• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الناس)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)

 

سورة الناس هي آخر سورة بين دفتي المصحف.

ومقصدها: تحقيق الاستعاذة، من الشر الداخلي، ألا وهو الوسواس.

وشر الوسواس عظيم، حتى لكأن الشرور الخارجية في كفة، وهو في كفة!

 فلو تأملنا لوجدنا عجبا: المستعاذ به في سورة (الفلق) اسم واحد من أسماء لله الحسنى، وهو رب الفلق، والمستعاذ منه أربعة أشياء: (مَا خَلَقَ)، (غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ)، (النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، (ِحَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).  وفي سورة (الناس) المستعاذ به ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى (رَبِّ النَّاسِ)، (مَلِكِ النَّاسِ)، (إِلَهِ النَّاسِ)؛ الرب، والملك، والإله، والمستعاذ منه شيء واحد، وهو (شَرِّ الْوَسْوَاسِ) ، مما يدل على عظم خطره، وأن أذاه بالغ جدًا، ولا يعصم العبد من الوسواس إلا الاستعاذة برب الناس، ملك الناس، إله الناس.

 

(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) الرب: هو الخالق، المالك، المدبر، الذي ربى عباده بنعمه. مأخوذ من التربية، وهي التنشئة، والتنمية شيئاً، فشيئاً. ومدار الربوبية على هذه الأوصاف الثلاثة: الخلق، والملك، والتدبير، وإليها تؤول بقية الأوصاف. ويجب توحيد الله بها.

 

(النَّاسِ) اختلف المفسرون في لفظة (النَّاسِ)، هل تختص بالإنس، أم يدخل فيهم الجن؟ قولان، حتى قال إمام المفسرين - ابن جرير الطبري -: لا يبعد أن يشمل لفظ الناس الجن؛ كما قال الله تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) فإذا كان فيهم رجال ونساء، فلا مانع أن يطلق عليهم ناس.

 

( مَلِكِ النَّاسِ) أي مالكهم، ومدبر أمورهم - سبحانه - فأزِمَّة أمورهم بيده.

 

(إِلَهِ النَّاسِ) يعني: معبودهم؛ لأن إله: بمعنى مألوه، أي: معبود، فهو الرب، الملك، الإله،  الحقيق أن يستعاذ به من شر الوسواس، الخناس.

 

(مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) قال تعالى (مِنْ شَرِّ)؛ لأنه ربما يقع وسوسة في النفس، لكن لا تكون من قبيل الشر.

 

و( الْوَسْوَاسِ) من الوسوسة، والأصل أنها الصوت الخفي؛ كما قال الأعشى:

تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت  ***  كما استعان بريح عشرق زجل

 

يعني يشبه صوت الريح، حين مرورها بالشجر، والمراد بها هنا: حديث النفس، الذي يلقيه الشيطان، لا يسمعه أحد. يكون الشخص جوارك، تحدثه نفسه بشتى الأحاديث، وأنت لا تسمع شيئًا، بل هو لا يسمع بأذنيه، لكن يعيه بقلبه كما يعي حديث الناس.

 

و( الْوَسْوَاسِ) يطلق على الوسوسة ذاتها، ويطلق على الموسوس، أي: الشيطان، ولهذا وصفه بأنه الخناس.

 

(الْخَنَّاسِ) أي: أنه ينخنس، وينقبض، ويتأخر عند ذكر الله تعالى، فالشيطان يلتقم قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله - عز وجل – انقبض، وانخنس، بسبب ذكر الله تعالى؛ لهذا سمي خناسا.

 

(الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) هذا بيان لمحل الوسوسة، وهي صدور الناس، التي فيها قلوبهم.

 

(مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) أي من الجن، وبني آدم، ولهذا الآية محملان عند المفسرين:

-      الأول: أن الموسوس قد يكون تارة من الجن، وقد يكون تارة من الإنس؛ واستدلوا بقول الله تعالى (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) وعليه فيكون هناك:

* شياطين إنسيون: وهم رفقاء السوء، من الآدميين.

*وشياطين جنيون، وهم الشياطين الذين لا نراهم.

فأما وسواس شيطان الجن: فهو ما يلقيه في قلب الإنسان، من خطرات. وأما وسواس شيطان الإنس: فهو ما يلقيه في الأذن، من كلمات، يزين له الباطل، ويحسن له القبيح.

 

-               المعنى الثاني: أن الشيطان يوسوس للجن، كما يوسوس للإنس، فقد يوسوس لجني مثله. والله أعلم.

     والجن خلق من خلق الله، ومردتهم هم الشياطين، وهم ذرية إبليس، وأما بقيتهم فهم مكلفون، فمنهم المؤمنون، ومنهم القاسطون، ومنهم الصالحون، ومنهم دون ذلك؛ كما ذكر الله تعالى في سورة (الجن): (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) وقال قبلها: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ).

     وهذا هو الاعتقاد الذي يجب أن يعتمده المؤمن، عن هذا العالم الغيبي، فالجن، مجتنُّون، كما أخبر ربنا (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) فهم يروننا، ولا نراهم، ولذلك سُمي كل شيء مستخف، بأنه مستجن، كما سميت الجنة جنة، لالتفافها بالأشجار، وسمي الدرع (مِجنَّاً) لأنه يخفي ما تحته. 

     والجن عباد، مكلفون، مخاطبون بالشرع؛ قال الله - عز وجل - (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ). وقد عدهم ابن القيم، رحمه الله، في الطبقة الثامنة عشرة من (طبقات المكلفين) من كتابه: (طريق الهجرتين)، وذكر كلاماً حسناً، وتقريراً مفيداً، ينبغي الرجوع إليه.

     وقد اجتمع الجن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في ليلة من الليالي؛ حيث قال علقمة -رحمه الله - : قلت لابن مسعودٍ : هل صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجِنِّ منكم أحدٌ ؟ قال : ما صحبه منَّا أحدٌ ، ولكنَّا كُنَّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليْلَةٍ فَفقَدناهُ ، فالتمسناه في الأودية والشِّعابِ ، فَقُلْنَا : اسْتُطِيرَ ، أَوِ اغْتِيلَ ، فبِتْنا بشرِّ ليْلَةٍ باتَ بها قومٌ ، فلما أَصبحنا إذا هُوَجَاءٍ من قِبلِ حِراءَ، قال : فقُلْنا : يارسول اللّه ، فَقَدْناكَ، فطلبناكَ، فلم نَجِدْكَ ، فَبِتْنا بشَرِّ ليلةٍ باتَ بها قومٌ ، قال : «أتَاني داِعي الجِنِّ، فذَهبْتُ معه ، فقرأتُ عليهم القرآن» قال : فانطَلقَ بنا ، فأرانا آثارهم ، وآثار نِيرَانِهمْ ، وسألُوهُ الزَّادَ ، فقال : «لكم كلُّ عَظْمٍ ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوْفَرَ ما يكون لَحْما،وكلُّ بَعْرَةٍ علَفٌ لِدَوَابِّكم» فقال- رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم : «فلا تَسْتَنْجوا بهما ، فإنهما طعامُ إخوانِكم» [مسلم]

     فنحن نؤمن، ونصدق ما دلت عليه النصوص، وأما ما يتفوه به العامة، ويحكونه من قصص، وحوادث، فلا يؤخذ به، ولا يعتمد عليه، وقد يصيبون وقد يخطئون، فينبغي أن يعرض ذلك على كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – ولا يقطع العاقل بكل ما سمع، بل يعاملها معاملة الإسرائيليات.

 

الفوائد المستنبطة:

الفائدة الأولى: أن الاستعاذة عبادة، ولا تكون إلا بالله – عز وجل – فيما لا يقدر عليه إلا هو؛ كالاستعاذة من أمر خفي، أو غيبي.

الفائدة الثانية: إثبات الأسماء الحسنى: الرب، والملك، والإله.، وما تضمنه من صفات: الربوبية، والملك، والألوهية، خلافاً للمعطلة من الجهمية والمعتزلة.

الفائدة الثالثة: شدة خطر الوسواس.

الفائدة الرابعة: أن الوسواس قد يقع من شياطين الإنس، كما يقع من شياطين الجن.

الفائدة الخامسة: أن الجن يتعرضون للوسوسة، كما الإنس.

 

وبهذا تم الكلام بحمد الله، على هذا التفسير - تفسير جزء (عم) -، وتبين أن العناية بالقرآن العظيم، من أهم المهمات، ومن أوجب الواجبات، وأن طريق العلم الصحيح: أن يتوجه الإنسان، رأساً، إلى كلام رب العالمين، يتدبره، ويتفهمه، ويستنبط معانيه، فبذلك يحصل على العلم الرصين. وبقية العلوم فروع على علم التفسير. فلابد لطالب العلم أن يجعل لنفسه حظًا حسناً، ونصيبًا وافرًا، من قراءة التفاسير المعتبرة، وينير عقله وقلبه بتدبر كلام الله. قال ربنا - عز وجل - (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ). فلا يكون هم أحدنا أن يكثر الختمات، ويقلب الصفحات، وحسب! ولكن يعمل فكره، وعقله، ونظره، في كلام رب العالمين، مستعينًا ببيان المفسرين المعتبرين، الذين يعتمدون على التفسير بالأثر، وعلى رأسهم إمام المفسرين (محمد بن جرير الطبري) - رحمه الله - وتفسير ابن كثير - رحمه الله - فإنه قد لخص تفسير الطبري، وزاد عليه، وحقق كثيرًا من المسائل. فإن لم يسعفك الوقت، فلا أقل من أن تنظر في تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -.

نسأل لله - عز وجل - أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وتجارة لا تبور، وأن يحسن عاقبتنا في جميع الأمور. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.



التعليقات ( 0 )