• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (الماعون)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  3.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) )

سورة (الماعون) سورة سميت بهذا الاسم؛ لورود هذه الكلمة فيها.

 

ومقصد هذه السورة:

بيان العلاقة، والصلة الوثيقة، بين العقيدة، والسلوك، وذم الرياء. فالسلوك ثمرة، وأثر للعقيدة، التي تقوم في القلب، فهي تشترك مع سورة (الهمزة) في هذا المقصد، غير أن سورة (الماعون) يزيد في مقاصدها: ذم الرياء.

 

(أَرَأَيْتَ) هذا أسلوب استفهام؛ فالهمزة: همزة الاستفهام، والخطاب موجه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنى (أَرَأَيْتَ): أخبِرِني، فهذا استفهام إنكاري، أريد به الإنكار على من يكذب بالدين.

(الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) الدين: الجزاء، والحساب. فالله تعالى ينعي، على من ينكر البعث، وما يتلوه، من حساب، وجزاء.

ثم وصف الله تعالى، هذا المكذب بالدين، بجملة أوصاف، مسلكية، فقال:

 

(فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) يعني: أن من شأنه، أنه يَدُعُّ اليتيم.

 (يَدُعُّ)، اختلف في معناها:

-  فإما أن تكون بمعنى: يدفع، وهو ما يدل عليه، ظاهر اللفظ، كما في قوله تعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)، فـ "الدَّع": بمعنى الدفع، فكأنه باستهانته، بذلك اليتيم، يدفعه بيده، ولا يبالي.

-  وإما أن تكون بمعنى: يظلم ويقهر. وهذا أعم؛ لأن الدَّع باليد، يدخل في الظلم، والقهر، وقد نهى الله تعالى، عن قهر اليتيم؛ قال (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)

و(الْيَتِيمَ): هو من مات أبوه، ولم يبلغ سن الاحتلام.

والغالب في حال اليتيم، الضعف؛ حيث لا أحد يمنعه، ولا يذب عنه. وقد كان أهل الجاهلية، يستطيلون على صنفين: المرأة، واليتيم. ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقال: (إني أحرج عليكم حق الضعيفين : اليتيم و المرأة) رواه ابن ماجة، والحاكم، وأحمد، وحسنه الألباني.

 

 ثم وصف – تعالى - هذا المكذبَ، بوصف آخر، فقال: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): يعني: لا يحث نفسه، ولا غيره.

(طَعَامِ الْمِسْكِينِ) يعني: إطعام المسكين.

فهو لا يحث نفسه، ولا يحث غيره، على إطعام المسكين، بل ربما تمادى به الحال، فدعا إلى ضد ذلك، كقول الله تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) [النساء:37]، وهذه مرتبة أسوأ، من مجرد عدم الحض، على طعام المسكين.

ونلاحظ أن هاتين الصفتين، (ظلم اليتيم وقهره، وإطعام المسكين)، قد تكرر التنبيه عليهما، في غير ما سورة، من سور جزء "عمَّ":

-      ففي سورة "الفجر"، قال الله تعالى: (كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)

-  أيضا في سورة "الضحى"، قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) والسائل: هو المسكين، الذي يسأل، ويستجدي.

-  وكذلك في سورة "البلد" (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ).

فهذا يلفت انتباهنا، إلى هاتين الصفتين، الخُلقيتين، المسلكيتين، وكيف اعتنى بهما القرآن العظيم، ولاسيما في العهد المكي، الذي لم تنزل فيه تشريعات؛ حيث كان القرآن المكي، يركز على العقائد، والقيم، والأخلاق. فينبغي للإنسان، أن يهتم بهذين الصنفين: (اليتيم، والمسكين).  تعظيما لما عظم الله تعالى، وبداءة بما بدأ الله به تعالى.

 

ثم تحول السياق إلى نمط آخر، فقال (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ).

(فَوَيْلٌ): اختلفت الأقول في معنى (وَيْلٌ):

-      فقيل: هي كلمة ردع، وتهديد، ووعيد.

-      وقيل: إنها وادٍ في جهنم.

(لِلْمُصَلِّينَ) ليس المراد مطلق المصلين، بل المصلون الذين أتى وصفهم بعد ذلك.

 

(الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ): لم يقل الله: "الذين هم في صلاتهم ساهون" وإلا لكان الأمر جد عظيم، فمن منا لا يقع له سهو في صلاته؟! فمن لطف الله بعباده، أن قال (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ).

 (سَاهُونَ) قيل في معناها:

-      أي: غافلون عنها، ولا يبالون بها.

-  وقيل: يؤخرونها، حتى تخرج عن وقتها، كما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) [الترمذي: 160]

-      وقيل: يتركونها بالكلية.

 

والواقع أن هذه المعاني، متلازمة، أو متقاربة؛ فكل سهو وغفلة عن الصلاة، يؤدي إلى الترك، ويدل على عدم الاهتمام بهذه الشعيرة، العظيمة. وذلك بخلاف أهل الإيمان؛ فإن الصلاة في قلوبهم، من أجِّل العبادات، ومن ألذ القربات، فنعيمهم، وقرة أعينهم، في الصلاة؛ كما في حديث أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه النسائي،و صححه الألباني.

فهذا يؤكد على أهمية العناية بالصلاة، وأعظم ما في الصلاة هو الخشوع؛ فإنه لبها (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:1-2].

كما يؤكد الحذر من الغفلة والسهو فيها، ففي حديث عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ، وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا). رواه أبو داوود، وحسنه الألباني.

 

(الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ): مأخوذة من الرياء يعني: إن هم صلوا، فإنهم يقصدون بذلك مراءاة الناس، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون. ويصلون لأجل نظر الناس، ويُرونهم خلاف ما هم عليه في الواقع، فهم منافقون.

 ولا شك أن الرياء شرك، لكنه ربما في بعض الأحوال يكون شركا أصغر، وربما طغى، وعم، فنقل صاحبه إلى الشرك الأكبر، فقد يعرض الرياء للمسلم، فيبطل عمله الذي قارنه، وقد يقع الرياء في جميع أعماله، فينقلب كافرًا، خارجًا عن الملة.

 

وقد يقع المسلم الحنيف، أسير الرياء، فتغلبه نفسه، لما يرى من نظر فلان، أو علان، فربما حسن صلاته، وركوعه، وسجوده، لأجل نظر فلان، فحينئذ:

-      إن كان ذلك من قبيل الخاطر، الذي هجم عليه، فاستعاذ منه، لم يضره، وصحت صلاته.

-      وإن استرسل معه، بطلت صلاته، كلها؛ لأن الصلاة عبادة، ذات هيئة مجتمعة.

أما إن كان هذا الرياء في عبادة، ذات أجزاء متفرقة، لا ينبني بعضها على بعض، فإنه يبطل ما قارنه فقط، كما لو أخرج زكاة ماله، على دفعات، فقارنه الرياء في إحدى هذه الدفعات، فإنها تبطل تلك الحصة، التي قارنها الرياء، وأما ما سواها فإنه صحيح.

 

وقد ذهب بعض العلماء، إلى أن هذه السورة، ليست مكية بأكملها، وإنما المكي منها الآيات الأُول، وهي: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، وأما قوله (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ..) إلى أخر السورة، قالوا: إنها مدنية؛ لأن النفاق لم يكن في مكة، نجم إلا في المدينة.

ولكن الناظر في نسق الآيات، يجد أنها متناسبة، وأنها بمجموعها، من جنس القرآن المكي، ذي الفواصل القصيرة، ولا يمنع أن ينبه الله تعالى، على مسألة أصلية، ولو في العهد المكي؛ كما قال تعالى في سورة مكية (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت:7]، مع أن الزكاة لم تشرع إلا في المدينة. فلا يمنع أن تكون السورة، بكاملها مكية.

 

(وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ): قيل في تفسير (الْمَاعُونَ) أقوال متعددة:

-      فقيل: إنه مطلق المنفعة يعني: كل ما فيه نفع، فهو ماعون.

-      وقيل: إنه العارية.

-      وقيل: إنه الزكاة، يعني: يمنعون الزكاة.

-      وفسر ببعض أنواعه؛ فقيل: إنه الدلو، والحبل، والقدر، والإبرة، وما أشبه.

فمن شأن هؤلاء المصلين (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ(5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) من شأنهم أنه لا خير فيهم، ولا نفع، فهم يحجبون نفعهم، عن غيرهم، إلى حد أنهم يمنعون الأشياء البسيطة، التي تعود الناس، أن يتخادموا فيها، كإعارة الدلو، والقدر، والإبرة، وما أشبه.

 

فهذه السورة ترسم صورة منفرة، للكافر، الذي لم يحل الإيمان في قلبه، وكيف أن سلوكه، صار سلوكا مشينا:

-      فهو شديد الغلظة على اليتيم، مع أن اليتيم محل الرأفة، والرحمة.

-      وهو أيضا لا يبالي بالمسكين، الذي يستدر الدمعة، ويثير العطف.

-      وهو أيضا لا يبالي بأمر الصلاة، التي هي الصلة بين العبد، وربه.

-      وإن أداها، أداها على وجه المراءاة.

-      وهو كذلك، لا خير فيه، ولا نفع متعدي، بل هو أناني.

فكل هذه الأوصاف، المسلكية، نتيجة، وثمرة للكفر، الذي حل في قلبه.

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: إنكار الله، على منكر البعث.

الفائدة الثانية: أثر إنكار البعث على السلوك، فالكافر لما كذب بالدين، جاءت تصرفاته على هذا النحو، ولو كان مقرا بالبعث، والجزاء، والحساب، لاستقام.

الفائدة الثالثة: أن الصلاة بغير صلة بالله، وإخلاص له، لا نفع فيها، فما ينتفع العبد من صلاته، إلا إذا اتصل قلبه بخالقه، وبارئه، وأخلص العبادة له. فتلكم الصلاة التي تنهى عن الفحشاء، والمنكر.

الفائدة الرابعة: أن الرياء من الشرك؛ لأنه جاء في وصف المشرك، الكافر.

الفائدة الخامسة: بيان حزمة من الأخلاق الكفرية، وأن أضدادها أخلاق إيمانية.



التعليقات ( 0 )