• ×

د. عبدالله المسند

فرضيات عودة أرض العرب مروجا وأنهارا(6)

د. عبدالله المسند

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ والصلاة والسلام على النبي النذير البشير ... وبعد:
ميز الخالق عز وجل الغلاف الجوي لكوكب الأرض بمحتويات غازية مكنونة، وبمكونات فيزيائية موزونة {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}. والغلاف الجوي لكوكب الأرض يتميز عن كافة الأغلفة الجوية لكل كواكب المجموعة الشمسية بما استودع الله فيه من النظم الفيزيائية، والمركبات الكيميائية، وبأبعاد هندسية تحمي الحياة الأرضية حتى {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}.
وشاء الخالق الحكيم عز وجل أن يكون الغلاف الجوي حساساً لأي متغيرات خارجية أو داخلية طارئة، حيث يتفاعل مع هذا المتغير فيتغير. وتغير الغلاف الجوي يعني تغيراً في المناخ، الذي يلعب دوراً بارزاً و مؤثراً في حياة الإنسان، إن كان في مسكنه ومشربه ومأكله وملبسه وصحته وتجارته وزراعته ومواشيه، أو حتى في مزاجه الطبيعي.
وفي هذه السلسة المباركة إن شاء الله تعالى يتمركز البحث ويتمحور على سؤالين كبيرين الأول: كيف كان مناخ أرض العرب؟ وتمت معالجته في الحلقة الثانية. والسؤال الثاني: كيف سيكون مناخ أرض العرب؟ وهذا ما نحن بصدده في الحلقة الثالثة وما بعدها ... حيث ناقشت فرضيتين، قد يتغير مناخ أرض العرب بسببها الفرضية الأولى: ثوران براكين الجزيرة أو براكين عالمية. والفرضية الثانية: ارتطام نيزك عظيم على كوكب الأرض. وفي هذه الحلقة نناقش الفرضية الثالثة وهي التغيرات في مدار ومحور الأرض Variations in the Ëarth's orbital .
ومن نافلة القول أن أبحاث ودراسات علماء الطبيعة تأتي غالباً منسجمة ومتناغمة مع دعوات قرآنية متكررة ومتعددة للنظر والبحث والتقصي والاستقراء في الكون ونواميسه، قال الله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} وقال تعالى: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، وقال عز وجل: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}. وفي سياق ما ذُكر حاول علماء الجغرافيا والمناخ والكون وغيرهم إيجاد تفسير لحل لغز تغير المناخ وتبدله على وجه البسيطة على مر العصور. وهل العامل المسبب للتغيير خارجي (خارج كوكب الأرض) أو داخلي؟. وحيث أن التغير المناخي يخضع لآلية معقدة جداً، فقد جاءت النتائج بأكثر من سيناريو وفرضية، تبحث حقيقة التغير المناخيÇlimate change . ومن تلك الفرضيات نظرية التغير في محور ومدار الأرض الذي يؤدي إلى تغير في كمية الإشعاع الشمسي النافذ إلى الأرض وبالتالي يتغير المناخ.
وآلية هندسة دوران الأرض حول نفسها أو حول الشمس أو مع الشمس حول المجرة آلية بالغة التعقيد، وخاضعة لنواميس كونية رهيبة، ومقادير إلهية عجيبة، وحكم ربانية عظيمة، علم الإنسان منها القليل، وسيكتشف منها المزيد، وقد يحجب عنه الكثير، ولله فيّ وفيك وفي خلقه شؤون. والحديث عن هندسة دوران الأرض وميلان محورها يحتاج إلى خيال خصب من القارئ لذا تجد الشرح مدعماً بالصور فعليك بها أولاًََُ.
الفرضية الثالثة:
المهندس الصربي ميلانكوفتش Milankovitch theory (1958- 1879) أطلق نظريته التي تنص على أن التغير المناخي طويل الأجل سببه التغير في كمية الإشعاع الشمسي الواصل لسطح الأرض من الشمس؛ وهذا التغير ناتج عن التغيرات الدائرية في العلاقة الهندسية بين الأرض والشمس والذي تأخذ ثلاثة أشكال هي:
التغير الأول: الاختلاف المركزي لمدار الأرضeccentricity والذي يتحكم في شكل مدار الأرض حول الشمس. إذ أن المدار يتغير باستمرار بشكل تدريجي وبطئ جداً من بيضاوي الشكلelliptical إلى قريب من دائري الشكل circular في فترة تقدر بـ 100000 سنة. وعندما يكون شكل المدار بيضاوياً تكون التغيرات المناخية بين فصلي الشتاء والصيف كبيرة، فعندما تقترب الأرض من الشمس في نقطة الحضيض perihelion يزداد الإشعاع الشمسي بنسبة 7% والعكس صحيح عندما تكون الأرض في نقطة الأوج aphelion. وقيل أن هذه الدورة الطويلة قد تفسر حقيقة وأسباب العصور الجليدية. وتجدر الإشارة إلى أن شكل المدار في الوقت الحالي قريب من الشكل الدائري.
وربما يعتقد كثير من الناس أن الأرض تكون قريبة من الشمس في فصل الصيف، وبعيدة في فصل الشتاء، والحقيقة أن الأرض تكون بعيدة عن الشمس (في الأوج) في فصل الصيف! وقريبة من الشمس (في الحضيض) في فصل الشتاء!. إلا أن عامل ميل المحور هو المسؤول عن تعاقب الصيف والشتاء والحرارة والبرودة بالدرجة الأولى، بينما عامل البعد والقرب من الشمس يعد عاملاً ثانوياً وضعيفاً وذا أثر معاكساً للعامل الأول، مما يساهم في تقليل الحرارة صيفاً وتقليل البرودة شتاءً في نصف الكرة الشمالي.
يوضح الشكل التقريبي مدار الأرض حول الشمس، المدار الأصفر يمثل المدار الدائري بدرجة انحراف صفر، بينما المدار الأحمر يمثل المدار البيضاوي بدرجة انحراف تصل 0.06 درجة، علماً أن درجة الانحراف في الوقت الحالي 0.0167 درجة[1] .

 
التغير الثاني: وهو الأكثر تعقيداً، الأرض تدور حول محورها القطبي polar axis وتترنح وتتأرجح خلال دورانها وقد يكون بسبب جاذبية القمر، لذا فإن اتجاه ميلان محور الأرض لا يكون ثابتاً دائماً (كما إن النجم القطبي لا يشير إلى الشمال في كل العصور) وترنح الأرض البطيء جداً يشبه ترنح لعبة الدوامة التي تدور حول نفسها (أنظر الصورة).
الكرة الأرضية وببطء شديد جداً تؤدي نفس حركة لعبة الدوامة في تغير اتجاه المحور.
النجم القطبي Polaris يشير إلى الشمال في الوقت الحاضر، ولكن بسبب تغير اتجاه محور الأرض فإنه بعد 14000 سنة سيكون نجم "النسر الواقع" Vega باتجاه الشمال، بينما قبل 3000 سنة نجم الثعبان Thuban هو الذي يشير إلى الشمال.
وتستكمل الأرض دورتها في تأرجح محورها بـ 26000 سنة تقريباً. وهذه الظاهرة تُسمى مبادرة أو مباكرة الاعتدالين precession of the equinox والتي تؤدي بالتالي إلى تبادل في مواقع الفصول ومن ثم سيحتل فصل الصيف موقع فصل الشتاء والعكس صحيح. وسيأتي فصل الصيف في شهر ديسمبر والشتاء في شهر يوليو وذلك بعد 13000 سنة، وبالصورة تتضح الفزورة أنظر إلى الشكل المرفق.
انظر شكل Â والذي يمثل عصرنا الحالي حيث تكون الأرض في فصل الشتاء (ديسمبر) قريبة من الشمس 147.5 مليون كم (الحضيض Perihelion)، بينما تكون في فصل الصيف (يوليو) بعيدة من الشمس 152.5 مليون كم (الأوج Âphelion). وبسبب ظاهرة مبادرة الاعتدالين تنقلب الصورة بعد 13000 سنة شكل B وتصبح الأرض قريبة من الشمس صيفاً والعكس صحيح، مما يؤدي إلى تعاظم الحر في الصيف وكذا البرد في الشتاء في نصف الكرة الشمالي.
يوضح الشكل تغيرات اتجاه ميلان المحور وأثره في زحزحة الفصول الأربع، حيث يمثل نموذج Â العصر الحاضر، بينما نموذج B المستقبل بعد 13000 سنة والله أعلم.

 
التغير الثالث: كوكب الأرض يدور حول محوره كل 23:56 ساعة. ومحورها مائل نسبة لمدار الأرض حول الشمس، وهذا الميلان خلقه الله لحكمة نعرف وندرك بعضها وهو تعاقب الفصول الأربع، فلولا هذا الميلان لكنا نعيش في فصل واحد، ولأصبح طول الليل والنهار واحداً، وشروق الشمس وغروبها من مكان واحد، ولأصبحت الطاقة الحرارية الشمسية ثابتة، ونتج عن هذا كله انحسار تنوع المحاصيل في المنطقة الواحدة، كما ينتج عنها مناخ واحد لفصل واحد طول العام، وهذا يثير الملل والكلل لدى الناس، ويتعارض مع مصالحهم، بل وسينحصر سكان الأرض في نطاق وشريط ضيق من الأرض هذا الشريط تتوافر فيه أفضل الأجواء، بينما بقية الأرض إما باردة أو متجمدة أو صحاري قاحلة، تأمل في الصور المرفقة.
لو كان محور الأرض بدون ميلان لكانت الأوقات والفصول والشروق والغروب والمناخ والمحاصيل واحدة 2 .
عندما يكون النصف الشمالي مائلاً نحو الشمس يكون في نصف الكرة الشمالي في فصل الصيف؛ نهار طويل وليل قصير 2.
وعندما يكون نصف الكرة الشمالي مائلاً عكس اتجاه الشمس نكون في فصل الشتاء وهكذا 2.
وميلان المحور متغير بين 21.5 – 24.5 درجة، وفي الوقت الحاضر درجة ميلان المحور تصل إلى 23.44 درجة، وكلما قل الميلان أصبحت الفروق بين الصيف والشتاء بسيطة و يصبح الصيف أقل حرارة والشتاء أقل برودة، عندها قد لا تذوب الثلوج في الشمال بسبب اعتدال الصيف ومن ثم تتراكم الثلوج في فصل الشتاء عام بعد عام وترتفع نسبة الألبيدوا وهي انعكاس أشعة الشمس بواسطة الثلوج مما يزيد في انخفاض درجة الحرارة ومن ثم تنمية التغذية الاسترجاعية الايجابية فتتعاظم الثلوج مؤذنة بعصر جليدي جديد والله أعلم. وعندما يبلغ الميلان 24.5 تكون الفروق بين الفصلين كبيرة ويصبح الصيف شديد الحرارة والشتاء شديد البرودة. علماً أن دورة تغير الميلان تقدر بـ 41000 سنة.
الشكل يبين هيئة ميلان المحور نسبة إلى اتجاه مدارها نحو الشمس

 
وفي الختام أقول تبقى نظرية ميلانكوفتش Milankovitch theory فرضية نستأنس بها حتى إشعار آخر، فقد تأتي نظرية أخرى تؤيدها، أو تطورها، ولربما تنفيها ففوق كل ذي علم عليم. ولربما كانت أرض العرب مروجاً وأنهاراً بسبب تغير هندسي واحد للأرض أو أكثر أو بسبب تضافر أكثر من عامل وفرضية ... وستصبح أرض العرب بمشيئة الله تعالى مروجاً وأنهاراً كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، عبر بوابة الفرضيات الثلاث التي ذكرت في تلك السلسة، أو فرضيات أخرى سنذكرها، وقد يكون عبر سيناريوهات نجهلها {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}. وإن شاء الله لنا لقاء وبقاء معك فانتظرنا في الفرضية التالية إن كان لنا في الحياة باقية ... وعلى دروب العقيدة والحياة نلتقي فنستقي ونرتقي.
 


التعليقات ( 0 )