• ×

د. أحمد القاضي

سورة (القارعة)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11))

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة (القارعة) مقصدها الأساسي: تقرير الإيمان باليوم الآخر، وما يتضمنه.

يقول الله - عز وجل  - (الْقَارِعَةُ): أي الساعة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها تقرع القلوب، ومن المعلوم، أن من أشد موجعات القلب، أن يحس بالقرع.

(مَا الْقَارِعَةُ)؟ هذا الاستفهام للتهويل.

 (وَمَا أَدْرَاكَ) يعني: ما أعلمك

(مَا الْقَارِعَةُ) كررها هنا لمزيد التهويل. ولا ريب، فما عظمه الله تعالى فهو عظيم، وما هوله الله تعالى فهو هائل.

(يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ) : هذه الجملة بدل من القارعة. أي القارعة: يوم يكون كذا وكذا. و(النَّاسُ) هنا، كل الناس.

(كَالْفَرَاشِ) ليس المراد بالفراش هنا الفراشة المعهودة، وإنما المقصود بالفراش الحشرات المتطايرة، وقيل: الجراد المنتشر، التي تملأ الجو، أو تملأ المكان، متفرقة أوزاعا، أو جرادا مبثوثا، في كل مكان، كما وصف الله - عز وجل - (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) [القمر:7]. فالناس، كل الناس على أديم الأرض، مبثوثين، منشورين، مفرقين، كمشهد الجراد، أو الحشرات المنثورة على صفحة الأرض. والمبثوث أي: المتفرق المنتشر. وقد وصفهم الله في موضع أخر (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا)، وكذلك وصفه نبيه - صلى الله عليه وسلم -كما في حديث عَائِشَةَ – رضي الله عنها - أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" [أحمد 6/89. و"النَّسائي" 4/114.وصححه الألباني، ومعناه في الصحيحين] وفي لفظ "بُهْمًا" [حسن: رواه أحمد:16042، صحيح الأدب المفرد].

 

     (وَتَكُونُ الْجِبَالُ) الجبال الصلدة، الضخمة، الهائلة، الثقيلة، التي قد أرسى الله بها الأرض، تكون (كَالْعِهْنِ الْمَنفوش) : أي الصوف المندوف، يعني لخفته وتطايره، تتحول هذه الجبال إلى ما يشبه السراب؛ (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) [النبأ:20] من سرعة التسيير، تتحول إلى ما يشبه السراب.

قال الله تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) [النمل:88] وقال: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا(5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا) [الواقعة:5-6]،

( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) الفاء جاءت للتفريع، والتقسيم.

(ثَقُلَتْ) يعني: رجحت حسناته، بسيئاته.

(مَوَازِينُهُ) المراد بـ (الموازين): موازين الأعمال. وهذا يدل أن الموازين متعددة، كما قال في الآية الأخرى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)

وهي موازين حقيقية، كل ميزان له: لسان، وكفتان. خلافا لما ادعت المعتزلة، من أن المراد بالميزان هو العدل، أو إقامة العدل. وأهل السنة يقولون: بل إقامة العدل تحصل بالوزن الحقيقي، بميزان حقيقي، له لسان، وكفتان ، لكن لا نعلم كيفيته.

وقد دلت عليه النصوص كحديث (صاحب البطاقة) الذي فيه "قَالَ : فَتُوضَع السِّجِلَّات فِي كِفَّة وَالْبِطَاقَة فِي كِفَّة فَطَاشَتْ السِّجِلَّات وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَة" [صحيح: رواه أحمد: من طريق عبدالله بن عمرو، 2/213 (6994)، الصحيحة: برقم135]

والصحيح أن الذي يوزن هو كلا من:

- الأعمال،

- العامل،

- الصحف.

فحديث (البطاقة) يدل على وزن الصحف.

وقول الله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)) [الزلزلة] يدل على وزن الأعمال.

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ) [متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري 6/117، ومسلم 8/125] يدل على أن العامل يوزن، ويدل عليه أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة عبد الله بن مسعود لما (كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مِمَّ تَضْحَكُونَ ؟ قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللهِ ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ.) [صحيح: أخرجه أحمد 1/420(3991)، الصحيحة 2750]

 

(فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) يعني: فقد نجا، وفاز.

(عِيشَةٍ) المراد بتلك العيشة: الجنة.

(رَاضِيَةٍ) يعني مُرضية، فهي وإن أتت على صيغة اسم الفاعل (راضية)، فالمراد بها اسم المفعول، أي: مرضية، هانئة، أو هنيئة.

(وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) يعني طاش ميزان حسناته، وثقل ميزان سيئاته.

(فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ): معنى (فَأُمُّهُ) أي: فمأواه، ومسكنه، ومرجعه، ومنه سميت الوالدة "أما"؛ لأن الولد يأوي إليها، وهذا الذي خفت موازينه، أمه التي يأوي إليها، ومسكنه، ومرجعه، (هاوية)، وهي: (نَارٌ حَامِيَةٌ). وسماها (هَاوِيَةٌ)؛ لأنه يهوي على رأسه فيها.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: شدة وقع الساعة، وهول قيامها.

الفائدة الثانية: إثبات البعث، وصفته، والرد على منكريه.

الفائدة الثالثة: إثبات الموازين، وكمال عدل الله.

الفائدة الرابعة: إثبات الجنة ونعيمها.

الفائدة الخامسة: إثبات النار وعذابها.



التعليقات ( 0 )