• ×

د. أحمد القاضي

سورة (قريش)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطن الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) )

 

مقصد السورة:

تهدف هذه السورة إلى مقصد دقيق، في باب الاعتقاد، وهو بيان الواجب على أهل الحرم، قريش، وهو تحقيق التوحيد.

وقريش أشرف قبائل العرب، فقد قال نبينا – صلى الله عليه وسلم - كما في حديث وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ:) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماَعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ) [مسلم: 2276] وقد أكرمها الله، وأحلَّها هذا الموضع، وقلدها سدانة بيته.

 

(لِإِيلَافِ) جار ومجرور، وكل جار ومجرور لابد له من متعلق:

فقيل: متعلق بقوله تعالى في آخر السورة (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)، يعني أن إيلافهم موجب لعبادتهم، لرب هذا البيت.

وقيل: متعلق بسورة (الفيل) - وهذا من أعجب ما قيل!! – يعني أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر ما ذكر في سورة (الفيل)، وأنه جعلهم كعصف مأكول، أتبعه بقوله (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)، يعني أن ذلك الذي جرى وحصل، لأجل إيلاف قريش.

وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره: "عجبا"، أو: "اعجبوا" "لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ"، كما قيل في قول الله تعالى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) : "اعجبوا لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ"

 

معنى (إِيلَافِ):

1)  قيل: جمع، كما تقول – مثلا -: "آلفت بين هذه الأشياء، فصنعت منها كذا، وكذا" أو "آلفت بين هذه النصوص، فجمعت منها بحثا، أو كتابا"

2)   وقيل: من ألِف، أي: اعتاد.

وعلى هذا يكون معنى (إِيلَافِهِمْ) في قوله: (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ):

-      على القول الأول: جمعهم بين الرحلتين؛ رحلة الشتاء، والصيف.

-      وعلى الثاني: اعتيادهم على هاتين الرحلتين.

وبهذا يكون المعنى الإجمالي لقوله تعالى : (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) :

-      اعجبوا لجمع قريش، بين رحلتي الشتاء، والصيف،

-      أو اعجبوا لاعتياد قريش على هاتين الرحلتين، في الشتاء والصيف.

وثم معنى ثالث، ينقدح في الذهن، وهو أن المقصود بـ (إِيلَافِ قُرَيْشٍ) هو: تأليفهم لقبائل العرب، بحيث يقطعون هذه الرحلة، إلى الشمال، وهذه الرحلة إلى الجنوب، دون أن يتعرض لهم أحد، من قبائل العرب، مع أن العرب في أيام الجاهلية، كان قوام كسبهم السلب، والنهب، والغزو، وقطع الطريق، فاعجبوا كيف تمكنت قريش من إيجاد الألفة، والتآلف، مع هذه القبائل، التي تمر بها، في طريقها إلى الشام، وفي طريقها إلى اليمن، دون أن يقع لهم قطع طريق، أو عدوان !

 

(رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) في الشتاء، كانوا يرحلون إلى اليمن؛ لدفئها. وفي الصيف، يرحلون إلى الشام؛ لبرودتها. كانوا يرحلون للتجارة، وذلك أن بلدهم ، كما وصف الله تعالى: (وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، فقامت معيشتهم على التجارة، في رحلتي: الشتاء، والصيف. وهذا الانفتاح الحضاري، بالإضافة إلى وجود البيت الحرام، أدى إلى أن تكون مكة (أم القرى)، وأن يكون أهلها، على قدر كبير من الثقافة، والاطلاع، والعلم بأحوال الناس، تمهيدًا لبعثة النبي- صلى الله عليه وسلم -، وتأهيله لحمل الرسالة.

 

(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ): لمَّا قدم الله امتنانه على قريش، رتب على ذلك أمرهم بعبادته وحده، مقابلة للنعماء، بالشكران. فلا يليق بهم أن يجاورا بيت الله، ويعبدوا غيره، ولا يليق أن ينعم الله تعالى عليهم، النعم العظيمة، من تيسير أرزاقهم، ومعاشهم، في رحلة الشتاء، والصيف، ثم يشركوا معه!

(هَذَا الْبَيْتِ) المشار إليه هو: ما يعرفونه، ويعهدونه، وهو الكعبة.

(الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) مع أنهم في وادٍ غير ذي زرع.

 

(وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ): اختلف في المراد بالخوف:

فقيل: آمنهم من الغارات، والثارات، والسلب، والنهب، التي كانت سائدة في جزيرة العرب، فهذا أمر يدعو للعجب، ويوجب أن يقابل بالشكر.

وقيل: آمنهم من الجذام! لكن تخصيص المعنى بالأمن من مرض الجذام، دون غيره، بعيد؛ لأن الله تعالى أطلق تأمينهم من الخوف، فيدخل فيه كل خوف، سواء كان من مرض، أو عدو، أو غير ذلك من المخاوف. فهي القبيلة الوحيدة، التي تأمن من أن يغير عليها أحد. حتى إنه إذا وقع بين قريش، وبين بعض قبائل العرب حرب، فدخلوا في منطقة الحرم، كفوا. ولما اقتتلوا مرة فيه، سميت تلك الحرب(حرب الفجار)؛ لأنهم رأوا أنهم قد فجروا، وانتهكو حرمات الله. وكذلك بقية العرب، يلقى الرجل قاتل أبيه، في الحرم، فلا يعرض له بسوء.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: منة الله تعالى على قريش، وأهل حرمه.

الفائدة الثانية: تحقق دعوة إبراهيم - عليه السلام -، لأهل الوادي، كما في قوله تعالى: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ)، فتحققت الدعوة، وصار يجبى إليه ثمرات كل شيء، (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ).

الفائدة الثالثة: أن تمام النعمة الدنيوية: بالشبع، والأمن. واختلالها: بفقدهما، أو فقد أحدهما، أو نقصهما، أو نقص أحدهما.

فالخائف، لا يمكن أن يهنأ بطعام، حتى وإن كان الطعام موفورًا عنده. والجائع، لا يمكن أن يهنأ بأمن، فلا تتم النعمة الدنيوية، إلا بالشبع، والأمن.

وهذه المنة ليست خاصة بقريش، فربما جعل الله ذلك لكثير من بني آدم، فوجب أن يقابلوها بالشكر. وتدبر هذا المثل الذي ضربه الله في قوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) فهي قرية تنعم بالأمن، والشبع، (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، فعوقبوا بالجوع، والخوف.

الفائدة الرابعة: أن أولى الناس بعبادة الله، والقيام بدينه، هم أهل حرمه.

فيجب على ساكن مكة، أن يقوم بعبادة الله - عز وجل -، وأن يعلم أنه على بساط الملك، فالذي يعصي الملك على بساطه، ليس كالذي يعصي الملك في أطراف مملكته. ولهذا كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يتحرج من سكنى مكة، ويضرب خباءه خارج الحرم؛ يرى أن من الإلحاد في البيت أن يقول الإنسان: "والله"، "وبالله"، "وتالله"، لشدة ورعه -رضي الله عنه-. فيجب أن يكون بيت الله، وحرم الله،  موئلا للتقاة، وأهل الطاعة، والورع؛ من الطائفين، والعاكفين، والقائمين، وأن يطهر من أهل الشرك، والبدعة، والفسق. ثم مَن كان يلي مكة، من البلدان.

ولهذا جعل الله تعالى هذه الجزيرة، موئلا للإسلام، يأرز إليها. والعرب هم أولى الناس بدين الإسلام، والدفاع عنه. والله أعلم حيث يجعل رسالته، فاختار الله تعالى العرب، واختار أن يكون نبيه منهم، عن علم، وحكمة، فهم حفظة دينه، الذين يجاهدون في سبيله، وينشرونه في الآفاق.

 الفائدة الخامسة: شرف البيت الحرام؛ لإضافته إليه سبحانه. والمضاف إلى الله نوعان:  

أحدهما: أن يكون المضاف عينًا قائمة بذاتها: فيكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ إما إضافة محضة،كعبد الله، أو إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله.

الثاني: أن يكون المضاف وصفًا لا يستقل بنفسه، بل يقوم بمن أضيف إليه: فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، كعلم الله، وعزة الله، ووجه الله.



التعليقات ( 0 )