• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (الزلزلة)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  3.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8))

إن سورة الزلزلة مع السور الثلاثة التالية لها( العاديات – القارعة – التكاثر ) تكاد أن تكون موضوعاتها متقاربة؛ إذ أنها تتكلم عن البعث، وهي قضية يركز عليه القرآن المكي، وتبدو أهميتها في باب الإيمان بالله - عز وجل -، أو في باب الإيمان عموما على درجة كبيرة؛ ذلك أن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يضبط العمل، ويحمل الإنسان على التقوى، ويحجزه عن غشيان محارم الله تعالى.

مقصد السورة:

سورة (الزلزلة) مقصدها العام هو: تقرير الإيمان باليوم الآخر وما يتضمنه

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا):

(إِذَا) هذه ظرفية

(زُلْزِلَتِ) أي: حركت تحريكا شديدا، ورجت، كما قال في الآية الأخرى (رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) فالزلزلة هي التحريك الشديد؛ بدليل قوله (زلزالها)، وكأن هذا أمر معروف بَيِّن، فعرفه بالإضافة إليها (زلزالها)

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) وذلك أنه في يوم القيامة يقع تغيرات كونية، فمن ذلك: أن الأرض تبدل غير الأرض، فهذه الأرض الممتدة الساكنة يقع لها اهتزاز عظيم، حتى أنه تبدل الأرض غير الأرض، وتعود الأرض وليس فيها معلم لأحد، لا جبل يشرف عليه، ولا وادي يكن من فيه، ولكن تعود كالقرصة، كالخبزة، أرض لم يسفك عليها دم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (تمد مد الأديم) [أخرجه أحمد (3556)، وابن ماجه (4081)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4318)]؛ وذلك لكي تتسع للمحشر العظيم.

(وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) الأرض هي التي ذكرت قبل قليل

وما أثقالها؟ أي: ما في بطنها من الموتى المقبورين.

وعبر بعض المفسرين بقولهم: كنوزها ونحو ذلك، ولكن المقصود هو ما في بطنها من المقبورين؛ إذ أن المقصود ها هنا هو إثبات البعث، ولا شك أن الأرض قد امتلأت بالقبور، والأجداث، كما قال المعري:

رب قبر قد صـار قبرا مرارا    ضاحكا من تزاحم الأضداد

سر إن استعط في الهواء رويدا    لا اختيالا على رفات العباد

إلى أخر ما قال.

فلا شك أن هذه الأرض من لدن آدم - عليه السلام - إلى يومنا هذا إلى من يموت من آخر الناس يملئون جوفها، فهي بمنزلة الأم لهم، ثم هي يوم القيامة تلفظ ما فيها، وتخرج ما في رحمها، فمن كان في بطنها خرج على ظهرها.

(وَقَالَ الْإِنْسَانُ) من الإنسان ها هنا؟

- يحتمل أن يكون جنس الإنسان.

- ويحتمل أن يكون المكذب والمنكر بالبعث؛ وربما يؤيد هذا الثاني كون هذا الاستفهام استفهام إنكاري (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا) فهذا الاستنكار إنما يقع من الكفار؛ كما أخبر الله - سبحانه وتعالى – بقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) فهذا التعجب والاستنكار منهم يؤيد أن المراد بالإنسان ها هنا منكر البعث على وجه الخصوص

(مَا لَهَا) يعني: ما الذي جرى لها؟ ماذا حل بها؟

(يَوْمَئِذٍ) أي: في ذلك اليوم الموصوف.

(تُحَدِّثُ) أي: الأرض هي التي تحدث، كيف ذلك؟ انطقها الله الذي انطق كل شيء؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - قادر على إنطاق الجماد، وقادر على إنطاق أعضاء الإنسان يوم القيامة (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) فالله على كل شيء قدير، فمن قدرته أن تخبر هذه الأرض بما عمل عليها من خير أو شر

(تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) أي تخبر بما عمل عليها من خير أو شر.

(بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) الباء هنا للسببية، والتقدير: لأن رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا، أو بسبب أن رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا.

والمقصود بـ (أَوْحَى لَهَا) يعني: أعلمها، وأمرها بالتحديث.

وقد ورد في ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - قَالَ : قرأ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } [ الزلزلة : 4 ] ثُمَّ قَالَ : ((أتَدْرونَ مَا أخْبَارهَا )) ؟ قالوا : الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ . قَالَ : (( فإنَّ أخْبَارَهَا أنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلّ عَبْدٍ أَوْ أمَةٍ بما عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ : عَملْتَ كَذَا وكَذَا في يَومِ كَذَا وكَذَا فَهذِهِ أخْبَارُهَا )) [رواه أحمد (8854) والترمذي (2429) وغيرهما]، إلا أن هذا الحديث قد ضعفه بعض العلماء ومنهم الألباني - رحمه الله –

وقد جاءت أيضا أثارا أخرى في أن البقاع تشهد لمن مر عليها، أو عمل عليها عملا.

وهذه الآية أصلا لرأسه في أن الأرض تحدث وتخبر بما جرى على ظهرها، وهي من شهود الله.

فإن شهود الله كثر:

-   فمما يقيم الله تعالى به الحجة على الظالم وعلى الكافر: أن تشهد عليه الملائكة الكرام، (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ

-   ومن إقامة الله الحجة: أن تشهد عليهم جوارحهم؛ كما جاء في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم  -  فَضَحِكَ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ؟ قَالَ : قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ ، يَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ ؟ قَالَ : يَقُولُ : بَلَى ، قَالَ : فَيَقُولُ : فَإِنِّي لاَ أُجِيزُ([1]) عَلَى نَفْسِي إِلاَّ شَاهِدًا مِنِّي ، قَالَ : فَيَقُولُ : كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا ، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا ، قَالَ : فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ ، فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ : انْطِقِى ، قَالَ : فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ، قَالَ : ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلاَمِ ، قَالَ : فَيَقُولُ : بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا ، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ([2]).[رواه مسلم: 2969 ] فهذا سبب ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -

-  ومن شهود الله تعالى: هذه الأرض، فإنها تشهد أيضا بما عمل على ظهرها؛ فحجة الله بالغة

(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ) (يَصْدُرُ) أي: ينصرف، ويرجع. فالناس يصدرون من موقف الحساب، بمعنى أنهم ينصرفون إلى مآلاتهم

(أَشْتَاتًا) أي: متفرقين بحسب ما أسلفوا من العمل، فهم ليسوا على نسق واحد، ولا يساقون مساقا واحدا، بل لكل وجه ولكل طريق

(لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) أي:

لِيُرَوْا نتائج وجزاء أعمالهم؛ لأنه بعد صدورهم يكون قد قضي بينهم (فريق في الجنة وفريق في السعير)، وهذا الراجح في المعنى المراد.

ويحتمل أن يكون أن يكون المعنى: لكي يروا ما قدموا من خير، أو شر، ويجازوا عليه، فتشمل: رؤية العمل، والمجازاة عليه. تشمل رؤية العمل بمعنى: أن الله يوقفهم عليه، والمجازاة عليه

وربما يؤيد الأول أنه جعلها بعد قوله: (يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا)؛ فصدورهم هذا يكون بعد أن أروا أعمالهم، فبقي أن يروا جزاء أعمالهم.

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ):

 (الفاء) للتفريع.

والمقصود بـ (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) يعني: وزن ذرة، والذرة: هي النملة الصغيرة، ويضرب بها المثل في دقة الشيء، وحقارته، وصغره.

وهذا هو الذي تفهمه العرب من لغتها، ودعك من قوم أرادوا أن يحملوا القرآن على غير مراده، فزعموا أن الذرة هنا هي الذرة المعروفة في علم الفيزياء الآن، (الذرة الفيزيائية) فإن هذا لم يكن معروفا عند المخاطبين، ولا يمكن أن يخاطب الله الناس بغير ما يعلمون، وهم إنما قالوا ذلك؛ لأنهم لاحظوا أن هذه الذرة التي عند (الفيزيائيين) هي أصغر ما يكون.

إذا الحساب على مثاقيل الذر، وهذا يدل على أن كل ما يصدر من الإنسان من خير، أو شر، فهو محفوظ كما قال قائلهم (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) فهناك دقة في الإحصاء وعدل في الأحكام

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: هول يوم القيامة، وانقلاب الأرض.

الفائدة الثانية: إثبات البعث.

الفائدة الثالثة: مفاجئة منكري البعث - أجارنا الله وإياكم  من هذه الفجئة -؛ قارنوا بين هذين القولين:

-   قول من يقول (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)

وبين من يقول (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)

الأول: مدهوش، مفزوع، مصدوم، مفجوء.

والثاني: مطمئن، مصدق، مستوعب لما جرى.

الفائدة الرابعة: قدرة الله على إنطاق كل شيء، وهذا رد على هؤلاء المادين والعقلانيين، الذين حجروا عقولهم في الشيء المادي المحسوس، الذي يقع تحت الحواس، ولا تتسع أفاقهم، لأن يخلف الله تعالى هذه السنن، ويجري الأمور على غير النسق الذي هو عليه.

الفائدة الخامسة: إثبات الجزاء

الفائدة السادسة: كمال عدل الله، وإحاطته، وإحصائه؛ حيث انه لم يترك صغيرة، ولا كبيرة، من خير، أو شر، إلا أحصاها، وأحاط بها، وجازى عليها بالعدل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا أجيز اليوم : أي : لا أمضي ولا أقبل علي شاهدا. [من((جامع الأصول في أحاديث الرسول))  لابن الأثير]

(2) أناضل: أي أدافع وأجادل. من [((شرح مسلم للنووي))]



التعليقات ( 0 )