• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الإخلاص)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

 
 

ومقصد السورة

بيان التوحيد العلمي.

سورة (الإخلاص) تعدل ثلث القرآن؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) وفي رواية قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) [رواهما البخاري]

 

وإنما كانت تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن:

-     إما أخبار.

-     وإما عقائد.

-     وإما أحكام.

فالأحكام: ما يتعلق بالحلال والحرام.

والعقائد: ما يتعلق بأصول الإيمان.

والأخبار: ما جرى بين الأنبياء، وأممهم، ونحو ذلك.

 

فلما أفردت هذه السورة لثلث العقائد؛ كانت تعدل ثلث القرآن، ولكنها تعدل ثلث القرآن في الفضل، لا في الأجزاء، فلو حلف إنسان، أن يختم القرآن، لم يجزئه أن يقرأ سورة (الإخلاص) ثلاث مرات. ولو قام إنسان في الصلاة، فقرأ الإخلاص ثلاث مرات، لم تجزئه عن قراءة (الفاتحة).

 

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الأحد) من أسماء الله الحسنى. وهذا الاسم لا يطلق منَكَراً، ولا على سبيل الإثبات، إلا على الله - عز وجل -، فإذا قيل "أحد" فالمراد به الله - عز وجل -، ولهذا كان يقول بلال: (أَحَدٌ أَحَدٌ) [رواه أحمد]، وكذلك لا يطلق على سبيل الإثبات، فيقال: "هو الأحد"، إلا على الله - عز وجل – لا يقال في حق مخلوق.

 

أما إذا جاء في سياق النفي، أو في سياق الشرط، أو في سياق الاستفهام، فإنه قد يطلق على غير الله - عز وجل -:

-     فسياق النفي مثل: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

-     وسياق الشرط كما في قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ).

-  وأما سياق الاستفهام فكقول الله - عز وجل - (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا). والنكرة في سياق النفي، أو الشرط، أو الاستفهام تدل على العموم.

 

(اللَّهُ الصَّمَدُ): (الصَّمَدُ) من أسماء الله الحسنى. قيل فيه عدة أقوال:

-  فقيل: السيد، الذي انتهى سؤدده، يعني: بلغ الغاية في سؤدده، وفي شرفه، فهو السيد المطلق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم حين جاءه وَفْد بَنِى عَامِرٍ، فقالوا له: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ « السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى » - [رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني]

-  وقيل: الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها، فجميع الخلائق من أنس، وجن، وطير، ووحش، وبهائم، كلها ترفع حاجتها إلى الله - عز وجل -.

-  وقيل: الذي لا جوف له، يعني أنه مستغن؛ لأن الذي له جوف، محتاج، كالآدميين، والبهائم، ونحوها، فهي خلق أجوف؛ تأكل، وتشرب، وتبول، وتتغوط، ولها شهيق وزفير. أما الرب - سبحانه وتعالى - فهو لا يطعم، ولا يشرب، سبحانه وبحمده، غني بذاته، فلهذا قيل في تفسير (الصمد) هذا المعنى.

 

(لَمْ يَلِدْ) يعني أنه سبحانه لا ولد له، لا ابن، ولا بنت، كما ادعى من ادعى من أهل الباطل، فاليهود تقول: عزير ابن الله، والنصارى تقول: المسيح ابن الله، ومشركو العرب يقولون: الملائكة بنات الله، والله تعالى يقول (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ). يعني أنه سبحانه لم يتسلسل من أحد، ولا يتسلسل منه أحد. بل هو الأول، فليس قبله شيء، وهذا لا يكون إلا في حق الله.

وربما يخطر في بال أحد فيقول: لماذا نفى الله تعالى عن نفسه الولد؟ والجواب عن ذلك: أن يقال: إنما يُتخذ الولد للحاجة، فالناس يستولدون؛ لحاجتهم إلى الولد، ولينفعوهم وقت الكبر، والله غني عن ذلك، و- أيضا - لو كان لله ولد – وحاشاه - لكان الولد من جنس أبيه، والله تعالى ليس كمثله شيء، لكمال وحدانيته سبحانه.

 

ثم ختم ذلك بقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) يعني لا مكافئ لله، ولا مماثل له، ولا ند له، ولا نظير.

فهذه السورة على قصر آياتها، من أعظم سور القرآن، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرنها مع سورة (الكافرون)، في ركعتي الطواف، وراتبة الفجر، وفي الشفع والوتر من الليل؛ لعظم هاتين السورتين.

 

وقد جاء في سبب نزول هذه السورة عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُحَمَّد انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }    [رواه الترمذي وأحمد وحسنه الألباني]

 

الفوائد المستنبطة:

الفائدة الأولى: بيان صفة الرحمن.

من أرد أن يمتلئ قلبه بتعظيم الرحمن، فليكثر من قراءة هذه السورة، ومن خطر بباله خاطر شيطاني، فليقل: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فينطرد ذلك الخاطر؛ لأن الشيطان يلقي في قلب ابن آدم، الأوهام، والوساوس، فإذا قرأ هذه السورة البينة، انقشع ما هجم على  قلبه من الخطرات.

الفائدة الثانية: إثبات الأسماء الحسنى (الأحد) و(الصمد).

الفائدة الثالثة: كمال وحدانية الله – سبحانه - في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، فهو واحد في ذاته، واحد في أسمائه، واحد في صفاته، وأفعاله، ليس كمثله شيء.

الفائدة الرابعة: كمال غناه – سبحانه -، وافتقار الخلائق إليه، وأن جميع الخلائق تصمد بحاجاتها إليه.

الفائدة الخامسة: تنزهه – سبحانه - عن الوالد، والولد، ومماثلة المخلوقين، ومن لم يكن له ولد، فليس له صاحبة.

الفائدة السادسة: الرد على اليهود، والنصارى، ومشركي العرب.

الفائدة السابعة: الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل.

الإثبات بلا تمثيل: فالله تعالى أثبت أنه أحد، وأنه صمد، فنثبت هذا لله على وجه لا يبلغ التمثيل؛ كما نفى عن نفسه الوالد والولد، فننزهه عن مماثلة المخلوقين، لكن هذا التنزيه لا يبلغ مبلغ التعطيل.

الفائدة الثامنة: الجمع بين النفي، والإثبات في صفات الله تعالى.

وهذا يمر بنا كثيرا في دروس العقائد، أن الله سبحانه وتعالى جمع فيما وصف، وسمى به نفسه، بين النفي والإثبات، كما في هذه الآية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ) فهذا إثبات، وأما قوله (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فهذا نفي، ولا يتم العلم بالله إلا بالجمع بين الأمرين، بإثبات صفات الكمال، ونفي صفات العيب والنقص، ومماثلة المخلوقين.

ومثل ذلك قول الله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) فـ (الْحَيِّ) إثبات، و(الَّذِي لَا يَمُوتُ) نفي.



التعليقات ( 0 )