• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (البينة) [1]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  4.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) )

 

سبب تسمية هذه السورة بسورة البينة،

          قوله فيها: (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ). وهو اسم على مسمى، فقد حصلت بها البينة العظيمة.
 
           فمن مقاصد هذه السورة:-

- تحقيق البينة، ورفع الالتباس.

- إثبات الرسالة الخاتمة، وصاحبها - صلى الله عليه وسلم -

- بيان حقيقة الدين، واستقامته.

- بيان مآلات الناس.

ويلاحظ أن هذه السورة تختلف عن سابقاتها ولاحقاتها، من سور (جزء عم)، بطول الفواصل، فغالب سوره آياتها قصيرة، أما هذه السورة ففي آياتها نوع طول.

 

     (لَمْ) أداة نفي.

 

     (يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا): اسم كان، وأما خبرها: (مُنْفَكِّينَ).

 

      (أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود، والنصارى، لنزول التوراة، والإنجيل فيهم، إلا أنهم حرفوه، وأضاعوه، وأفسدوا دينهم، بما أدخله أحبار السوء، ورهبان الضلالة من البدع المضلة.

 

     (الْمُشْرِكِينَ) عبدة الأوثان من جميع الأمم، ومنهم مشركو العرب.

 

     (مُنْفَكِّينَ) منتهين، ومنفصلين عما هم فيه من الكفر والضلال. و(الانفكاك) لفظ يدل على العلوق، يعني أنهم عالقون، ساقطون في وضع لا يمكن أن يخرجوا منه، إلا بنفحة علوية، ورسالة سماوية.

 

(حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) البينة: الحجة الواضحة، والمراد بها هنا تحديدًا: بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهذه هي البينة التي ترفع كل التباس، وتزيل كل إشكال.  ومعنى هذه الآية الاستهلالية: أن الكفار على مختلف أصنافهم؛ من المشركين، عبدة الأوثان، ومن كفرة أهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى، ما كان لهم أن ينفكوا، ويزولوا، وينفصلوا عما هم فيه من الضلال، إلا بمجيء البينة، وهي الدليل الواضح، والبرهان الساطع، الذي يكشف كل التباس، ويرفع كل خلاف.

 

     وفي هذه إشارة إلى حال الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد كان الناس في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، فهم ما بين مشرك يعبد صنماً، أو شجرًا، أو حجرًا، أو غير ذلك من أنواع المعبودات، وهم الوثنيون، ومنهم مشركو العرب، الذين بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا يعبدون أنواع الآلهة: اللات، والعزى، ومناة، وهُبَل، وودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق ،ونسرا.

 

     وكان أحدهم إذا نزل منزلاً، بحث عن أربعة أحجار، فجعل ثلاثة منها أثافيَّ لقدره، والرابع إلهًا يعبده!. وإذا نزل أرضًا سهلة ليس فيها حجر، جمع كثيبًا من رمل، ثم حلب عليه ناقته، ثم عبده!. وربما جمع أحدهم التمر، وعبطه، فعبده، فإذا جاع أكله! وكانوا يعبدون الجن، والملائكة، ويعبدون كل شيء. وذكر(الكلبي) في كتاب [الأصنام] أكثر من هذا. هذا من ناحية الاعتقاد.

 

     وكانوا من الناحية الأمنية، والاجتماعية على أسوء حال؛ يقتل بعضهم بعضًا، ويغزو بعضهم بعضًا، فكانوا في حروب وثارات مستمرة. وكانوا يظلمون الضعيف، ويأكلون مال اليتيم، والمرأة، فلا يورثونهما، ويغمطونهما حقهما.

 

     ولم يكن أهل الكتاب، في ذلك الوقت، بخير حال منهم. فأما اليهود، المغضوب عليهم، فإنها أفسدت دين موسى - عليه السلام -، وأخرجته من التوحيد الصرف، إلى أنواع من الشرك، وسوء الأدب مع الله - عز وجل -، والتطاول على جنابه، والنيل من أنبيائه، إضافة إلى أخلاقهم الدنيئة، الوضيعة في التعامل مع الناس؛ من الكبر، والحسد، والسعي في الأرض فساداً، ولهذا عوقبوا بأن شتتهم الله في الأرض، شذر مذر، حتى آل طائفة منهم إلى يثرب - كما كانت تسمى في الجاهلية - يترقبون بعثة النبي الخاتم.

 

وأما النصارى الضالون، فقد تفرقوا فرقًا كثيرة، وتناحروا فيما بينهم، حتى كانوا يعقدون المجامع، فلا ينفضُّون إلا بين لاعن وملعون! فأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء، وسالت الدماء بسبب ذلك، فكانوا مضطربين في معتقدهم، حتى تسيَّد قول القائلين منهم، بأن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون، وصاروا يحملون الناس على هذا، وجرت حروب عظيمة.

 

وقد وصف أبو الحسن الندوي - رحمه الله - في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)([1]) - حال البشرية قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، على اختلاف أممها، وكيف كانوا بأمس الحاجة إلى من يستنقذهم من هذا التيه والضلال، الذي تردوا فيه ، فكان أن بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين. قال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) فبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من العرب، ووصف دينه بأنه من البينة، فقد أنزل الله تعالى كلاما بينًا، واضحًا، لا يستعصي فهمه على الأعرابي البسيط، ولا يستنكف عنه العالم الضليع، بل تخضع له الرقاب، ويقبله كل صاحب فطرة سوية، وكل صاحب عقل سليم، ولا يرون فيه تفاوتًا، ولا تناقضًا، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).

 

(رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً): (رَسُولٌ)، بالرفع، بدل من (الْبَيِّنَةُ). وهذا الرسول هو محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي دلت الدلائل المتكاثرة على صدقه. قال الله تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). كانت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم – فتحًا، وفرجًا، ونَفَسًا، من الله، سبحانه وتعالى، وإلا فإن الناس كانوا على شفير هلكة، وفي الحديث: (إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ؛ عَرَبَهُمْ، وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ) [رواه مسلم].

 

وكان قد بقي بقية من صالحي أهل الكتاب، في الصوامع، والديارات، باقون على الدين الصحيح، فكانوا أعظم الناس فرحًا ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ.وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [القصص:51-52]، وفي الآية الأخرى (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)،[المائدة:82-83]. فحينما جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- فرح به أولئك المؤمنون، ورأوا فيه امتدادًا طبيعيًا لرسالة الأنبياء السابقين، وإحياءً لدين الله الحق.

 

(رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) إذا رسالته من عند الله، ليس صاحب نظرية فكرية، أو فلسفية، وكلا!، وليس مجرد مصلح اجتماعي ساءه ما رأى من حال الناس، فانتدب للإصلاح الاجتماعي، كلا! هي رسالة ربانية قبل كل شيء. وقد حاول المستشرقون أن يقولوا إنه كان مصلحًا اجتماعيًا، أو أنه كان مثقفًا ثقافةً دينية، يريدون أن يزيلوا عنه وصف النبوة - خابوا وخسروا - هو رسول من الله

 

(يَتْلُو صُحُفًا) يتبع، وهي القرآن العظيم.

 

(مُطَهَّرَةً) أي: مبرئة من كل شائبة باطل؛ (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).

 

لهذا كانت هذه الرسالة تحمل صفة البينة؛ لأن الرسول من الله، والكتب التي يتلوها، وتورث من بعده مطهرة. وفي هذا إشارة إلى أنه لا يأتيها الباطل، ولا يمكن أن يلحقها تحريف، ولا تغيير، ولا زيادة، ولا نقصان؛ لأن الله - تعالى - تكفل بحفظها. قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فلذلك لم ينخرم منه حرف واحد، ولم يقع بين المسلمين خلاف في موضع واحد. دعك من الرافضة! أدعياء الإسلام، الذين يزعمون أن القرآن ناقص، أو أن القرآن فيه تحريف، حتى ألف أحد خبثائهم- قبحه الله- كتابًا سماه: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)، ويزعمون أن عندهم مصحف فاطمة، ثلاثة أضعاف المصحف الذي بين أيدي المسلمين. هؤلاء زنادقة لا يلتفت إلى كلامهم.

 

أما كتب من قبلنا فإن الله – تعالى - قد وكل إليهم حفظ كتبهم، فأضاعوها قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) فالله – تعالى - وكَل إلى الأحبار والرهبان حفظ كتبهم، لكنهم أضاعوها.

 

     (فِيهَا كُتُبٌ): كُتُبٌ، جمع كتاب، بمعنى مكتوب، أي آيات مكتوبة.

 

     (قَيِّمَةٌ) أي: مستقيمة، لا اعوجاج فيها، ولا خلل.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: بيان حال الناس قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الفائدة الثانية: كفر أهل الكتاب. ومن العجب العجاب أن تجد من الناس من ينازع في كفر أهل الكتاب، وقد صرح الله بكفرهم هاهنا، وفي قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)، وقوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).

الفائدة الثالثة: أن الكفر أنواع:

-  كفر المشركين: المتمثل بعبادة الأوثان، واتخاذ الأنداد.

- وكفر أهل الكتاب: المتمثل، بكفر اليهود، كقولهم (يد الله مغلولة) وقولهم (إن الله فقير ونحن أغنياء) وقولهم: (إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع)،وكفر النصارى بقولهم: (إن الله ثالث ثلاثة)،وقولهم: (المسيح ابن الله).

- وكفر المنافقين: المتمثل بإظهارهم الإيمان، وإبطانهم خلافه.

-  وكفر إبليس: المتمثل بالإباء، والاستكبار.

- وكفر الغافلين، المتمثل بالتولي، والإعراض.

الفائدة الرابعة: أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم – بيِّنة، واضحة، رافعة لكل اشتباه، والتباس: (ما فرطنا في الكتاب من شيء).

الفائدة الخامسة: إثبات رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الله.

الفائدة السادسة: إثبات تنزيل القرآن.

الفائدة السابعة: حفظ القرآن من كل تحريف، ونقص.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] وهو من أحسن من كتب في هذا الصدد، وقد ألف قبل نحو أربعين سنة، لكنه كتاب نافع ماتع، أوصي بقراءته



التعليقات ( 0 )