• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الفيل)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}

 

- مقصد السورة:

هذه السورة مقصدها مقصد دقيق، وهو بيان حكم الله الكوني، بحماية محض التوحيد، ومنطلق الرسالة.

وهذا معنى ينبغي التفطن له في هذه السورة، وفي سورة قريش التي تليها. وذلك لما أشار الله تعالى إلى الموقع الجغرافي لهذا الدين، ولذلك التاريخ، العريق، العميق، من لدن إبراهيم - عليه السلام -، انتهاء بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.

فارتباط مقصد سورة (الفيل) بالعقيدة، والتوحيد، لابد من التنبه له، كما سنرى.

 

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)}:

(أَلَمْ تَرَ) يعني: ألم تعلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرى تلك الكيفية؛ إذ أنه ولد في ذلك العام. ولذلك فالمراد بالرؤية هنا: الرؤية العلمية.

والاستفهام هنا: استفهام تعجبي، يعني: اعجب لفعل ربك بأصحاب الفيل.

(كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) لاحظ كيف ركز على الكيفية.

(بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) أصحاب الفيل: هم أبرهة الأشرم، ومن معه.

وأبرهة: هو حاكم نصراني من الأحباش كان على اليمن، إذ أن أهل الحبشة كانوا على النصرانية آنذاك، وقد استولوا على بلاد اليمن، حينا من الدهر، فنصبوا عليها حاكما منهم، يقال له: "أبرهة".

وقد جاء في التاريخ: أن هذا الحاكم لما رأى العرب يقصدون الكعبة، قام ببناء كنيسة، سماها "الكليس" أو نحو هذا الاسم، ودعا العرب إلى الحج إليها؛ ليصرفهم عن الكعبة، ولكن العرب على رغم ما أحدثوه من الشرك، إلا إنهم أبوا ذلك؛ إذ كانوا يعظمون الكعبة، ويحجون بيت الله الحرام؛ إتباعا لأبيهم إبراهيم - عليه السلام -.

حتى جاء رجل من كنانة، أو من بعض قبائل العرب، فتغوط - أكرمكم الله - في كنيسة أبرهة، ولطخ قبلتها بالأذى، فغضب أبرهة، غضبا، شديدا، وسار بالأفيال، والرجال، يريد هدم الكعبة، وكان ذلك في زمن عبد المطلب، سيد قريش، جد النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فلما توجه إلى مكة، اعترضه بعض قبائل العرب، فهزمهم؛ لقوة جنده، وجيشه. وسار حتى أقبل على مكة، وأصاب عسكره إبلا لعبد المطلب.

وقد جاء في التاريخ: أن عبد المطلب، أتى أبرهة، وكان عبد المطلب رجلا، وسيما، قصيما، عظيم المنظر، والشكل والهيبة، فلما رآه أبرهة، أعجبه شكله، ومرآه، ولم يرى أن يسعده على سريره، فنزل إليه واستقبله،

فقال للترجمان: قل له ما حاجتك،

فقال: أصحابك استاقوا مئة بعير لي، وأريدك أن تردها علي.

فلما سمع ذلك منه سقط من عينه، وقال للترجمان: قل له إني حينما رأيتك أعجبني حالك، وكنت أظن أنك ستفاوضني، على أمر البيت.

فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه، فافعل ما بدا لك.

فأمر برد إبله عليه، ثم ذهب عبد المطلب، ومن معه من قريش، وأمسكوا بحلق البيت، وصاروا يدعون، ويتضرعون إلى الله - عز وجل - أن يدفع هؤلاء المعتدين، حتى قال عبد المطلب:

لا هم إن المرء يمـ‍ * ـنع رحله فامنع رحالك

لا يغلبن صـليبهم *  ومحـالهم أبدا محـالك

إن كنت تاركهم وكعـ‍ * ـبتنا فأمر ما بدا لك

 ولهذا قال بعضهم: إن أول من قال بالبداعة، عبد المطلب، وكان هذا من عقائد أهل الجاهلية.

ثم إن عبد المطلب، وأهل مكة، قد خرجوا وأخلوا مكة، وصعدوا إلى الجبال، يقينا منهم بأن الله تعالى سيحمي بيته.

فلما بلغ أبرهة منطقة الحديبية - وهي الواقعة بين جدة ومكة، المسماة الآن بشماسي – فلما بلغها إذا بالله تعالى يرسل عليهم طيرا أبابيل، تأتيهم من جهة البحر، تحمل في أفواهها حجارة، صغيرة، ثم تقصفها على أبرهة وجنوده، حتى كانت الحصاة، تنزل، فتخرق بيضة الرأس، وتشق بدن الراكب، وتخرج من دبره، وتخرق الفيل حتى تبلغ الأرض، حتى غدو - كما وصف الله - كعصف مأكول. وكان ذلك زمن ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 

 {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)}:

(أَلَمْ يَجْعَلْ) هذا استفهام، لكنه استفهام تقريري، فقوله تعالى (أَلَمْ يَجْعَلْ) بمعنى: جعل.

(كَيْدَهُمْ) أي: تدبيرهم لهدم الكعبة، وكان من تدبيرهم، أن يستاقوا هذه الأفيال، التي لا تعرفها العرب، وقد قيل: إن أبرهة كان معه فيل، كبير، يقال له "محمود" فكان إذا وجهه باتجاه مكة حسر، وامتنع عن المضي، وإذا وجهه باتجاه اليمن، ولى مدبرا.

وحينما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم – مكة ، في عام الحديبية، خلئت ناقته، يعني حرنت؛ كما جاء في حديث المسور بن مخرمة، قال:

(خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ، طَلِيعَةٌ فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ، حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ فَقَالُوا: خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ( مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ) [رواه البخاري: 2731]

(فِي تَضْلِيلٍ) في خسار وضياع

 

 {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ(3)}.

(وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ) يعني بعث عليهم. من أين؟ الله تعالى أنشأها وخلقها.

(طَيْرًا أَبَابِيلَ) (أبابيل) قيل في تفسيرها عبارات متقاربة:

-      قيل: فرقا.

-      وقيل: جماعات.

-      وقيل: متتابعة، يعني: طيرا متتابعة.

-      وقيل: كثيرة.

-      وقيل: مجتمعة.

والحقيقة أن كل هذه المعاني صالحة، فهذا الطير كان فرقا، على شكل جماعات، كثيرة، متتابعة، مجتمعة.

ولفظ (أَبَابِيلَ) قيل: لا واحد له من جنسه، وقيل: مفرده "أبل" أو نحو هذه الكلمة.

 

 {ترميهم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4)}:

(ترميهم) يعني تقذفهم

(سِجِّيلٍ) هو الطين المطبوخ. وأقرب ما له عندنا ما يسمى بـ "الطوب الأحمر"، في الدخانة؛ لأن هذا الطوب الأحمر، قد أُدخل في الأفران، فتحول إلى حجارة صلبة.

 ولكن لا شك أن تلك الحجارة، التي قذف بها هؤلاء، على غير ما نعهد، لكن الله تعالى يخاطب الناس بعبارات، من جنس ما يعلمون.

{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ(5)}

 (فَجَعَلَهُمْ) يعني: فجعل ذلك الجيش، وهذا المعسكر، الذي كان يهم بهدم الكعبة.

(كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ):

-      قيل: كورق الزرع، الذي أكلته الدواب،  يعني البهائم، وداسته، وأفنته.

أرأيتم لو أنه سلط قطيع من الغنم، على حقل فيه زرع، فجعلت تقضمه، وتلفظه، وتطأه، بأقدامها، كيف يكون الحال بعد ذلك؟ فهكذا بدت هذه الجثث، المترامية يمنة ويسرة، (كعصف مأكول).

-      وقيل: إنه التبن، يعني صار هيئتهم، وشكلهم، كالتبن المترامي، على وجه الأرض.

-      وقال بعض السلف: مثل قشر البُر، يعني القشر الذي يكون على حبة البُر.

-      وقيل: كورق الحنطة.

وهي عبارات متقاربة، كلها تؤول إلى نفس المعنى، والمقصود أنهم صاروا في هيئة وضيعة، قد دمروا تدميرا، وأوقع الله تعالى فيهم الهلاك، الشديد.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: عظيم قدرة الله، وشديد بأسه، وأخذه.

وهذا المعنى يجب أن يقوم في قلوبنا، فنعلم أن ربنا - سبحانه وتعالى – يمهل، ولا يهمل، وأن أخذه أليم، شديد، وأن الكفار، والطغاة، مهما أوتوا من قوة، ومهما تسلحوا من سلاح نووي، أو غيره، أن لو شاء الله لأفناهم، في لمح البصر.

انظروا فعل الله - عز وجل - فيما تصنع هذه الزلازل، ففي ثواني معدودة، يتحطم البناء، ويقع الناس تحت ركام الخرسانات، المسلحة، يستصرخون، ولا صريخ لهم.

وكيف إذا أفاض الله تعالى الأنهار، والبحار، وكيف تجرف الناس، وتجعلهم طافين على وجهها، هلكا، صرعا.

وغير ذلك، حينما تهب الرياح، والأعاصير، فجند الله - سبحانه وتعالى - لا حصر لها. فيجب أن يقوى عند الإنسان الشعور بعظمة الله، وقوته، وقدرته، وأنه لا يضاهي قوته، وقدرته، شيء مما يتباهى به أعداء الدين، من أنواع القوى، التي يلوحون بها ويهددون.

الفائدة الثانية: (فائدة مهمة) وهي: حماية الله لبيته الحرام، وإهلاك من يريده بإلحاد، أو إفساد هذا البيت.

فهذا الموضع اختاره الله تعالى عن علم ،وحكمة، فهو موضع شريف، كما قال الله تعالى (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) [الحج:26] ولله تعالى أن يصطفي من الأمكنة، والأزمنة، والأشخاص، ما يشاء؛ كما قال تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص:68]  فلهذا الموضع خاصية، كونية، قدرية، يجب على كل مؤمن أن يرعاها، وأن يعظمها.

ومن تعظيم الله لها: أن أجرى هذه الآية العظيمة، في غير وقت نبيه - صلى الله عليه وسلم -، في زمن الجاهلية؛ لأن الأمر متعلق بهذا الموقع، المعظم، المكرم، وهو موضع البيت، فليست هذه البقعة كسائر البقاع، فلم يزل الله تعالى يحمي هذا الموقع، الذي حرمه، حتى إنه جاء في حديث أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النبي قام الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ، كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) [رواه البخاري:104]

الفائدة الثالثة: الإرهاص بمولد نبيه - صلى الله عليه وسلم –، وبعثته، والمقصود بالإرهاص: يعني المقدمات بمولد نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وبعثته، فلم يكن هذا من باب الموافقة، والصدفة، أن يجري هذا الحدث في عام مولده - صلى الله عليه وسلم -. كأن الله - سبحانه وتعالى - أراد أن يهيأ الناس، بهذا الحدث العظيم، لأمر عظيم، وهو بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وقد رافق مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - حوادث كونية أخرى، فقد اهتز لذلك إيوان كسرى، وأريت أم النبي - صلى الله عليه وسلم - قصور الشام، وصنعاء، وغير ذلك من الوقائع، التي صاحبت ميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إن أهل الكتاب شعروا بذلك، وعلموا أنه قد أظلهم زمان نبي.



التعليقات ( 0 )