• ×

د. أحمد القاضي

سورة (النصر)

د. أحمد القاضي

 0  0  3.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3))

 

مقصد السورة: بيان حال المؤمن مع النصر.

 (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) النصر معروف، والمراد بـ(الفتح) هنا: فتح مكة، وقد وقع في رمضان، سنة ثمان من الهجرة.

(وَرَأَيْتَ النَّاسَ) يعني: قبائل العرب.

(يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا): جماعات تلو جماعات، وقد كان الناس يسلم الواحد تلو الأخر، وبعد فتح مكة، أقبلت قبائل العرب على الإسلام بأجمعها؛ لأن العرب كانوا ينتظرون ما يقع بين النبي صلى الله عليه وسلم، وقومه، إذ كانت قريش أعز قبائل العرب، وتقطن مكة، مهوى أفئدتهم. فلما نصره الله عليهم، ودخلوا في دين الله، صارت وفود العرب تفد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، في العام التاسع، الوفد تلو الوفد، حتى سُمي (عام الوفود).

 ونصر الله للمؤمنين سنة كونية، قال ربنا عز وجل (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) فلابد من نصر الله.

 

وتأمل حال نبينا - صلى الله عليه وسلم -، حين خرج من مكة، شريدا، طريدا، يتعقبه الحاقدون، والطامعون، حتى كان يكمن نهارا، ويسير ليلا، مدة أسبوع، حتى بلغ المدينة، ثم بعد ثماني سنوات، يرجع فاتحًا، منتصرًا، ويدخل مكة، ويحكمه الله تعالى في رقابهم، ويقول: :« مَا تَرَوْنَ أَنِّى صَانِعٌ بِكُمْ؟ ». قَالُوا : خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ :« اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ » رواه البيهقي وأهل السير.، وفي حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما-  أنه كان من قوله – صلى الله عليه وسلم حين رقى على جبل الصفا " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ " [رواه مسلم].

فيجب الإيمان بنصر الله، والثقة بموعود الله، فلا يجوز القنوط من رحمة الله؛ قال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)، وقال سبحانه: (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، فيجب على المؤمن: أن يحسن الظن بربه، ولا يجوز أن يعتقد الإنسان، أن الله يديل الباطل على الحق، إدالة مستمرة، فمن ظن ذلك، فقد أساء الظن بالله. نعم! قد يدال الباطل على الحق مؤقتًا، قال الله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)، لكن يعقبه نصر عزيز، وفتح مبين.

 

فإن قال قائل: كيف استيئس الرسل من نصر الله، كما في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)؟ قيل: إن الرسل لم يستيئسوا من نصر الله، وإنما استيئسوا من إيمان هؤلاء الأقوام المخاطبين، ولم ييئسوا من نصر الله.

وهذا يحتاج إلى يقين، وهذا اليقين لا يجده إلا المؤمنون؛ كما قال الله عز وجل في سورة الأحزاب (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)، وأما المنافقون فقالوا: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا) يقول أحدهم: محمد يعيدنا ملك كسرى، وقيصر، وأحدنا لم يأمن أن يذهب يقضي حاجته!

 

 (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) يعني: نزه ربك، متلبسًا بحمده، فالباء في قوله (بِحَمْدِ) للملابسة، أي: اجمع بين التسبيح - الذي هو التنزيه - والحمد.

(وَاسْتَغْفِرْهُ) يعني: اطلب منه المغفرة، وهي: الستر، والتجاوز. ومنه سُمي (المغفر) الذي يجعل على الرأس، لأنه يستر الرأس، ويقيه.  

 

(إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) التوبة معناها: الرجوع. و(التواب): اسم للرب، عز وجل، متضمن لصفة التوبة؛ أي أنه كثير العود على عباده بالصفح والعفو. و(التواب) يطلق على العبد، ويطلق على الرب، فالعبد تواب، إذا كان كثير الرجوع إلى سيده، والرب تواب، لكثرة توبته على عبده، وهي نوعان:

الأول: إذن وتوفيق: كما في قوله الله تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)، فتوبته عليهم سبقت توبتهم إليه.

الثاني: قبول واعتداد: كما في قوله تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)  [المائدة : 39]

 

الفوائد المستنبطة:

الفائدة الأولى: سنة الله الكونية، في إدالة الحق، على الباطل.

الفائدة الثانية: - الحذر من اليأس من نصر الله.

الفائدة الثالثة: أن فتح مكة، فتحٌ لما بعدها؛ لأنها أم القرى.

الفائدة الرابعة: صدق وعد الله.

الفائدة الخامسة: مقابلة النعم المتجددة بالتسبيح، والحمد، والاستغفار.

الفائدة السادسة: الإيذان بدنو أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لانتهاء مهمته، وأدائه رسالات ربه.

عن ابن عباس قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَد في نفسه، فقال: لم يَدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليُريهم، فقال: ما تقولون في قول الله، عز وجل: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نَحمد الله، ونستغفره إذا نصرنا وفُتح علينا. وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } فذلك علامة أجلك، { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا }. فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. رواه البخاري

الفائدة السابعة: مشروعية الاستغفار، بعد الفراغ من العبادات.

الفائدة الثامنة: إثبات اسم التواب له تعالى، وما تضمنه من صفة (التوبة).



التعليقات ( 0 )