• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الهمزة)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم

وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)

 

مقصد السورة:

هذه السورة لها مقصد عظيم: وهو بيان الصلة الوثيقة بين العقيدة، والسلوك؛ إذ أن الله - سبحانه وتعالى -  يكشف حال الكافر، وطبيعته النفسية، وتأثيرها على سلوكه الشخصي المشين، الناتج عن عقيدته الكفرية بالبعث.

 

(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ):

(وَيْلٌ) كلمة وعيد، وتهديد. وقيل: إنها اسم وادٍ في جهنم.

(لِكُلِّ) هذا من ألفاظ العموم.

(هُمَزَةٍ) أي: كثير الهمز. و(لُمَزَةٍ) أي: كثير اللمز.

وكلاً من (هُمَزَةٍ) و(لُمَزَةٍ)، صفة لموصوف.

فمعنى (هُمَزَةٍ):

- قيل: هو المغتاب.

- وقيل: هو الطعان، أي: الذي يطعن في الناس، بعيبهم، وذمهم.

- وقيل: إن الهمز ما كان على سبيل المواجهة، يعني: وجها لوجه.

- وقيل: إن الهمز ما يكون باليد، إما بإشارة، أو بضرب، ودفع، وما أشبه.

 

ومعنى (لُمَزَةٍ):

قيل - أيضا -: هو الطعان. وقيل: هو المغتاب. يعني: من قال إن (الهمزة) هو المغتاب، قال (اللمزة) الطعان. وبالعكس، من قال (اللمزة) الطعان قال (الهمزة) هو المغتاب، وكل هذا مروي عن السلف.

- كما قيل - أيضا -: إن (اللمزة) ما كان من خلف، بأن ينال منه بعد انصرافه، من خلفه.

- كما قيل - أيضا -: إن (اللمزة) ما يكون باللسان.

 

وهذه السورة نزلت في شخص معين؛ قيل: الأخنس بن شريق، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: بعض سادات قريش، لأنهم كانوا يهمزون، ويلمزون النبي - صلى الله عليه وسلم -، في مجالسهم، وإذا قابلوه. ولكنها عامة في كل كافر، اتصف بهذا الوصف.

ولا يزال المرء يجد من الكفار، بل ومن بعض الفساق، من تشوبه هذه الشائبة، فتجده ينال من أهل الطاعة، والإيمان، بالهمز، واللمز، والسخرية، والتنقص، في حضورهم، وفي غيبتهم، وربما تناوله بيده، وربما تناوله بلسانه. وقد وصف الله هذا المسلك الذميم، في سورة المطففين، بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) [المطففين : 29 - 33]

ومجموع ذلك يحكي صفة شخص، ذي أذية، بالغة، حسيةٍ، ومعنويةٍ، فهو يجابه الناس بالسوء من القول، ويهاجمهم بأقذع السباب. وإذا انصرفوا، أو انصرف عنهم، نال منهم، في غيبتهم. وربما استعمل يده، كما يستعمل لسانه، إما بإشارة ذات دلالة سيئة، أو بكلام بذيء، فلا يسلم من أذيته أحد، وهذه هي شخصية الكافر، الذي تمكن الشر من قلبه. ليس هذا فحسب، بل ذكر الله من أوصافه ما يلي:

 

(الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ):

(جَمَعَ) هكذا قُرئت بتخفيف الميم، وقُرئت بالتشديد (جمَّع)، فهو قد كدس الأموال.

(مَالًا) أي: جميع أنواع المال، فيشمل: المال المضروب (النقدين)، والإبل، والبقر، والغنم، والأثاث، والعقار، وما شئت من أنواع المال.

(وَعَدَّدَهُ):

- إما أن يكون معناها مأخوذاً من العدِّ، أي الإحصاء.

- وإما أن يكون من الإعداد، أي أعده لحوادث الدهر.

فلا تجد الكافر إلا لاهثًا خلف الحياة الدنيا؛ لأنها غاية مراده، ومنتهى أمانيه، فلذلك يجرون خلفها، ولا يبحثون إلا عن شهواتهم، ومتعهم، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كما تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد:12].

 

(يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ):

(يَحْسَبُ) أي: يظن.

(أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) جعله خالدا، لا يموت! هكذا خيل إليه.

 

(كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5)):

(كَلَّا) كلمة ردع،  ومعناها: ليس الأمر كما ظن.

(لَيُنْبَذَنَّ) اللام: لام القسم، يعني: والله لَيُنْبَذَنَّ، أي: يطرحن، ويقذفن، وما أشبه. والنون: هي نون التوكيد المثقلة. واللام والنون يدلان على مزيد التأكيد.

 (فِي الْحُطَمَةِ) الْحُطَمَةِ: اسم من أسماء النار، والمقصود: التي تحطم كل ما يلقى فيها. فكل ما ألقي فيها يعود حطيمًا.

وما أنسب هذا الوصف في هذا السياق!!؛ ففي حين أن هذا الهمزة، اللمزة، جمع مالاً، وعدده، وراكمه، وكثره، في الدنيا، حتى بدا وكأنه جبل، فإذا به في الآخرة يطرح هو، وما جمع، في الحطمة، فتحطم كل ما جمع، ويذهب هباء منثورًا.

 

 (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ) يعني: ما أعلمك ما الحطمة؟. وهذا السؤال للتهويل.

 (نَارُ اللَّهِ) هذا جواب السؤال. وإضافة النار إلى الله، ليست إضافة تشريف، كبيت الله، وعبد الله، بل إضافة تعظيم، وتهويل.

(الْمُوقَدَةُ) أي: المسعرة. وأما حديث أبي هريرة، الذي رواه الترمذي، وابن ماجة: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت. فهي سوداء مظلمة) فهو ضعيف.

والنار، كما الجنة، مخلوقتان الآن، وباقيتان، لا تفنيان.

(الَّتِي تَطَّلِعُ) أي: تشرف.

(عَلَى الْأَفْئِدَةِ) أي: القلوب، فتحرقها، وتشويها، داخل الأضلاع، وتؤلمها أشد الإيلام.

 

(إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ): فسرها السلف بقولهم: مطبقة، فهم لا يستطيعون الخروج منها.

كما قال الله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج:22]. وشعور السجين، أو الأسير، بالإغلاق، يضاعف حزنه، فلربما بقي الإنسان في الموضع الواحد، أيامًا طوالاً، وهو يشعر أنه لو شاء أن يخرج لخرج، فيهون عليه الأمر. وربما استمتع بالمكث! لكن لو أغلق عليه، ولو في بستان، لشعر بالضيق، والكرب، بسبب الحبس، فيجتمع عليه العذاب النفسي، والعذاب الحسي - والعياذ بالله.

(فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) هكذا (عَمَدٍ) بفتح العين والميم، وقُرئت بضمهما (في عُمُد ممددة).

 أي أن النار ممتدة، داخل هذه الأعمدة، كما تمد الخيام على الأعمدة. وهذا أمر غيبي، لا ندرك كيفيته بعقولنا، ولكن تصوره يشعر بالرهبة، والشدة، وطول العذاب، الذي ينال الهمزة اللمزة.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: تفنن الكافر في أذية المؤمن، أذية حسية، ومعنوية.

الفائدة الثانية: تعلق الكافر بمتاع الدنيا.

الفائدة الثالثة: اغترار الكافر بالمتاع الزائل، وخطأ ظنونه.

الفائدة الرابعة: الوعيد الماحق للكافر.

الفائدة الخامسة: شدة عذاب النار.

الفائدة السادسة: الارتباط الوثيق بين العقيدة، والسلوك.

 

واعلم أن للعقيدة أكبر الأثر في سلوك الإنسان، فإنك تجد الإنسان، غافلاً، لاهيًا، غليظًا، فظًا، فاجرًا، فإذا ما سكن الإيمان قلبه، أكسبه تهذيبًا في الطباع، وسماحة في الأخلاق، وكرمًا في المعاملة، ورحمة بالخلق، وتورعًا عن أذيتهم، ورقة، ولينًا، حتى إنه ليبكي على ما بدر منه في جاهليته الأولى.

وقد جاء في حديث أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ:

فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ.

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟

قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) [متفق عليه، واللفظ للبخاري:6512]

فانظر ما أثقل وطأة الكافر،حتى على الأرض! فكيف بساكنيها! الكل يتأذى من الكافر، الكل يلعن الكافر، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه تلعنه، والشربة يرفعها إلى فيه تلعنه. فالإيمان رحمة، والكفر نقمة.

وإذا كان الارتباط بين العقيدة والسلوك، بهذه المكانة، فينبغي أن نفقه العقيدة لا بوصفها متون تحفظ، وتستشرح، فحسب، بل يقين في القلب، مستعلن باللسان، باعث للعمل في الجوارح والسلوك.



التعليقات ( 0 )