منها أن نسبة الخسوف ضئيلة ربما تصل إلى 20% فقط، ومنها أن الخسوف وقع في وقت لا يزال الشفق الأحمر في السماء الأمر الذي يُضعف من سلطان القمر، ومنها أن الخسوف وقع في شهر مارس وهو من أشهر فصل الربيع واحتمال وجود سحب حالت دون رؤية الخسوف وارد، وما قيل من أسباب في خسوف 623 م ينسحب على هذا الخسوف.
ب‌. في 3 أكتوبر من العام نفسه وقع كسوف جزئي للشمس من الساعة 6.29 صباحاً حتى الساعة 7.52 صباحاً، وتُشرق الشمس في ذلك اليوم عند الساعة 6.15 وبعد أن ترتفع الشمس قيد رمح يبدأ الكسوف الجزئي الذي يحجب ما نسبته 5% تقريباً من قرص الشمس، وعن مدى احتمال مشاهدة الكسوف من قِبل الصحابة رضوان الله عليهم من عدمه، هناك ثمة أسباب ربما تحول دون ذلك: منها أن الجزء المنكسف ضئيل جداً وغير ملفت للانتباه، ومنها أن الكسوف وقع في شهر أكتوبر وهو من أشهر فصل الخريف وفيه تبدأ السحب في الظهور لذا من المحتمل أن تكون الشمس قد اختفت خلفها والله أعلم.

 
سنة 629 م
في 15 مارس من العام نفسه وقع خسوف كلي للقمر من الساعة 2.22 ليلاً حتى الساعة 6.01 فجراً، ولكون الخسوف كلياً واستمر لفترة زمنية طويلة فاحتمال رؤيته من قِبل الصحابة في المدينة وارد، سيما أن وقت الفجر دخل في ذلك اليوم عند الساعة 5.11 وقد بقي 70% من القمر منخسفاً إلا أن يكون في السماء سحاب يحجب القمر عن الرؤية لأن الخسوف وقع في شهر مارس وهو من أشهر فصل الربيع وفيه تكثر السحب.

 
سنة 630 م
في 4 مارس من العام نفسه وقع خسوف جزئي للقمر من الساعة 5.18 مساءً حتى الساعة 8.02 ليلاً، علماً أن الشمس غربت يومها في تمام الساعة 6.27 بينما أشرق القمر عند الساعة 6.24 وتعاظم الخسوف الساعة 6.40 حيث اختفى حوالي 70% من قرص القمر، وعن مدى احتمال رؤية الحدث من قِبل الصحابة في المدينة فالذي أعتقده والله أعلم أن احتمال عدم الرؤية وارد لأسباب: ذكرنها بالتفصيل في خسوف عام 628 م.

 
سنة 632 م
في 27 يناير من العام نفسه الموافق 29 شوال من السنة العاشرة بعد الهجرة وفي يوم وفاة إبراهيم ابن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقع كسوف للشمس شاهده النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم وما لبثوا أن فزعوا لصلاة الكسوف حتى انجلى الكسوف، ودونكم تفصيل ما حدث بالنسبة للشمس والقمر في ذلك اليوم المشهود (جدول رقم 2).

 


 


 

خارطة كسوف 27 يناير 632م الخط العريض يمثل خط الكسوف الكلي وهو يمر جنوب الجزيرة العربية.
 

 
كان شروق القمر في المدينة المنورة ذلك اليوم حوالي الساعة السابعة وأربع دقائق يلي ذلك شروق الشمس وذلك عند الساعة السابعة وسبع دقائق وبعد مضي إحدى وثمانون دقيقة من شروق الشمس، وحجب جرم القمر ما نسبته 75% تقريباً من قرص الشمس وذلك في تمام الساعة العاشرة وثلاث دقائق، فأصبحت الشمس على هيئة هلال انظر شكل رقم (3)، وانتقلت المدينة في دقائق معدودة من وضح النهار إلى ما يشبه الفجر الأمر الذي بعث في نفوس الصحابة رضي الله عنهم الذعر والوجل والخوف، وانخفضت درجة الحرارة فازداد الجو برودة سيما وأن الحدث وقع في أبرد الشهور (يناير) واستمر الكسوف حتى الساعة 11.39 أي قبل آذان الظهر بساعة، واستغرقت فترة الكسوف ثلاث ساعات واثنتي عشرة دقيقة، هذا ما جادت به المعطيات الحسابية الفلكية لذلك الحدث والله اعلم.

 
وأخيراً وبعد استعراض مفصل لحوادث الكسوف والخسوف الواقعة في العهد المدني نجد أن الحوادث على ثلاثة أنواع أولاً: حوادث وقعت في العهد المدني ولم تُشاهد في المدينة بل في بقاع أخرى من البسيطة. ثانياً: حوادث وقعت في العهد المدني واحتمال مشاهدتها في المدينة احتمال ضعيف بسبب عوامل ومتغيرات طبيعية بسطها في محلها. ثالثاً: خسوفان وكسوف واحد مرجحه أن تكون قد شوهدت مع الخسوف الأخير وبالتالي يكون عددها أربع حوادث وهذا يتفق مع عدد صور صلاة الكسوف الواردة في الأحاديث الصحيحة (ركوعان، وثلاث ركوعات، وأربع ركوعات، وخمس ركوعات) والله أعلم.

 
مما سلف أعتقد أن صلاة الكسوف أديت أربع مرات وعلى أربع صور في العهد المدني وذلك لتكرر الحوادث، وهذا المسلك ينسجم مع حقيقة دورة الكسوف والخسوف الطبيعية، وأيضاً الجمع بين الروايات أسلم من رد الأحاديث الصحيحة! وتخطئة بعض الرواة! سيما أن في المسألة سعة لحمل الروايات على تعدد الوقائع، لذا يجوز للإمام أن يصلي صلاة الكسوف ركوعين في كل ركعة ركوعان، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة والله أعلم.
وعلى دروب العقيدة والحياة نلتقي فنرتقي ونستقي.

 
*******
 


التعليقات ( 0 )