• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الشمس)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)

* هذه السورة، سورة (الشمس)، سميت بهذا الاسم:

 لأن الله - سبحانه وتعالى - أقسم بالشمس في مستهلها،

* ومن مقاصد هذه السورة:

- بيان طبيعة النفس البشرية، وطريقة إصلاحها.

- تذكير الكفار بأيام الله، في الغابرين.

 

استهل الله - عز وجل - هذه السورة بعدة أقسام، فقال:

(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) على حقيقة عظيمة:  (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.

فأولها: الشمس، وهو الكائن العظيم، والمخلوق الكبير، والجرم الملتهب، الذي يمد حياتنا بالدفء والضياء، فلا حياة للحيوانات، ولا للنباتات، بدونه.

فقد جعل الله - تعالى - هذه الشمس (سراجاً وهاجا)؛ ففيها الإضاءة، وفيها الدفء، وفيها أثر لم يكن معروفاً للناس قديماً؛ وهو أن هذا الضوء المنبعث من الشمس ضروري لعمليات التمثيل الضوئي في النباتات، التي يحصل بها النمو، كما هو معروف لدى علماء الطبيعة.

ثم أقسم ثانياً، بالضحى، فقال: (وَضُحَاهَا)

 وقد اختلف في المراد (بضحاها) هل هو النهار كله؟ أم أنه أول النهار؟ ولا شك أن معنى الضحى هو الضوء الذي يكون في أول النهار. وأجلى ما يكون الضوء، في أول النهار، لأنه يأتي عقيب ظلمة، فيتبين فضل هذا الضوء، فلذلك أقسم الله - تعالى – به، وعطفه على الشمس التي هي مصدره.

(وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) القمر: كوكب، وليس نجمًا، كما الشمس، فالشمس جرم ملتهب، ولذلك يبعث الحرارة، أما القمر فإنه كوكب بارد، ليس فيه حرارة، وإنما هو مرآة يعكس نور الشمس على الأرض، ولذلك تكون إضاءته بحسب حاله من الشهر، فأول الشهر يكون هلالاً، لكون الأرض تحجب معظمه، منه فلا يقع عليه ضوء الشمس، ثم لا يزال يتسع، ويتسع حتى يصل إلى درجة الإبدار في منتصف الشهر، حينما يكون مستقلاً، منفصلاً، وجاه الشمس، ثم يأخذ في آخر الشهر بالانحسار، حتى يتدأدأ، ثم ينمحق، ويستسر، ثم يبدأ دورة من جديد. فحينما يقسم الله - تعالى - بهذه المخلوقات ينبه على منافعها، وعلى جريانها، الذي يدركه كل أحد.

 (إذا تَلَاهَا) أي تبعها طالعاً بعد غروبها؛ وذلك أنه لا سلطان للقمر، مع سطان الشمس، فإن ضوء الشمس يغلب ضوء القمر، حتى لو رؤى القمر أحياناً، أثناء النهار، فإنما يرى كما يرى الغيم، أبيض، خافتاً، غير مشع، فسلطان الشمس، وضوؤها، أعلى، وأقوى من ضوء القمر؛ لأنه فرع عنه، فلذا قدمه بالذكر.

(وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) يعني: إذا ارتفعت فيه الشمس، وبان ضوؤها. وكأنما هذا النهار صفحة لظهور الشمس؛ فالنور المنبعث من جهة ما، لا يعلم أنه نور حتى يصطدم بحائل، فلذلك تحصل تجليتها بارتفاعها وبيان ضوئها على الأرض وقت النهار

 

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) أي: غطى بظلمته عند المغيب. ومرجع الضمير للشمس؛ كما الضمائر السابقة، فكأنما الليل يغشى الشمس الذي انسحب ضوؤها، وحل محله الظلام.

 (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا): السماء معروفة، وهي السقف المرفوع فوقنا. وإنما سميت سماء من السمو، وهو الارتفاع. وهذا التعبير (بناها) يدلنا على أن السماء جسم، وليست عماء. قال الله - عز وجل - (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا). كما أنها طبقات، بعضها فوق بعض، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طباقاً).

(وما بناها) ما: تحتمل معنيين: إما أن تكون موصولة بمعنى من، أو تكون مصدرية. فإن قلنا هي موصولة، فقد أقسم الله - تعالى – ببانيها، وهو الله - تعالى - نفسه.

وإن كانت المصدرية، فيكون تقدير الكلام: والسماء وبناءها. بمعنى خلقها. ولا شك أن هذا البناء من الله - تعالى - لكن البناء نفسه، مخلوق، فيكون الله - تعالى - قد أقسم أيضا بخلقٍ من خلقه، كما أقسم بالسماء.

(وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) المراد هذه الأرض المبصرة ، وهي: التي يدب عليها الآدميون، والحيوان، والهوام، والزواحف، وغيرها.

(طحاها) أي: بسطها، بمعنى أنه جعلها منبسطة للسائرين، ممهدة لهم. ويقال في (مَا) ما قيل في (ما بناها) فإما أن تكون (ما) بمعنى من أو تكون(ما) بمعنى المصدرية.

وهذه مشاهد كونية متقابلة. وهي مشاهد تتكرر على كل آدمي، ولكنه لا يلقى لها بالاً، ولا يرفع بها رأساً، ولا يتأمل بديع صنع الله، وحكمته البالغة في تسير هذا الكون، وما ينبغي أن يتوصل إليه من العبودية لهذا الخالق العظيم، الذي أوجد هذا النظام البديع، وهذا النسق المميز. ففيها تحريك لهذه القلوب الغافلة، والنفوس البليدة، لتبصر، وتتفكر فيما حولها، ولا تكتفي بالنظرة السطحية التي لا تثمر لها شيئا

 

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا): (وَنَفْسٍ) اسم جنس لكل نفس. ومعنى (سواها) أي: خلقها سوية معتدلة. و(ما): يتكرر فيها ما تقدم من أن تكون بمعنى الذي، أو بمعنى المصدر.

 

 (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) هذا التفصيل جاء بين القسم والمقسم عليه. ومعنى (أَلْهَمَهَا) كما قال الراغب الأصفهاني - رحمه الله - في (مفردات القرآن) : (الإلهام: إيقاع الشيء في الروع، ويختص ذلك بما كان من جهة الله - تعالى - وجهة الملأ الأعلى) كقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - (إن روح القدس نفث في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها)

وقد اختلف في المراد بالإلهام في هذا السياق :

-      فقيل: بيَّن لها الخير والشر، أي: علمها.

-      وقيل: جعل فيها القبول للخير والشر، أي: خلق فيها.

فمعنى قوله (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) أي: جعل فيها الاستعداد لقبول الخير، والاستعداد لقبول الشر. ففيها تهيؤ لكلا الأمرين. وبذلك تميزت عن النفس الملَكية، وعن النفس الشيطانية. فإن النفس الملَكية، متمحضة للخير،فقط. فملائكة الرحمن يسبحون الليل والنهار (لا يفترون)، (لا يسئمون)، (لا يستحسرون)، لا تحدثهم نفوسهم إلا بطاعة الله، وتقواه. والنفوس الشيطانية، نفوس متمحضة للشر، فقط. ليس فيها نازع خير. أما النفس الإنسانية فجاءت بين بين. ركب الله - تعالى - فيها نوازع للخير ونوازع للشر. ولأجل ذلك كانت محل الابتلاء، والاختبار. فبعد أن بيَّن الله حقيقة النفس، قال إثر ذلك، وهو جواب الأقسام المتعددة السابقة:

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) الفلاح: هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.

(وَقَدْ خَابَ)  أي: خسر. ومعنى (دساها) أي: أخفاها، من التدسية، وهي: الإخمال، والإخفاء، بالكفر، والذنوب، والأخلاق الدنيئة. ولفظ الكفر، نفسه، يدل على التغطية. ولهذا سمي الزراع كفارا؛ لأنهم يغطون البذور بالتراب. فأصل الكفر التغطية، لأن الكافر غطى فطرته، وأخفاها. فالواجب أن يسعى المرء إلى الفلاح بتزكيتها، وأن يتجنب الخيبة، والخسار بتدسيتها. فوظيفة ابن ادم في هذه الحياة، أن يزكي نفسه، بتنمية بواعث الخير، وإخفاء، وإقصاء نوازع الشر. هذا مشروع العمر، وهذه خطة الحياة، لمن أراد النجاة من المرهوب، والفوز بالمطلوب.

 وهذا في الحقيقة مبحث مهم، يتعلق بفقه النفس. ويوجد له علم مستقل، يسمى (علم النفس) وهو من العلوم الإنسانية، اشتغل به جميع من  في الأرض، يسمونه (سيكولوجي) أي: علم النفس. ولكن علم النفس الحديث، تكوَّن بعيدًا عن نور الكتاب والسنة، واعتمد على الملاحظة والاستنتاج، المجردين. ولا شك أن علم النفس قد توصل إلى نتائج مفيدة، وكون تراكمات علمية صحيحة، إلا إنه لا يزال قاصرًا قصورًا عظيمًا، لأنه لم يستنر بنور الوحي. فعلماء النفس المعاصرون، ومن سبقهم، يرون أن مقتضى البحث العلمي، تنحية جميع الأمور الغيبية، والدينية عن مجال بحثهم! وهذا في الحقيقة حرمان، وخسران، فإن الله - تعالى - هو خالق النفس، وقد قال: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). فخالق النفس أعلم بمن خلق، وما خلق. فإذا حدثنا الله - تعالى - عن النفس الإنسانية، فكلامه كلام العليم الخبير، فمن زهد به، واستغنى عنه، فإنه يقع في قصور عظيم، وضلال بعيد. ولأجل هذا نجد علماء الملة، الذين توجهوا إلى العناية بتهذيب النفوس، وإصلاح القلوب، هدوا هداية عظيمة، بفضل استنارتهم بنور الكتاب والسنة، وتوصلوا إلى لب الموضوع، وأصابوا كبد الحقيقة، بأقصر طريق، كما تجد هذا النفس الإيماني المشرق، الذي ينفذ إلى الحقيقة مباشرة، في كلام الأئمة الأعلام، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم،، رحمهما الله.

 بينما يتخبط علماء النفس القدامى، والمحدثون، في نظريات مختلفة، تُطوِّح بهم يمينًا، وشمالاً، بسبب هذه النزعة العَلمانية، التي تنحي الدين جانبًا، وتتعامل مع الماديات فقط، فلا يهتدون إلى الحقيقة الكاملة، وإن أدركوا بعضها.

 

وبهذا يتبين اختلاف الخطة في فهم النفس الإنسانية، ومعالجتها، بين أهل الإيمان، وبين أرباب المدارس النفسية المختلفة. فمدرسة (سجموند فرويد) تنظر إلى النفس الإنسانية نظرة جنسية بحتة، وأن دوافع الإنسان المختلفة نابعة من الغريزة الجنسية، فيفسر تصرفاته، ويلبي حاجاته بناءً على هذا الأساس.

وهناك من ينظر إلى الإنسان بوصفه المادي، الحسي، البهيمي. فنظرته للإنسان نظرة الباحث عن الطعام، فيهتم بتلبية هذه الجوانب المادية، ولا يلقي بالا للجوانب الوجدانية.

وهناك، على النقيض، من ينظر إلى الجوانب الإشراقية، والروحانية، فيُغرِق فيها، كما في الفلسفات الشرقية المختلفة، التي تدعو إلى تعذيب الجسد، في سبيل انعتاق الروح، لبلوغ درجة (النرفانا)، كما يوجد في البوذية والهندوسية.

وكل هذه المذاهب، تتخبط في دياجير الظلمات. أما ما جاء من عند الله، فهو القسطاس المستقيم، والميزان الدقيق، الذي يوائم بين أشواق الروح، وحاجات الجسد. فالكائن الإنساني خلقه الله - تعالى - من قبضة من تراب، ومن نفخة من روح، ففي بنيته جوانب معنوية، روحانية، وفيه جوانب بدنية، حسية. والعقيدة، والشريعة، أتتا لتلبية الأمرين معًا، لم تحتفيا بجانب، وتهملا جانبًا، بل تعاملتا مع النفس الإنسانية، كما خلقها بارئها.

ولهذا نجد في كتاب الله - عز وجل - وفي سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما يلبي أفراح الروح، وما يلبي نزعات الجسد. فلا رهبانية في الإسلام، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن التبتل. وفي نفس الوقت لا اتباع للشهوات، وعبادة الجسد. نجد منظومة متناسبة بين هذين الأمرين، لا يجتمعان إلا فيما جاء به القرآن والسنة.

هذا هو (علم النفس الإسلامي) الذي ينبغي أن يخدم، وأن يعتني به، وأن تجمع مفرداته، وأن يؤسس تأسيساً مستقلاً، غير متأثر بالنظريات الأرضية. ولا يكفي، لمن أراد أن يؤسس علم نفس إسلامي، أن يأتي إلى التراث الغربي، أو الشرقي، وينتخب منه، ثم يضع بعد كل جملة، لاحقة: ( في حدود الشريعة الإسلامية) أو (في إطار الشريعة الإسلامية) هذا ليس أسلمة لعلم النفس، هذا نوع من التلفيق.

إذا أردنا أن يكون لدينا علم نفس إسلامي، فيجب أن نغوص في نصوص الكتاب والسنة، المتعلقة بالنفس الإنسانية، وأن نستنبط منها القواعد، والأسس، التي ترسم معالم هذه النفس، ثم نبوِّب الأبواب، ونرسم المنطلقات، فيكون لنا استقلالنا في نظرتنا إلى النفس الإنسانية، بدلا من أن نجتر كثيرًا من تجارب، وأخطاء الآخرين؛ من الشرق أو الغرب، كما هو الواقع، وللأسف، في الجامعات التي تدرس في أقسامها علم النفس.

ومن الدلالات التربوية لهذه الآية، أن يعلم الإنسان بأن في نفسه مخزوناً للخير، وأن عليه أن يستنبط هذا المخزون، ولا يدعه مطموراً، مغموراً، في مطاوي النفس.

كثير من الناس يحيا، ويموت، ولم يستخرج هذا الخير الذي ألهم إياه! ولأجل ذا، يجب على العاقل، أن يفكر جيدًا، كيف يستحث، ويستثير هذا الخير الذي في النفس. فقد امتن الله - تعالى - على إبراهيم، عليه السلام، فقال: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)

إذا! الرشد يمكن أن يؤتاه الإنسان، ويمكن ألا يؤتاه. كما لو قدرنا دولة من الدول في أراضيها مخزون من النفط، أو من المعادن الثمينة، فإن استطاعت إيجاد الآليات، لاستخراج هذا المخزون، والانتفاع به، عادت دولة قوية، ذات رفاهية. وإن هي أهملته، بقي مطمورًا، عبر القرون، وبقيت دولة فقيرة، متخلفة. فكذلك أرض القلب، فيها مخزون، مذخور، فاستنبطه، واستخرجه، وانتفع به.

ومما يدل على هذا المعنى حديث الحصين بن معبد الخزاعي، فإنه قد لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاه إلى الإسلام، وقال له: يا حصين! كم تعبد؟ قال: سبعة؛ ستةً في الأرضن وواحداً في السماء. قال: فمن الذي تعده لرغبك، ورهبك؟ قال: الذي في السماء. قال: فاعبده، ودع ما سواه. فإنك إن أسلمت، علمتك كلمتين. فمضى الحصين، ثم من الله تعالى عليه فأسلم، وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله الموعدة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق، البر، الأمين : (قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي)

إذًا لك رشد، ربما تلهم إياه، ربما لا تلهم إياه! فسل الله أن يلهمك رشدك، وأن يعيذك من شر نفسك. لان في نفسك شر، قد ينبعث عليك، وينفجر في وقت، فيهلكك. فهذه الوصية النبوية، موافقة لمدلول الآية.

 

الفوائد المستنبطة من الآيات السابقة

الفائدة الأولى: أن تنوع الأقسام وتعددها، دليل على أهمية المقسم به.

الفائدة الثانية: لفت النظر إلى بديع صنع الله، وتنبيه الغافلين.

الفائدة الثالثة: الطبيعة المزدوجة للنفس الإنسانية.

الفائدة الرابعة: الابتلاء والاختبار الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.

 
قال الله تعالى:

[كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)]

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا) ثمود: قبيلة قوية، من العرب البائدة، كانت تسكن وادي القرى، أو منطقة الحِجر، الواقعة بين مكة، والشام، والمعروفة، حاليًا، بمدائن صالح.

(بطغواها) أي: بتجاوزها الحد. فالباء سببية، يعني: هذا هو سبب تكذيبيها. والطغيان هو تجاوز الحد، كما قال الله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)

وقد أتاهم قوة، ومكنهم أن ينحتوا من الجبال بيوتاً، وأن يتخذوا من سهولها قصورًا، فبلغ بهم الطغيان أن كذبوا نبيهم صالح، وزادوا على ذلك بما وصف الله:

(إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) (انبعث) يعني خرج بسرعة، أو انتدب. وأشقى ثمود، هو (قِدار بن سالف) بضم القاف. وكان من قصة ثمود، أنهم طالبوا نبيهم صالح (عليه السلام) بآية. وقد جرت سنة الله أن الآيات المقترحة تكون شؤمًا على أصحابها. فقالوا: أخرج لنا من هذه الصخرة الصماء، ناقة عشراء ،فنؤمن! فأقام عليهم الحجة، وأخرج لهم من صخرة صماء، ناقة عشراء. يعني: قد بلغت شهرها الأخير، فهي على وشك الولادة. فابتلاهم الله بأن جعل (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) يعني: يوماً ترد، فتشرب كل الماء الذي تشربه القبيلة، ويشربون في اليوم الثاني. فضاقوا بذلك ذرعاً.

(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ) أي: صالح

(نَاقةَ اللَّهِ) يعني: احذروا المساس بها، وذروها تأكل في أرض الله.

(وسقياها) أي: لا تتعرضوا لشربها في اليوم الذي لها، ولا تنازعوها فيه.

وناقة الله: من باب إضافة المخلوق إلى خالقه. وهي إضافة تشريف، لأن هذه الناقة آية، وليست كسائر النوق.

(فَكَذَّبُوهُ) ردوا كلام نبيهم، ولا خافوا مما حذرهم منه.

(فَعَقَرُوهَا) قيل إن العقر: هو ضرب قوائم الدابة، وتحديداً، الوتَر الذي يكون خلف العقب، أو الخف، فإنه إذا قطع لم تتمكن الدابة من السير، فتقع، ولا تستطيع المشي، فتهلك. وقيل: ضرب قوائمها، ثم قتلها بعد ذلك. المهم أن ذلك آل إلى هلاكها.

وقد عبر بالجمع (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا) مع أن المنبعث، الذي باشر ذلك واحد، لأنهم راضون، والراضي كالفاعل. ولذلك أخذوا جميعاً بهذه الجريمة. ولهذا قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في رجل قتل في صنعاء: لو أن أهل صنعاء جميعًا تمالئوا على قتله، لقتلتهم به. فالراضي كالفاعل، والمشارك يدخل في القوَد.

 (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) أي: أطبق عليهم بعذابه.

(بِذَنْبِهِمْ)  الباء في قوله بذنبهم للسببية، يعني: بسبب ذنبهم.

والعذاب الذي أطبق عليهم، صيحة، ورجفة، عياذاً بالله ! صيحة قطعت نياط قلوبهم في صدورهم، ورجفة زلزلت أرضهم، فهلكوا جميعًا. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).

(فَسَوَّاهَا) يعني: أنهم استووا في العقوبة، فلم يفلت أحد، لأن القوم كانوا راضين بفعل أشقاهم، موافقين، فلذلك اشتركوا جميعا في العقوبة.

(وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) أي أن الله تعالى، لا يخاف تبعتها. وذلك أن غير الله - تعالى -إذا عاقب أحدًا، يتوجس خيفة أن هذا الذي وقع عليه عقوبة، هو، أو جماعته، ربما ينتقمون منه، فيخاف العاقبة. أما الرب سبحانه وبحمده - تعالى - و- عز وجل - فلا يخاف عقباها ، لأنه القوي، العزيز، القادر.

الفوائد المستنبطة من الآيات السابقة

الفائدة الأولى: شؤم عاقبة الطغيان .

الفائدة الثانية : تفاوت الكفار في كفرهم وشقاوتهم ، لقوله: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) فكما أن المؤمنين يتفاوتون في ، فالكفار أيضا يتفاوتون في شقاوتهم.

الفائدة الثالثة : أن التذكير موعظة، وإقامة حجة، وإبراء ذمة.

الفائدة الرابعة : أن الراضي كالفاعل.

الفائدة الخامسة : شدة أخذ الله للظالمين .

الفائدة السادسة : كمال قدرة الله سبحانه وسلطانه .

 


التعليقات ( 0 )