• ×

د. عبدالله المسند

عجائب خط التاريخ الدولي

د. عبدالله المسند

 0  0  3.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
القرآن الكريم مفعم بالآيات التي تدعو بل وتدفع الإنسان إلى النظر والتفكر والتأمل والتدبر ... ليس فقط عبر البصر المجرد من كل أداة بل إلى ما وراء ذلك، عبر القلم والكتاب وعبر الحاسب والمنظار وعبر المعمل والميدان وعبر العينة والإحصاء وعبر الرقم والمعادلة وعبر الصورة والشكل وعبر السفر الأفقي وأيضاً العمودي ... قال الله تعالى {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ...} ومن أجل تحقيق تلكم الدعوة على وجه يكشف جانباً من الإعجاز الرباني في السموات والأرض فلابد _ على الأقل _ من إعمال العلوم التجريبية التالية: (الفلك) (الجغرافيا) (الجيولوجيا) (الزمن والمواقيت) (النقل والمواصلات) (الفيزياء) (البحار والمحيطات) (الاقتصاد) (الاجتماع) (الطقس) (المياه) (الأحياء) (الحيوان) (الطقس والمناخ) قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ (الفلك) وَالأَرْضِ (الجغرافيا) (الجيولوجيا) وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ(الزمن والمواقيت) وَالْفُلْكِ (النقل والمواصلات) الَّتِي تَجْرِي (الفيزياء) فِي الْبَحْرِ (البحار والمحيطات) بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ (الاقتصاد) (الاجتماع) وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ (الطقس) مِن مَّاء (المياه) فَأَحْيَا (الأحياء) بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ (الحيوان) وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (الطقس والمناخ) لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. لذا ففي هذا المقال محاولة لترجمة جانب من تلكم الدعوة الإهية عبر النظر إلى خلق الله في الأرض من خلال بسط عجيبة من عجائب الدنيا إنها خط التاريخ الدولي.
خط التاريخ الدولي The Ïnternational Date Line (ÏDL) هو خط وهمي على سطح الكرة الأرضية منه يبدأ اليوم وإليه ينتهي، ويمر _ تقريباً _ على خط طول ْ180 مع تعرج ذات اليمين أو اليسار لتفادي الجزر المأهولة ما أمكن، وخط التاريخ الدولي ينصف تقريباً المحيط الهادي Pacific Ôcean إلى نصفين شرقي وغربي (أنظر الخرائط المرفقة)، ويلزم كل مسافر يعبر هذا الخط شرقاً أو غرباً تعديل التاريخ واليوم.
وفي المثال يتضح الحال ... لو سافر الإنسان يوم الجمعة وعبر خط التاريخ الدولي متجهاً من الغرب إلى الشرق لتحتم عليه تأخير وقته يوماً كاملاً ليصبح الخميس، والعكس صحيح فإذا كانت جهة السفر من الشرق إلى الغرب وسافر يوم الجمعة مثلاً وعبر خط التاريخ الدولي تحتم عليه إضافة يوم كامل ليصبح يوم السبت!.
ويشار إلى أن العالم المسلم الجغرافي والمؤرخ أبو الفداء صاحب حماة (672-732هـ ـ 1273-1331م) وصف في كتابة تقويم البلدان أن المسافر حول الأرض وفقاً لجهة سفره غرباً أو شرقاً يلزمه تعديل التاريخ بزيادة يوم أو نقصانه عند اكتمال دورته حول الأرض. ثم بعدها بسنين ظهرت تلك الظاهرة وبشكل عملي ولأول مرة عندما طافت بعثة ماجلان كوكب الأرض (1519-1522م) متجهة من الغرب إلى الشرق. وعندما وصل ما تبقى من جنود ماجلان إلى أسبانيا حيث نقطة البداية وجدوا أن اليوم الذي وصلوا فيه غير اليوم الذي في أسبانيا. أي أن حساب أصحاب الرحلة يختلف متأخراً بيوم الأمر ، الذي أذهل الجميع وأدخلهم في نقاش حاد للبحث عن الحلقة المفقودة، والسر في هذا الإختلاف.
وخط التاريخ الدولي خط وهمي إصطلاحي ضروري لإدارة الوقت وشؤون الحياة على كوكب الأرض، ولمعرفة خط بداية اليوم ونهايته ولرفع الحرج والتشويش الناتج عن كروية الأرض... وتجدر الإشارة أن هذا الخط يمكن علمياً أن ينصب في أي مكان في العالم، ولكن منعاً للتشويش ومن أجل توحيد اليوم بين الشعوب والدول والأمصار قدر الإمكان إصطلح العلماء عام 1884م إلى وضعه في منطقة نائية محيطية كما هو الواقع الآن فوق المحيط الهادي. وعند تتبع مسار خط التاريخ الدولي على الخريطة المرفقه نجد أنه منسجم فوق خط طول ْ180 ثم ينحرف جهة الشرق عن مضيق بيرنج ليجعل أقصى الأراضي الروسية في النصف الغربي حتى يكون اليوم والتاريخ للأراضي الروسية واحداً. ثم ينحرف جهة الغرب ليدخل جزر Âleutian التابعة للولايات المتحدة الأمريكية مع النصف الشرقي حتى يصبح يومها منسجماً مع يوم الولايات المتحدة الأمريكية. ثم يعود خط التاريخ فوق خط طول ْ180. ومرة أخرى عندما يقاطع خط الإستواء يتجه شرقاً ليدخل مجموعة جزرKiribati  المتناثرة في المحيط إلى النصف الغربي وأخيراً يعود الخط لينسجم مع خط طول ْ180 كما هو موضح في الخارطة المصاحبة.
ولأن خط التاريخ الدولي حقيقة لابد منها فقد صاحب هذه الظاهرة طرائف منها (على سبيل المثال لا الحصر) جزيرة دايوميدDiomede Ïslands  تقع في منتصف مضيق بيرنج الفاصل بين الآسكا وروسيا (أنظر إلى الخارطة والصور التالية) هذه الجزيرة الصغيرة تتكون من جزءين شرقي وهو الأصغر تابع للولايات المتحدة الأمريكية، وغربي وهو الأكبر تابع لروسيا ويفصل بينهما فقط 1.5كم.
صورة القمر الصناعي توضح الآسكا إلى اليمين وروسيا إلى اليسار وفي الوسط مضيق بيرنج يتوسطه جزيرة Diomede  بجزئيها الشرقي والغربي
صورة لجزيرةDiomede  بجزئيها الشرقي للولايات المتحدة والغربي لروسيا وخط التاريخ الدولي يمر بينهما حيث يبدأ اليوم من الجزء الغربي وينتهي بالجزء الشرقي.
ولك أن تتخيل عندما تشرق الشمس في جزيرة دايوميد في اليوم نفسه يعتبر يوم الجمعة على الجزء الغربي (يسار الصورة) ويوم الخميس على الجزء الشرقي (يمين الصورة) وهؤلاء يصلون الجمعة ومن بجوارهم يصلون الظهراً!. أما فيما يتعلق بالصيام مثلاً فإنهم يصومون في وقت واحد وفي يومين مختلفين، مثلاً لو شُوهد الهلال الليلة من فوق الجزيرة صامو من الغد كلهم ولكن في حق الجزء الغربي يوم السبت مثلاً وفي الجزء الغربي يوم الجمعة، وبعبارة أخرى الجزء الغربي يبدأ عنده اليوم بينما الجزء الشرقي ينتهي عنده اليوم. ويشار إلى أن أول جمعة تقام في كل إسبوع تكون في الجزر الواقعة غرب خط التاريخ الدولي على سبيل المثال جزر Tonga وفيجي Fiji  بينما آخر جمعة تقام في الجزر الواقعة شرق خط التاريخ مثل جزيرة Samoa.
وتتضح مشكلة هذه الظاهرة بشكل أكبر للمسافرين العابرين للخط من الغرب إلى الشرق أو العكس سيما إذا كانت الرحلة قصيرة. على سبيل المثال يصاب المسافرون بالتشويش عندما يسافرون من جزيرة Tonga(غرب الخط) إلى جزيرة Samoa  (شرق الخط) والتي تستغرق ساعتين حيث يصل المسافر إلى (الماضي!!) بعبارة أخرى إذا سافرت يوم الجمعة من جزيرة Tonga بعد ساعتين تصل إلى جزيرة Samoa وهم في يوم الخميس منها سيتكرر عليك يوم الخميس مرتين خلال إسبوع واحد!!. ومن الطرائف أن بعض من يحتفل بعيد رأس السنة أو عيد ميلاده يستطيع ان يكرر هذه المناسبة مرتين في يومين متتاليين عبر احتفاله أولاً في جزيرة Tonga ثم يسافر إلى جزيرة Samoa. وأحسب أن أصحاب الفضيلة الفقاء سيجدون في هذه الظاهرة ميداناً خصباً وجديداً لبحوث جغرافقهية (جغرافية وفقهية) تتطلب التحرير والفتوى لشؤون المسلمين هناك أو من يعبر هذا الخط.
وعند تأمل هذه الظاهرة نجد أنها حتمية الوجود بشكل أو بآخر في ظل كروية الأرض وتكور الليل والنهار من الشرق إلى الغرب. ولربما قال مستعجل هذا عبث! ولسنا بحاجة لمثل هذا الخط وليعش الناس في البسيطة كلها في يوم واحد!!. ولكن قليل من التأمل والتدبر والنظر في شأن كروية الأرض وتعاقب الليل والنهار فيها سنجد في نهاية المطاف أن الحاجة إلى وضع خط عالمي لبداية ونهاية اليوم أمر لا مندوحة عنه ولا مفر منه، وإلا لوقع الناس في حيص بيص. ولنتدبر الطائفين حول الكعبة المشرفة نجد أن هناك خطاً منه المبتدأ وإليه المنتهى، بينما لولا هذا الخط لابتدأ الطائفون من نقاط متعددة مختلفة وكانت نهاية طوافهم كذلك مختلفة، فلك أن تتخيل التشويش والإضطراب (علماً أن هذا المثال نسبي) والله أعلم. وعلى دروب العقيدة والحياة نلتقي مع الحلقة التالية إن شاء الله.

التعليقات ( 0 )