أ.د. أحمد القاضي

سورة (البينة) [2]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8))

 

(وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) لم يقل هنا والمشركون! والسبب، والله أعلم، لكون أهل الكتاب صدروا عن أصلٍ صحيح واحد، بخلاف المشركين. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بقوله (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يعني في شأن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ما بين مصدق، ومكذب.

 

(إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) قيل: إلا من بعد أن جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أو: إلا من بعد ما جاءهم القرآن!

 

وفي هذا نظر!؛ لأن البينة هنا، ليست هي البينة التي في الآيات الأولى، لأن هذه الآية لبيان سبب تفرق أهل الكتاب عن دين أنبيائهم، كما قال الله - عز وجل –(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة/213] ، وقال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [آل عمران/19] ، وقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [الشورى/13، 14]، وقال: (وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [الجاثية/17]

 

فالذي يظهر، كما تدل الآيات السابقات، أن هذه الآية إشارة إلى تفرق سابق، وأن البينة، هي قيام الحجة الرسالية السابقة عليهم؛ لأن هذه السورة سورة مكية، وبعض أهل الكتاب لم تبلغهم بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم – ولا دعوته، بعد. ولم يدعُ النبي - صلى الله عليه وسلم – هرقل، والمقوقس، والنجاشي، إلا بعد أن هاجر إلى المدينة، بعد صلح الحديبية، فلم يقع التفرق في شخصه - صلى الله عليه وسلم – من قبل أهل الكتاب، إلا في العهد المدني.

 

فهذه الآية إنما تدل على تفرقهم السابق في دينهم، وتكفير بعضهم بعضًا، ولعن بعضهم بعضًا، مع أن الله - سبحانه وتعالى – أقام عليهم الحجة الرسالية، لكنهم تنكبوا الطريق، بعد حصول العلم.

 

وعليه فيكون معنى: (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) يعني: التي بينها الله لهم سابقا، حتى لا يقول قائل: إن القوم معذورون بتفرقهم، بدعوى تأخر البينة، فرد الله ذلك، وبين أن تفرقهم، كان عن سبق علم، واتباع هوى.

 

وهذا التوجيه، يزيل الإشكال في عدم قرن المشركين بأهل الكتاب، في هذه الآية، لأنه لا محوج؛ فالمشركون لم يقع تفرق منهم عن أصل رسالة؛ بخلاف أهل الكتاب، فإنهم كانوا يرجعون إلى دين صحيح، فرغبوا عنه.

 

(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ) هذا الاستثناء استثناء مفرغ، من أعم الأحوال، مثل قولنا: (لا إله إلا الله)، فهو يدل على كمال الحصر.

 

(لِيَعْبُدُوا اللَّهَ) يعني: أن يعبدوا الله.

 

(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي أن أهل الكتاب، وغيرهم، ما أمروا إلا بهذه الخصال العظيمة:

1) عبادة الله وحده، والإخلاص له في ذلك.

2) إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.

وهذه هي أمهات العقائد، والعبادات،

 

(مُخْلِصِينَ) حال من: (يعبدوا).فلا تتحقق عبادة الله، ولا تصح، إلا بالإخلاص. فلو أن إنسانا عبد الله، وعبد غيره معه، فإنه لا يكون عابدًا لله.

 

(حُنَفَاءَ) أي: مستقيمين على التوحيد، مائلين عن الشرك؛ لأن الحنف في اللغة، معناه: الميل، ولذلك يلقب من كان في مشيته ميل بالأحنف. فالمراد: الميل عن الشرك إلى الإسلام.

 

(وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) يعني: يؤدوها على وجه الاستقامة، ولم يقل: ويفعلوا الصلاة، لأن ثَمَّ فرق بين فعل الصلاة، وبين إقامتها؛ فإقام الصلاة: أداؤها على وجه الاستقامة؛ بأركانها، ووجباتها، وسننها، وخشوعها، وشروطها.

 

(وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) الزكاة في اللغة: الطهرة، والنماء. والمراد بها هنا: زكاة المال.

  وكثيرا ما يقرن الله – تعالى - بين هذين الركنين العظيمين:

- قال الله تعالى في سورة براءة: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: 5]، وقال في الآية الأخرى (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة: 11]

- ولأجل هذا قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في حرب المرتدين: (وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) متفق عليه.

 

(وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) المشار إليه مجموع هذه الخصال هو: الملة المستقيمة.

 

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا): أعاد ذكر المشركين مع كفرة أهل الكتاب، لأنهم يشتركون في الجزاء.

 

( أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ): الخليقة.

 

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)

هذه مآلات الناس: فإما أن يكون المرء كافرًا، أو مؤمنًا، ليس شيء ثالث؛ قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)، فهما حالان فقط. وليس هناك منزلة بين منزلتين، كما زعمت المعتزلة. ولكن الإيمان درجات، والكفر دركات، وبينهما حدود فاصلة.

فبين الله تعالى مآل الكافرين؛ من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم في النار المظلمة، التي يحطم بعضها بعضًا، خالدين فيها، خلودًا أبديًا، كما دلت على ذلك ثلاث آيات في كتاب الله. وسبب ذلك: أنهم شر الخليقة، فإن من كفر بالله فقد تنكر لفطرته، وإنسانيته، وصار شر الخليقة. وفي المقابل، فالذي آمن بالله، وعمل الصالحات، فقد وافق فطرته، ووفى لربه، وصار خير البرية. ولهذا كافأه الله - عز وجل - بهذا الثواب العظيم، بفضله، ومنه.

 

(جَنَّاتُ): هي البساتين المستترة بكثرة أشجارها.

 

(عَدْنٍ) أي: إقامة.

 

(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يعني أنهم في الخلود المطلق، الذي لا ينقطع، عطاء غير مجذوذ، وأجر غير ممنون.

 

(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) بيّن سبب استحقاقهم للخلود في الجنان، وأنه خشيتهم لربهم - عز وجل -، لأنها حملتهم على الإيمان، وعمل الصالحات.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: أن تفرق أهل الكتاب عن علم؛ واتباع للهوى.

الفائدة الثانية: بيان أصول الدين: من العقائد، وأمهات العبادات.

الفائدة الثالثة: أن دين الله واحد، وهو الإسلام بالمعنى العام، الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. والإسلام بالمعنى الخاص هو ما بعث الله به محمد - صلى الله عليه وسلم -.وإنما تتنوع الشرائع.

وليس لله عدة أديان؛ ليس لله دين اسمه اليهودية، أوالنصرانية. الإسلام هو دين الله (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران/19]. فالله تعالى بعث جميع أنبيائه بدين الإسلام، لكن الشرائع متنوعة، كما قال نبينا - صلى الله عليه وسلم - (وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) رواه البخاري. فدين الأنبياء واحد؛ فموسى - عليه السلام - لم يبعث باليهودية، وعيسى - عليه السلام - لم يبعث بالنصرانية. اليهودية: هي ما آل إليه دين موسى- عليه السلام - بغد أن حرفها الأحبار. والنصرانية: هي ما آل إليه دين عيسى - عليه السلام - بعد ما حرفها الرهبان. وموسى، وعيسى (عليهما السلام)، وسائر أنبياء الله، دعوا إلى ملة إبراهيم. ولهذا قال الله - عز وجل - : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا) وقال منكراً عليهم: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)، وقال (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)

            قال قتادة - رحمه الله -: (رغب عن ملته اليهود، والنصارى، واتخذوا اليهودية، والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم -يعني الإسلام- حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم) تفسير الطبري - (ج 3 / ص 89)

الفائدة الرابعة: خطأ طريقة بعض الأصوليين في تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ فيجعلون الأصول العقائد فقط، والفروع العبادات، والمعاملات. وهذه السورة تدل على أن من العبادات ما يكون أصلا.

الفائدة الخامسة: أن التوحيد هو أصل دين الله.

الفائدة السادسة: اقتران العمل بالإيمان.

الفائدة السابعة: أن دين الله مستقيم، لا اعوجاج فيه، ولا تفاوت.

الفائدة الثامنة: خلود الكفار في النار.

الفائدة التاسعة: شناعة الكفر، ومنافاته للإنسانية.

الفائدة العاشرة: فضيلة الإيمان، وموافقته للحق، والفطرة.

الفائدة الحادية عشرة: خلود المؤمنين في الجنة.

الفائدة الثانية عشرة: إثبات صفة الرضا لله -سبحانه وتعالى- وأنها من الصفات الفعلية، ووقوع الرضا من الطرفين، ولكل ما يليق به.

الفائدة الثالثة عشرة: فضل الخشية، وأنها أصل التدين، وسبب النعيم.



التعليقات ( 0 )