• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الكوثر)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)

 

مقصد السورة : بيان كرامة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه، وصنيعه بأعدائه.

 

(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (إِنَّا) الضمير يرجع إلى الله - سبحانه وتعالى -، وهو في أصل وضعه في اللغة، يدل على الكثرة، لكنه هنا يدل على التعظيم.

فلو ادعى النصراني الْمُثَلِّث، الذي يقول: "الله ثالث ثلاثة"، أو يقول: "الأب، والابن، وروح القدس، إله واحد"، أن مثل هذا الضمير يدل على مبدئه الباطل، فيقال له: هذا المتشابه عندك، يرفعه المحكم في قول الله تعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)

(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ) المعطي هو الله.

(الْكَوْثَرَ)؟ تنوعت عبارات المفسرين في المراد به:

-  فقيل: الْكَوْثَرَ على وزن فَوْعَل، صيغة مبالغة، تدل على مطلق الخير، فالله - سبحانه وتعالى -، أعطاك عطاء، جمًا، كثيرًا، من النبوة، والحكمة، والتمكين، والشفاعة، والنعيم الأخروي، وغير ذلك، فيتناول كل خير، فله منه أكثره، وأفضله.

-  وقيل: إن الْكَوْثَرَ: نهر في الجنة، ويشهد لهذا حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، قَالَ: (بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَهً ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا: فَقُلْنَا : مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ ، فَقَرَأَ :بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ). ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ : رَبِّ، إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ.) [رواه مسلم]

-  وقد عمد بعض المفسرين، إلى العموم، وقال: لا يمتنع أن يدخل قول من قال: "هو نهر في الجنة"، بالقول الأول، الذي يدل على الخير الكثير؛ فإن من الخير، الكثير، هذا النهر العظيم، الذي أكرم الله تعالى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، في الجنة، لا يحيط به وصف.

ومما جاء أن الحوض، الذي يكون في عرصات القيامة، يصب فيه ميزابان، من نهر الْكَوْثَرَ. ولما كان ماء الحوض: أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأطيب من ريح المسك، فلا شك أن الأصل، سيكون من هذا، وأعلى.

 

(فَصَلِّ لِرَبِّكَ):

-  إما أن يراد مطلق الصلاة، يعني: صلِّ لله، وحده، لا شريك له، خلافًا لصنيع المشركين، الذين يسجدون، ويركعون، لغير الله.

-  وقيل: إن المراد بالصلاة، صلاة عيد النحر، خصوصًا؛ لأنه قال بعدها: (وَانْحَرْ)، والصلاة يوم عيد النحر، تكون قبل النحر.

 

وقد وقع الخلاف في قوله (وَانْحَرْ):

-      فقيل معناها: اذبح نسكك، يوم عيد النحر.

-      وقيل: إنها مطلق النحر، تقربًا لله تعالى.

-  وقيل: معنى (وَانْحَرْ) -: "ضع يدك اليمنى، على اليسرى، فوق نحرك، في الصلاة". - وهو مروي عن علي-رضي الله عنه-. وموضع النحر في الإنسان، تحت العنق.

-  وقيل (وَانْحَرْ) أي: استقبل بيديك، القبلة، وارفعهما عند التكبير؛ فإن من معاني النحر، عند العرب: "المواجهة، والمقابلة" كما يقال مثلا: "فأتى إليه، في نحر الظهيرة" يعني: مستقبل الظهيرة، ومنه قولهم: "تناحر الفريقان" حينما يتقابل الفريقان، ويصير كل فريق وُجاه الفريق الأخر.

وأقرب هذه الأقوال - والله أعلم - أن المراد بها: الذبح، سواء كان ذبح النسيكة، يوم عيد النحر، أو مطلق الذبح، تقربا لله - عز وجل –.

 وقد جمع الله بين الصلاة والنحر في غير ما موضع، هنا قال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقال في السورة الأخرى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي)، فهذا يدل على أن هاتين العبادتين، من أجل العبادات.وصرفهما لغير الله شرك أكبر.

 

(إِنَّ شَانِئَكَ) أي: مبغضك.

 

(هُوَ الْأَبْتَرُ):

-      قيل معناها: أي المقطوع، أو المنقطع عن كل خير.

-      وقيل معناها: المنقطع العقب، يعني: أنه ينقطع عقبه، ويندرس ذكره.

حيث إنها نزلت في أحد كفار قريش، إما (العاصي بن وائل السهمي)، وإما (عقبة بن أبي معيط) وكلاهما من صناديد، قريش، الذين كانوا يؤذون النبي - صلى الله عليه وسلم -. وذلك أنه لما مات القاسم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يهمنكم أمر محمد؛ فإنه أبتر، لا عقب له" أي لا يبقى له عقب، وعندهم في الجاهلية، إن الذي لا يبقى له عقب، لا يستمر أمره. فقال الله (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

فكل من عادى نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فمآله إلى سفال، وبوار، وخسار. شهد الله بذلك في هذه الآية، وشهد التاريخ بهذا، فمن تلطخ بمذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أذله الله، وانتقم منه، حتى إن أحد ملوك الصليبيين، لما هجموا على الثغور الشامية، زعم أنه يأتي المدينة، وينبش قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فغضب لهذا الأمر، الملك الصالح، (صلاح الدين الأيوبي)، فلما أمكنه الله، من ملوك الصليبين، وأُتي بهم أسرى، موثقين، بين يديه، عفا عنهم، إلا هذا الشانئ البغيض، فقتله صبرًا، انتقامًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.

وهؤلاء المتطاولون، في السنيات الأخيرة، على مقام نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالرسوم المسيئة، وبالكلمات البذيئة، مآلهم إلى ذلك، أيضا، وقد أرانا الله بعض صنيعه بهم، والبقية آتية، إن شاء الله.

 

 الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: المنة التامة، لله، تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -،  فما من أحد نال منة من الله، كما نال محمد - صلى الله عليه وسلم -.

الفائدة الثانية: مقابلة المنة، بالشكر، والعبادة.

الفائدة الثالثة: أن الصلاة، أفضل العبادات، البدنية.

الفائدة الرابعة: أن الذبح، أفضل العبادات، المالية.

الفائدة الخامسة: فائدة عجيبة، وهي السنة الكونية في اضمحلال، أعداء نبيه - صلى الله عليه وسلم - وذهاب ريحهم (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).



التعليقات ( 0 )