• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الكافرون)

د. أحمد القاضي

 0  0  3.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

 

مقصد السورة: بيان حقيقة التوحيد العملي.

(قُلْ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه اللفظة، جزء من السورة، كما أنها جزء من جميع القواقل، والقواقل هي: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)

(يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) المنادى: مشركو مكة

(لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) يعني: لا أعبد في الحال، ولا في الماضي، ولا في المستقبل، ما تعبدون من الأصنام، فتبرأ من عبادة الأصنام، وغيرها، مطلقا.

 

(وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) يعني: ولا أنتم عابدون، في الحال، ما أعبد. فهم في هذه الحال، لا يعبدون الله عز وجل، وإن زعموا ذلك، فقد نفى عنهم وقوع عبادة الله، لأن عبادتهم التي يزعمون أنها لله، مشوبة بالشرك.

وعبادة الله، لا يمكن أن تكون إلا خالصة، فعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ( قَالَ الله تَعَالَى : أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) رواه مسلم.

 

(وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) : جاءت هنا بصيغة، الجملة الاسمية الدالة على الثبوت، وفي الآية الثانية من السورة، جاءت بصيغة الجملة الفعلية. فقوله (وَلَا أَنَا عَابِدٌ) يعني في المستقبل، والمعنى: اقطعوا الأمل! لا أوافقكم على عبادتكم، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل.

(وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) يعني: أنكم أنتم أيضا،لا في الحال، ولا المستقبل، تعبدون ما أعبد، ما دمتم مستمرين، على الشرك.

(لَكُمْ دِينُكُمْ) وهو دين الشرك.

(وَلِيَ دِينِ) وهو دين الإسلام، والتوحيد. هكذا، بحذف الياء، باتفاق القراء السبعة، وإن كان غير السبعة، قد أثبتها، فقرأ: (ديني)

 

ولو تأملنا في هذه السورة، لوجدنا فيها تكرارًا، وهذا التكرار، في الحقيقة، ليس متطابقًا، بل جاء مرة، بالجملة الفعلية: (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، ومرة، بالجملة الاسمية: (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ )، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) والجملة الاسمية، تدل على: الثبوت، والاستمرار.

وفائدة التكرار: التأكيد على المفاصلة التامة، بين عبادته، وعبادتهم، وبين دينه، ودينهم. فهذه السورة، تتعلق بأمر العبادة، التي هي التوحيد العملي.

فإن التوحيد ينقسم إلى قسمين:

-      توحيد عملي.

-      وتوحيد علمي

فالنوع الأول: التوحيد العملي، ويسمي أيضا: توحيد العبادة، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد القصد والطلب، وكل هذه الاصطلاحات الأربعة، بمعنى واحد. وهذا النوع من التوحيد، هو ما دلت عليه سورة (الكافرون) فهي متخصصة في توحيد العبادة.

النوع الثاني: التوحيد العلمي، ويسمى أيضا التوحيد النظري، وتوحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فهذه أربعة اصطلاحات مترادفة. وهذا النوع من التوحيد، هو الذي تدل عليه سورة (الإخلاص) كما سيأتي إن شاء الله.

فلا يتم الدين إلا باجتماع أمرين:

أحدهما: عبادة الله وحده، والثانية البراءة من الشرك،كما قال تعالى: (أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) يعني مائلين عن الشرك، وقال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)

 

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرن بين، هاتين، السورتين: سورة (الكافرون)، وسورة (الإخلاص)، في قراءة الصلاة، لما فيهما من الدلالة، على التوحيد، بنوعيه، فيقرأهما في:

-      راتبة الفجر.

-      ركعتي الطواف.

-      الوتر يقرأ في الأولى بـ(سبح)، وفي الثانية بـ(قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة بـ(قل هو الله احد).

 

تنزل هذه الآيات على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في حال استضعاف، حينما كان في مكة، ومع ذلك يتوجه، بهذا الخطاب العقدي العظيم، الواضح، الذي لا لبس فيه، ولا غموض.

وربما قال قائل: ألا يسع في وقت الضعف، أن يُلين الداعية العبارة، ليدفع عن نفسه؟ نقول: لو ساغ ذلك في كل شيء، لم يسغ في باب الاعتقاد. لابد من الوضوح، في طرح العقيدة، وبيانها، وعدم اللبس على الناس، لاسيما لأهل العلم، ومن يصدر عنهم العامة، فإن عليهم، من المسؤولية، ما ليس على غيرهم.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ قُرَيْشًا دَعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَنْ يُعْطُوهُ مَالا فَيَكُونُ أَغْنَى رَجُلٍ بِمَكَّةَ، وَيُزَوِّجُوهُ مَا أَرَادَ مِنَ النِّسَاءِ وَيَطَأُونَ عَقِبَهُ، فَقَالُوا: هَذَا لَكَ عِنْدَنَا يَا مُحَمَّدُ، وَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، وَلاَ تَذْكُرْهَا بِشَرٍّ، فَإِنْ بَغَضْتَ فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً، وَلَكَ فِيهَا صَلاحٌ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَوا: تَعْبُدُ إِلَهَنَا سَنَةً؛ اللاتَ وَالْعُزَّى، وَنَعْبُدُ إِلَهِكَ سَنَةً ، قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأْتِينِي مِنْ رَبِّي. فَجَاءَ الْوَحْي مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) السُّورَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ )(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ). رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وحسن إسناده الألباني.

فالأمر ليس فيه أنصاف حلول، ولا تنازلات، ولا مماكسات! هذا دين الله عز وجل، لا يسع أحدًا، أن يزايد فيه، وأن يتنازل عن بعض ما أمر به. قد يسع الإنسان، أن يتقي تقاة، إذا لم يستطع أن يقول كلمة الحق، ولم يطق البلاء، وله في ذلك سعة، كما قال الله عز وجل: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) لكن المرتبة العليا، والمقام الأسمى، لمن جهر بالحق، وصدع به، وهذا يتأكد في حق العلماء.

 

ولهذا وقف الإمام (أحمد بن حنبل)، رحمه الله، في عام الفتنة، وقفة قوية، مع أنه كان يسعه، أن يتأول. دخل عليه، مرة، على بن المديني، رحمه الله، وهو من كبار المحدثين، من رجال البخاري، فروى بسنده، حديث عمار: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« مَا وَرَاءَكَ؟ ». قَالَ : شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ. قَالَ كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟) قَالَ : مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ). فتنحى عنه الإمام أحمد، وولاه ظهره، وقال: لا يعرفون من الدين، إلا حديث عمار!، عمار ضرب، فأجابهم إلى بعض ما طلبوا، وأنتم قيل لكم: إنكم ستضربون، فأجبتموهم، إلى ما طلبوا. فقال: والله ما رأت عيناك مثلك.

فمن استطاع أن يقوم بدين الله، ويصدع بالحق، فهذا أعلى المراتب، ومن ضعف عن ذلك، فأمره إلى الله سبحانه وتعالى، لكن هذه السورة تؤكد أن أمر الدين، لا يجوز أن يداهن فيه، ولا أن يلبس على الناس فيه.

 

يجب أن يُبين الإسلام، نقيًا، بريئًا، من كل شائبة، ولا يجوز بحال، من الأحوال، أن يمزج باليهودية، أو النصرانية، أو غيرها، من الملل الوثنية، ولا أن تجعل الأديان على حد سواء، ولا أن يُسوَّغ اعتناق أي منها، بدعوى أن جميعها صحيح، وأنها توصل إلى الله! ولا الدعوة المطلقة إلى الاعتراف بالآخر! واحترام قيم الأخر! ونحو ذلك من العبارات، التي توقع في نفوس الجهال، أن من شاء تدين بما شاء! فيجب أن يبين أن دين الله تعالى، دين واحد، هو الإسلام، (وأن من يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه)،

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ يَهُودِىٌّ، وَلاَ نَصْرَانِىٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) فلا يجوز أن تسمى، اليهودية، والنصرانية، أديانا سماوية؛ لأن في ذلك تصحيح لها، ونسبة إلى دين الله عز وجل. وقد قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا)، وقال (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)، وقال (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) وأنكر عليهم حينما قالوا (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا).

فلا يوجد دين سماوي، على وجه الأرض، من لدن آدم، إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا دين الإسلام، وهو الإسلام، بالمعنى العام، الذي بعث الله به، جميع أنبيائه، وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم. وأما اليهودية، فهي ما آل إليه دين موسى (عليه السلام) بعد التحريف، وأما النصرانية، فهي ما آل إليه دين عيسى (عليه السلام)، بعد التحريف، فلهذا برّء الله إبراهيم (عليه السلام) منهما.

وليس صوابا، أن يقال:  نجتمع على المشترك، والمتفق عليه، ونقصي المختلف فيه، ما هذا منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا منهج الصحابة، ولا التابعين، ولا علماء الأمة الراسخين، بل منهجهم  ما أمر الله تعالى به، بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) ثم تولى بنفسه سبحانه تفسير هذه الكلمة، ولم يدعها لتفسير مفسر، أو قول فقيه، فقال: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). هذه هي الكلمة السواء، أما ما ينادي به بعض المفكرين العصرانين، من البحث، عن نقاط الاتفاق بيننا، وبين اليهود، والنصارى، وإبرازها، وتحاشي نقاط الاختلاف، وإقصائها، وعدم مناقشة قضايا العقائد، فهذا خلاف المنهج القرآني، وخلاف المنهج النبوي، وخلاف منهج السلف الصالح، والسابقين، الأولين من هذه الأمة.

 

الفوائد المستنبطة:

الفائدة الأولى: وجوب المفاصلة، والبراءة من الكفار.

الفائدة الثانية: وضوح الخطاب، والبعد عن المداهنة.

الفائدة الثالثة: أن أصل العبادة: هو الإخلاص، والبراءة من الشرك،

الفائدة الرابعة: تسمية الشرك دينا.  لقوله (لَكُمْ دِينُكُمْ) ودينهم الشرك، وقوله في قصة يوسف (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ).

الفائدة الخامسة: الحذر من لبس الحق بالباطل.



التعليقات ( 0 )