• ×

د. أحمد القاضي

سورة (العصر)

د. أحمد القاضي

 0  0  3.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

 

تأتي سورة العصر في طليعة مجموعة من السور القصار في مبناها، العظيمة في معناها، ختم الله بها كتابه الكريم.

وإن الإنسان ليعجب من حكمة الله - عز وجل – بختم المصحف، حسب العرضة الأخيرة،  بهذه السور، السهلة الألفاظ، الجزلة المعانى، البديعة التراكيب، من قصار المفصل، التي يقرأها عامة المسلمين، ويحفظونها، ويرددونها، في صلواتهم؛ فرائضهم، ونوافلهم، لما تتضمنه من المعاني الكبيرة، التي تحيي القلوب، فلله الحكمة البالغة فيما حكم، وقضى، وقدر.

ومع قصر سورة (العصر) إلا أن الإمام الشافعي - رحمه الله – قال عنها: "لو ما أنزل الله حجةً على خلقه، إلا هذه السورة، لكفتهم" أي: لكانت حجة عليهم، في بيان مقاصد الدين، وأركانه، وآدابه. وليس المراد تضمنها لتفاصيل الشريعة.

 

مقصد السورة الرئيس:

بيان المنهج الوحيد للنجاة؛ إذ أن الله - سبحانه وتعالى - حكم على الإنسان من حيث هو إنسان- بالخسار، واستثنى مَنْ جمع أربع خصال، يأتي بيانها.

 

يقول الله تعالى: (وَالْعَصْرِ)  هذا قسم من الله تعالى بـ (العصر). و(العصر):

1)   قيل: هو مطلق الدهر، يعني: الزمان.

2)   وقيل: هو ما بعد الزوال، الذي هو وقت العشي.

3)   وقيل: إن المراد الصلاة نفسها، صلاة العصر.

 

والأولى حمل هذه المعاني على أولها، وهو الدهر؛ إذ أن ذلك يشمل ما بعد الزوال، وهو وقت العشي، ووقت صلاة العصر، والليل، والنهار، بمعنى أن الله - سبحانه وتعالى - أقسم بالعصر، الذي هو ظرف الأعمال، صالحها، وسيئها، والذي يترتب عليه إما النجاة، وإما الخسار، فمن المناسب جدًا، أن يقسم الله تعالى بالزمن، الذي هو مضمار الأعمال، وظرفها، لعظيم خطره.

وبمقدار عقل الإنسان، وإيمانه، يكون اهتمامه بالوقت، قال نبينا - صلى الله عليه وسلم -: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) [البخاري:( 6412)، من حديث ابن عباس] فكثير من الناس يغبن في صحته، وفي فراغه، فيمضي عليه العمر سبهللا، فلا يبالي، وهو في حال الصحة والفراغ، فإذا ما مرض، أو شغل، تمنى أن لو كان صحيحاً، فارغًا، وهذا هو الغبن الحقيقي.

 

وقد كان السلف الصالح - رحمهم الله- يعتنون بأوقاتهم غاية العناية، يحسبون الدقائق، والثواني، حتى حفظ عن بعضهم العجب:

فقد ذكر عن المجد ابن تيمية - رحمه الله -: أنه كان يضن بوقته، حتى إنه كان إذا دخل بيت الخلاء، أمر قارئا أن يقرأ، من وراء الحائط، حتى لا يذهب عليه شيء من وقته، دون فائدة.

ويذكر أن الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: كان يضن بوقته، فكان إذا حضره بعض أصحابه، الذين يتشاغلون بالأحاديث الدنيوية، ومجريات الحياة اليومية، يخصص للبقاء معهم، على أوراقاً يقطعها، ويرتبها، ويعدها لكتابته، ولا يدع مجلس أصحابه.

فبمقدار ما يشعر المؤمن، باليوم الآخر، وتقوم في قلبه حقائق الإيمان، يشعر بأهمية الوقت، وإذا ضعف ذلك صار الوقت عنده أرخص ما يكون، حتى أنك تجد بعضهم يقول: "نقتل الوقت"، سبحان الله وهل الوقت يقتل؟!، الوقت أغلى الأثمان، وفي هؤلاء يقول الشاعر:

والوقت أعظم ما عنيت بحفظه    ***   وأراه أسهل ما عليك يضيع

 

(إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) هذا جواب القسم. والمقصود: جنس الإنسان. ووقعت اللام في جواب القسم، للتأكيد. والمعنى: أن الإنسان في نقص وهلاك؛ لأن في طبعه قصور، وتقصير، يستغلهما، الشيطان، والنفس، والهوى، وغير ذلك من المؤثرات، فتفضي به إلى الهلاك. فالأصل في الإنسان أن يؤول إلى خسار، إلا ما استثني. والمستثنى أقل من المستثنى منه، فلهذا قال تعالى، في مواضع:

(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13]، (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [ص:24]، وقال عن إبليس (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص:82-83].

 

فتجد أن المستثنى هم أهل الإيمان، مما يدل على أن الكثرة الكاثرة، تؤول إلى الخسار، والبوار، ويشهد لذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم – عند وصفه يوم القيامة، لأصحابه ، فقال: "ذَاكَ يَوْمٌ يُنَادِي اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، فَيُنَادِيهِ رَبُّهُ فَيَقُولُ: يَا آدَمُ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ " [رواه الترمذي(3169)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي]

 

(إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا): أي صدقوا بقلوبهم، وأيقنوا بخبر الله، وخبر رسوله، - صلى الله عليه وسلم -؛ كما قال ربنا - عز وجل -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا). فأصل الإيمان: التصديق المستلزم للقبول، والإقرار، والإذعان، والرضا. ولهذا ينبغي للعاقل قبل أن يشتغل بإصلاح الظاهر، والعناية بالسنن، والنوافل، أن يصلح قلبه، وأن يتعاهده، فإذا صلح قلبه، انقادت جوارحه، واستسهلت كل عمل صعب، بل وتلذذت به، كما قال نبينا - صلى الله عليه وسلم -:  (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ: صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ: فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ: الْقَلْبُ) [متفق عليه، واللفظ للبخاري]

 

ثم عطف عليه ما هو من لوازمه، التي لا تنفك عنه، ولا تتم إلا به، فقال:

(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني: أنهم لم يقتصروا على الإيمان القلبي، بل اتبعوا ذلك بالعمل الصالح. و(الصَّالِحَاتِ): ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، من الأقوال، والأعمال، فكل ذلك صالح.

 

ومسألة الإيمان مسألة كبيرة:

فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: حقيقة مركبة من القول، والعمل. فالإيمان: قول القلب، واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح. ويرون أنه لا انفكاك بين العمل، والتصديق، وأن من زعم وجود تصديق في القلب لا يستلزم عملاً، فهو مخطئ.

وأما من سواهم، فإنهم أرجئوا العمل عن مسمى الإيمان، ولذلك سموا مرجئة؛ يعني أخروا العمل، وأخرجوه عن حقيقة الإيمان، وحده، وتعريفه.

 

وهؤلاء المرجئة على ثلاثة طبقات:

1) فمنهم -وهم أشدهم –: [الجهمية]، المنسوبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، الذين يقولون: إن الإيمان هو "معرفة القلب"، وربما عبر بعضهم فقال: "تصديق القلب". فيلزم من ذلك إثبات الإيمان للمشركين، واليهود، والنصارى، بل وفرعون، بل وإبليس!

2) الطائفة الثانية من المرجئة: [الكرامية] المنسوبون إلى محمد بن كرام السجستاني، الذين يقولون: "إن الإيمان هو قول اللسان". فيلزم على قولهم وصف المنافقين بالإيمان! ؛ وقد قال تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون:1]،  فكيف يجرؤون على تسمية من قال بلسانه فقط مؤمنا، والله قد أكذبه،

3) الطائفة الثالثة من المرجئة: [مرجئة الفقهاء]، أصحاب أبي حنيفة، وشيخه حماد بن سليمان، وفقهاء الكوفة، وعبادها، الذين يقولون: "الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، أو إقرار بالجنان، يعني بالقلب". فجعلوا الإيمان ركنين: اعتقاد القلب، وقول اللسان، ولكنهم أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، إلا أنهم قالوا إنه من ثمراته، وأن المطيع: محمود في الدنيا، مثاب في الآخرة، وأن العاصي: مذموم في الدنيا، مستحق للعقاب في الآخرة، ولم يخرجوا مرتكب الكبيرة عن حد الإيمان. ولهذا قال من قال: "إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء، وأهل السنة، خلاف لفظي" صوري، والصحيح: أن منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو صوري.

 

     فالحق أن الإيمان لابد معه من العمل، فإن قال قائل: إذاً لماذا عطف الله العمل على الإيمان في هذه الآية، وغيرها، والعطف يقتضي المغايرة؟ ، فدل ذلك على أن العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان. وهذا من أشهر حجج المرجئة.

فعن ذلك جوابان :

 الجواب الأول: أن يقال أن هذا من باب عطف الخاص على العام، كما لو قلت: "جاء الطلبة ومحمد"، مع أن محمداً من الطلبة. فيكون من باب عطف الخاص على العام.

الجواب الثاني: أن يقال إن هذا من باب اختلاف المعني: عند الاقتران، وعند الافتراق. فيكون للفظ الواحد معنيان: معنى إذا اقترن بغيره، ومعنى إذا انفرد. فالإيمان عند الانفراد يشمل الاعتقاد، والعمل. وعند الاقتران مع العمل: يختص بالاعتقاد. كما في حديث جبريل لما سأل عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالعقائد الباطنة. ونظائر ذلك في اللغة والاصطلاح، كثير، كما في لفظ "الفقير" و"المسكين"، و"التوبة" و"الاستغفار"،"والبر" و"التقوى"، و"الإثم" و"العدوان".

 

(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ): صيغة مفاعلة، أي: أنها تقع من الطرفين، فيوصي بعضهم بعضًا بالحق الذي جاء عن الله، ورسوله، ويحض بعضهم بعضًا على التمسك به. ولهذا جاء في بعض التفاسير أن (الحق) هو: كتاب الله،

 

(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): الصبر: في أصل اللغة: هو الحبس. وأنواعه ثلاثة:

1)   الصبر على طاعة الله،

2)   والصبر عن معصية الله،

3)   والصبر على أقدار الله المؤلمة.

     وهو من أعلى مراتب الدين، وورد ذكره في القرآن في نحو تسعين موضعاً.  وجاء في الأثر " أن منزلة الصبر من الدين، كمنزلة الرأس من الجسد". وهو من أمهات الأخلاق، وأصولها.

 

والتواصي بين أهل الإسلام، في هذه الأزمان، وللأسف، أندر من الكبريت الأحمر - كما يقال -، قل أن يتواصى الناس فيما بينهم، بل إنه يبلغ الحال عند بعض الناس، أن يغض بعضهم الطرف عن خطأ الآخر، حتى لا يقابله بالمثل!، وهذا علامة خذلان. والواجب على أهل الإيمان أن يتناصحوا، وأن يتواصوا كما أمر الله - سبحانه وتعالى، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان، والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى. ولو أن كل أحد صمت عن خطأ أخيه، لضاعت السنن، ووقع التساهل. لكن إذا قرعت سمع الإنسان نصيحة أخيه، فربما يندهش لأول وهلة، ويزعجه ذلك، لكنه يحمد العاقبة.

 

 فلو تأملنا في هذه الخصال الأربع، التي ذكر الله تعالى، لوجدناها أسباب النجاة، والفلاح، والفوز:

1)   إيمان يباشر القلب، ويرسخ فيه،

2)   عمل صالح باللسان، والجوارح، يصدقه.

3)   تواص بين المؤمنين بالحق، يثبته.

4)   تواص بينهم بالصبر، يقويه.

 

     ولو اختل شيء من هذه الأربعة، لوقع الاضطراب، والخلل، فلو فسد أصله، لفسد باقيه، وفرعه، ولو وجد معرفة لا يقترن بها عمل، لما كان ذلك تصديقا بحق، ولو وجد تصديق، وعمل، لكن بلا تواصٍ بالحق، ولا تواصٍ بالصبر، لنشأ عن ذلك ملل، وفتور، وضعف، وقصور. فلهذا كانت هذه السورة حجة من الله، على عباده، ولو لم ينزل الله - سبحانه وتعالى - حجة سواها، لكفتهم، كما قال الشافعي، وإنما أراد الشافعي - رحمه الله - الأصول الكبار، وإلا فإنه لا غنى للعباد عن معرفة التفاصيل.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: أهمية الوقت، وأنه مضمار الأعمال، التي يترتب عليها الثواب، والعقاب.

الفائدة الثانية: أن الأصل في الإنسان حصول الخسار، بسبب القصور، والتقصير المفضي إلى الهلاك، أما القصور: فإنه طبعي، وأما التقصير: فإنه كسبي، ولا يكاد أحد ينفك من هذين الوصفين إلا من رحم الله.

الفائدة الثالثة: بيان أركان الفوز، والنجاة، وهي الخصال الأربعة المذكورة.

الفائدة الرابعة: أن الإيمان أصل الدين، يعني ما يقوم في القلب، من العقائد الصحيحة، والمعارف النافعة، المصحوبة بالقبول، والرضا، والإذعان.

الفائدة الخامسة: أن العمل داخل في حقيقة الإيمان، ومسماه، فلا يتحقق بدونه.

الفائدة السادسة: أهمية التواصي بالحق، والصبر، بين أهل الإيمان.

الفائدة السابعة: عظم منزلة الصبر من الدين.



التعليقات ( 0 )