• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (الفلق)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

 

مقصد السورة:

تحقيق الاستعاذة بالله، من الشرور الخارجية. 

سورة (الفلق) وسورة (الناس)، حصنان منيعان، وحرزان عظيمان، لا يستغني عنهما مسلم؛ فسورة (الفلق) حرز من الشرور الخارجية، وسورة (الناس) حرز من الشرور الداخلية. فهما المعوِّذتان. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بهما؛ فعن أبي سَعِيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه -: كَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ ، وَعَيْنِ الإنْسَانِ ، حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ ، فَلَمَّا نَزَلَتَا ، أخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا . [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – للصحابي الجليل ابن عابس الجهني - رضي الله عنه -: يَا ابْنَ عَابِسٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ) [رواه النسائي وأحمد وصححه الألباني]

 

 (قُلْ أَعُوذُ) معنى (أعوذ) أي ألتجأ، وأعتصم، وأستجير.

 

(بِرَبِّ الْفَلَقِ) قيل في تفسير الفلق أقوال:

-        الصبح؛ قال الله تعالى (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ).

-        وقيل: إنه جبٌ في جهنم - والعياذ بالله -، يعني بئر في جهنم.

-        وقيل: إنه اسم من أسماء جهنم.

-        وقيل إن (الفلق) اسم لعموم الخلق.

وأقرب هذه الأقوال: أن المراد بالفلق الصبح.

 

(رَبِّ الْفَلَقِ) فهذا من إضافة المخلوق وهو الفلق، إلى خالقه وهو الرب. فالمستعاذ به رب الفلق -سبحانه وتعالى-. والمستعاذ منه هو ما يلي.

 

(مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) هذا أولها، و(مَا) اسم موصول بمعنى "الذي"، فيشمل كل مخلوق فيه شر، من إنس، أو جن، أو حيوان، أو جماد، ، دواب، ريح، طير،...، وكل شيء فيه شر، حتى النفس فيها شر يستعاذ منه؛ فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستعيذ من شرها قائلا: (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ ) [رواه أبو داود وصححه الألباني] فكل ما خطر ببالك وفيه شر، فأنت تستعيذ برب الفلق من شره.

 

وليس في الكون إلا خالق، أو مخلوق، فالله الخالق، وهو المستعاذ به، وما سواه مخلوق، وهو مستعاذ من شره. لكن إذا كان الشيء مما يقدر عليه العبد، أو المخلوق، فلا بأس أن يستعيذ به، أما إذا لم يكن مقدورًا للمخلوق عليه، فإن الاستعاذة به: شرك. فما من شيء في الوجود، إلا والله محيط به، والله قادر عليه، فينبغي للعاقل أن يستعيذ بالقادر، لا يستعيذ بالعاجز، فإذا كان الله خالق الأشياء جميعا، وهو ربها، ومالكها، ومدبرها، فالاستعاذة به هي الاستعاذة النافعة.

 

فالذي يستعين بصاحب القبر، أو الغائب، أو نحو ذلك، قد وقع في الشرك العظيم. وكذلك من استعان بالجن، قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يعني زادوهم اضطرابا، وشدة في حالهم.

 

لكن لو أن أحدا استعاذ بحصن، فقال: "أعوذ بهذا الحصن" يعني: امتنع به. فلا بأس، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ) [رواه مسلم من حديث أم سلمة] والمراد بـ "البيت" في الحديث أي: الحرم، فإنه يعيذ من أوى إليه، إلا من استثني في حديث عمرو بن سعيد حيث قال: (إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخُرْبَةٍ) [متفق عليه] ، والخربة - كما قال البخاري -: الجناية والبليَّة.

 

(وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) معنى (الغاسق):

-        قيل: إنه الليل.

-        وقيل: إنه القمر.

-        وقيل: إنه اسم لكوكب، أو نجم.

 

ومما يدل على أن من معانيه القمر، أن رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أخذ بِيَدِ عَائِشَةَ – رضي الله عنها -  ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ) [رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني]

ويمكن أن يتسع المعنى لعموم الليل، لكون القمر من جملة الليل؛ لأنه آية ليلية.

 

ومعنى (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) يعني:

-        من شر الليل إذا أقبل بظلامه.

-        أو أن يكون معناها: من شر القمر إذا طلع.

-        وقيل: من شر القمر إذا غاب.

 

وحديث عائشة يدل على أنه طلع. فالشر والضرر يكون في الليل، أكثر من النهار؛ لأنه مع الظلام يحصل شرور، ولهذا تجد أن اللصوص إنما يسرقون ليلا، والوحوش والهوام، إنما تخرج من بيوتها، وجحورها، ليلا، فيقع في الليل من الشر، أكثر مما يقع في النهار.

 

(وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) هذا ثالث المستعاذ منه.

(النَّفَّاثَاتِ) هن السواحر، جمع ساحرة، اللواتي ينفثن في الخيوط، والعقد، بلا ريق - لأن النفث يكون بلا ريق، والتفل يكون بالريق - فالسواحر - قبحهن الله – يعمدن إلى خيوط، فيعقدنها، وينفثن فيها، بهمهمات شيطانية، ينشأ عنها السحر، الذي يمرِض، أو يقتل. وعبر بجمع المؤنث السالم، لأن السحر أكثر ما يقع من النساء. فأكثر من يتعاطى السحر: النساء، ولهذا قال: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، ولم يقل: ومن شر النفاثين، وإن كان في الرجال سحرة، ولا ريب، لكن فشوه، وانتشاره، وطلبه، في النساء أكثر، فلهذا عبر بـ (النَّفَّاثَاتِ)، من باب التغليب.

 

(وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) هذا رابع المستعاذ منه.

* الحسد: هو تمني زوال نعمة غيره.

ومعنى (إِذَا حَسَدَ) يعني إذا أظهر حسده. وغالباً ما تصيب العين، حال تكيِّف النفس الخبيثة بالحسد، فيقترن بها تأثير الشيطان الحسي، فتؤذي المحسود؛ في نفسه، أو بدنه، أو ماله. لأن الحاسد - أجارنا الله وإياكم - إذا اضطرم الحسد في قلبه، أراد كيد المحسود، وإزالة النعمة عنه، بتدبير المكايد، والحيل، التي يتوصل بها إلى أذاه، أو يصيبه بعين، والعين حق، وذلك بأن تتكيف نفسه تكيُّفًا شيطانيًا، فيقع منه نظرة، يتدخل فيها الشيطان، فيصيب المُعان، أو المعيون، بنوع ضرر، قد يقتله، وقد يمرضه، فلا عصمة، للعبد إلا بهذا العوذ الشرعية، كهذه السورة.

 

فهذه السورة العظيمة فيها فرار إلى الله، واعتصام بجنابه، واستجارة به، من الشرور الخارجية، التي شملها قوله: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)، ومن زمانها، كالليل إذا أقبل، أو القمر إذا طلع، ومن أدواتها، كالسحر الذي تصنعه السواحر، في نفثهن في العقد، ومن شر الحاسد، الذي يصيب بعينه المحسود، لهذا كانت هذه السورة حرزا عظيما، وحصنا منيعا، من هذه الشرور، لا يعادلها شيء.

 

وهي أنفع مما يصفه بعض الرقاة والقراء، حين يطلبوا من المصابين، أن يقرءوا سورة كذا عدداً معيناً، في وقت معين، على هيئة معينة لم يرد بها أثر.

     وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقراءة هذه السورة، مع سورة الناس، وسورة (الإخلاص) في مواضع منها:

-   في طرفي النهار، في الصباح والمساء، يقولها ثلاث مرات؛ فعن عَبْد اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا فِى لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِيُصَلِّىَ لَنَا فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ « أَصَلَّيْتُمْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ « قُلْ ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ قَالَ « (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ ». [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني]

-   وكذلك كل ليلة، إذا أوى الإنسان إلى فراشه، جمع كفيه، وقرأ هذه السور الثلاث، ونفث في كفيه، ومسح من أعلى رأسه، إلى أخمص قدميه، يفعل ذلك ثلاث مرات؛ وذلك لما روته عائشة – رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [رواه البخاري]

ففي هاتين السورتين حفظ للعبد من جميع أنواع الشرور. وفي هذه السورة، الحفظ من الشرور الخارجية، المتمثلة بلدغ العقارب، والحيات، وهجوم سبع، أو عدو صائل، والإصابة بالسحر، والإصابة بالعين، وغيرها من الشرور التي لا حصر لها. فكانت الاستعاذة برب الفلق، منها جميعا.

 

الفوائد المستبطة

الفائدة الأولى: أن الاستعاذة عبادة، لا تكون إلا بالله، كما قال تعالى: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ).

الفائدة الثانية: إحاطة الله بكل شيء، وقدرته عليه.

الفائدة الثالثة: كثرة الشر، والضرر، في الليل.

الفائدة الرابعة: خطر السحر، وكثرته في النساء.

الفائدة الخامسة: خطر الحسد، وما ينشأ عنه من العين، والكيد.



التعليقات ( 0 )