• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (التين)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8))

 

سورة (التين) سورة مكية، آياتها قليلة، ولكنها تتضمن معاني عظيمة.

 

ولهذه السورة مقاصد منها

أولا: بيان ترابط الشرائع السماوية.

الثانية: بيان الصلة بين الفطرة، والإيمان.

الثالثة: إثبات البعث.

 

(والتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) اختلف المفسرون في المراد بهما:

-      فقيل: النباتان المعروفان، التين الذي يؤكل، والزيتون الذي يعصر.

-  وقيل: أماكن نباتهما، فالمراد (بالتين): أرض الشام، وبـ (الزيتون) أرض فلسطين. أو تحديداً: المراد (بالتين): مسجد دمشق، و(بالزيتون): مسجد بيت المقدس. فعبر عن منبتهما بهما,

-      وقيل: إن المراد بـ(التين): مسجد نوح، و(بالزيتون): مسجد بيت المقدس.

-      وقيل:  إنهما جبلان بأرض الشام.

ومؤدى هذه الأقوال إلى أن الله - سبحانه وتعالى - أقسم بهاتين الشجرتين المعروفتين، وفيه إشارة إلى مواضع نباتهما.

ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء، لكنه أقسم بهما – سبحانه - لشرف مواضع نباتهما؛ فإن أرض الشام، وبيت المقدس، أرض النبوات السابقة.

 

(وَطُورِ سِينِينَ) عطف على ما تقدم. واختلفت أقوال المفسرين في المراد به:

-  فقيل: الجبل الذي كلم الله - تعالى - عليه موسى، عليه السلام، وهو جبل في سيناء. وعلى هذا فكلمة (سينين) لغة من سيناء. وقد قال تعالى في سورة (المؤمنون): (وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ).

-      وقيل: الجبل الذي فيه نبات. فإذا كان الجبل فيه شجر، قيل عنه: طور.

-      وقيل: أن (سِينِينَ) صفة للطور، وهي بمعنى: حسن، أو مبارك. واعتمد قائل

      هذا القول على ما رواه البخاري من حَديث أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ: (مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟) فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ. قَالَ: (ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ) فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَلْبَسَهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: (أَبْلِي، وَأَخْلِقِي) مَرَّتَيْنِ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ، وَيَقُولُ: (يَا أُمَّ خَالِدٍ! هَذَا سَنَا) وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ.

     وهذا القول الأخير، يستدرك عليه أن اللفظ الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالف للوارد في الآية؛ فإن روايات البخاري فيها: سنا بالمد، وسنه بالهاء، وليس فيه سينين. ثم إنه لو كان المراد به صفة الطور، لنُوِّن (الطور) فقال: وطورًا سنين، وهذا لم يقع.

 فأرجح الأقوال: أن المراد به الموضع الذي كلم الله - تعالى - عنده (موسى)، عليه السلام، في صحراء سيناء، حينما خرج بأهله، وأبصر ناراً، وقصدها، ثم جرى ما ذكر الله - تعالى - من القصة المعروفة.

 

 (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) أشار إليه بلفظ (هذا) لقربه.

(الْبَلَدِ الْأَمِينِ) مكة؛ وذلك لأن كل شيء يأمن فيه، فقد حرمه الله - تعالى - حينما خلق السموات والأرض، وجدد إبراهيم - عليه السلام – حرمته، فلم تزل العرب منذ زمن إبراهيم يعظمون البيت، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه في الحرم، فلا يتعرض له، وحتى إن الطير، والوحش يأمن فيه، فهو أمين. ثم جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - ووثق هذا الأمان، فقال: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي. وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا، إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ) وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلاَّ الإِذْخِرَ، لِصَاغَتِنَا، وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: (إِلاَّ الإِذْخِرَ.الإِذْخِرَ). [متفق عليه].

 

ولو تأملنا في هذه الأقسام الأربعة، لوجدنا بينها ترابطًا عجيبًا؛ إذ أنها تشير إلى مواطن الرسالات السماوية الكبرى:

-  فالتين والزيتون: تنبت في أرض الشام، وهي موطن أكثر أنبياء بني إسرائيل، ومنهم عيسى ابن مريم - عليه السلام -، إذ كان عيسى - عليه السلام - آخر أنبياء بني إسرائيل، وتبعه فئام كثير من البشر.

-      وأما طور سينين: فهو الموضع الذي أرسل منه موسى - عليه السلام – .

-      وأما البلد الأمين: فمكة، موطن أشرف الرسالات؛ رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم – .

 

فهذه المواضع الثلاثة مواضع شريفة، معظمة، وتعظيمها ليس في القرآن وحده، بل فيما يجده أهل الكتاب في كتبهم، قال ابن كثير- رحمه الله -: (في آخر السفر الخامس، وهو آخر التوراة التي بأيديهم: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران: وظهر من ربوات قدسه، عن يمينه نور، وعن شماله نار، عليه تجتمع الشعوب". أي جاء أمر الله، وشرعه من طور سيناء - وهو الجبل الذي كلم الله موسى عليه السلام عنده - وأشرق من ساعير، وهي جبال بيت المقدس - المحلة التي كان بها عيسى بن مريم عليه السلام – واستعلن، أي ظهر، وعلا أمره، من جبال فاران، وهي جبال الحجاز، بلا خلاف. ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة، على الترتيب الوقوعي، ذكر محلة موسى، ثم عيسى، ثم بلد محمد - صلى الله عليه وسلم - ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، على قاعدة القسم، فقال تعالى: (والتين والزيتون)، والمراد بها محلة بيت المقدس، حيث كان عيسى عليه السلام (وطور سينين)، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. (وهذا البلد الأمين) وهو البلد الذي ابتعث منه محمدًا صلى الله عليه وسلم. قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات) [البداية والنهاية - (6 / 199)]

 

ففي هذا النص إشارة إلى الترابط بين الملل، والشرائع السماوية، الكبرى، وهي: دين موسى- عليه السلام -، ودين عيسى - عليه السلام -، ودين محمد - صلى الله عليهم جميعا وسلم - ودينهم جميعًا هو الإسلام.

ولهذا لا نقول: اليهودية، والنصرانية، أديان سماوية - كما يقول بعض الناس - فإن موسى - عليه السلام - لم يبعث باليهودية، وعيسى - عليه السلام - لم يبعث بالنصرانية، وإنما بعثوا جميعًا بالإسلام، قال الله - عز وجل -:

(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) فدين الأنبياء جميعًا هو الإسلام، ولذلك قال الحواريون: (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 52]، وفي موضع: (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) [المائدة:111]، وكذا جاء موسى - عليه السلام -، ومحمد وجميع أنبياء الله، كلهم بعثوا بالإسلام.

فدين الله - تعالى – واحد، وهو الإسلام، وإنما تتنوع الشرائع، (الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاَّتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) [رواه مسلم].

 

فاليهودية: هي ما آل إليه دين موسى، عليه السلام، بعد تحريف الأحبار، والحاخامات.

والنصرانية: هي ما آل إليه دين عيسى، عليه السلام، بعد ما أحدثه الرهبان، والقسس، والأساقفة.

 

فلم يكن أحدٌ من أنبياء الله، يهوديًا ولا نصرانيًا، كما قال الله عن أبيهم إبراهيم: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا)، وقال: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)، فلا يمكن أن يكون عيسى، وموسى -عليهما السلام - رغبا عن ملة إبراهيم، التي هي الإسلام. حاشا، وكلا!

وقد أنكر الله - تعالى - على من دعا إلى يهودية، أو نصرانية، فقال  - سبحانه -: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

 

فدين الله - تعالى – واحد، وهو الإسلام، ولكنه الإسلام بالمعنى العام، الذي يعني: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

والإسلام، بالمعنى الخاص: هو ما بعث الله به محمد - صلى الله عليه وسلم - من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة، والآداب الرفيعة.

 

ثم إن كل شريعة أنزلت على كل نبي، هي الإسلام في ذلك الزمان، فإذا جاء ما ينسخها، صار الإسلام هو الدين الناسخ. حتى في شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - يكون الشيء مشروعا في أول الأمر، ثم ينسخ، فقد كان دين الإسلام في أول الأمر هو التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس، ثم نسخ بعد ذلك، فصار التوجه في الصلاة إلى الكعبة المشرفة. فالله - تعالى - يمحو ما يشاء ويثبت. قال تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا)، لكن الذي لا يتغير أبدًا، هو الدين الذي بمعنى أصول الاعتقاد، وأمهات العبادات، والأخلاق. وأما تفاصيل الشرائع، فإنها تتنوع.

 

فحينما يسمع المؤمن القسم بهذه المذكورات، يذهب وهله إلى مواطنها، وإلى من كان في تلك المواطن من أنبياء الله، فيعلم أن التين والزيتون إنما تنبت في بلاد الشام، التي عاش فيها أنبياء بني إسرائيل، وتُوجوا بعيسى- عليه السلام-،

وحينما يسمع ذكر (وطُورِ سِينِينَ)، يذهب وهله إلى موسى- عليه السلام– ،

وحينما يسمع (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) مكة، فيتبادر ذهنه إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، فيبصر هذه الملل، كالحلقات المتصلة، في سلسلة واحدة، يشد بعضها بعضًا، حتى ختمت بالرسالة المحمدية الخالدة، فهيمنت على ما سبقها، وصارت حاكمة، وقاضية، وناسخة، لما سواها.

 

ثم قال الله - عز وجل - مجيبًا على هذه الأقسام: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)

(لَقَدْ خَلَقْنَا) اللام في (لقد) لام القسم، و(قد) للتحقيق.

(الْإِنْسَانَ) المراد به جنس الإنسان.

 

(أْحسَنِ تَقْوِيمٍ) قيل فيها معاني متقاربة:

-      معتدل الخلقة، حسن الصورة.

-  وقيل: - وهو يرجع إلى المعنى الأول - أنه ما من مخلوق إلا وخلقه الله مكبًا على وجهه، إلا ابن آدم، فسائر الحيوانات، والطيور، تجدها مكبة على وجوهها، أما الإنسان فإنه معتدل الخلقة، منتصبًا على قدميه. فيرجع هذا إلى كمال خلقته، واستوائها، ويدخل في هذا المعنى، سلامة الفطرة، وأنه خلق سويًا، على الفطرة الأصلية؛ الموافقة لدين الله، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ) [الروم : 30]، فالفطرة هي خلق الله، التي يسعى الشيطان لإغراء الناس بتغييرها: (وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ).

     فالفطرة إذًا خلق الله الأصلي لابن آدم، فقد خلقه في أحسن تقويم، في أحسن صورة ظاهرة، معتدل البنية، وفي أحسن صورة باطنة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) [متفق عليه].

 

     وهذا المعنى يدل على مبدأ من مبادئ فقه النفس، وهو أن الله سبحانه و- تعالى - خلق الإنسان على الفطرة الأصلية السوية، كما في الحديث القدسي: (خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ) [رواه مسلم].

    فالإنسان حينما يولد، يولد نقيًا، غير ملوث، لم يتعرض له الشيطان بعد. ثم يكثف الشيطان حملاته الشهوانية، وشبهاته العقلية، فيخرجه عن الجادة، فيقع نقص، وثلم لكل أحد، بمقدار استجابته للشيطان. والإيمان يصون الفطرة، ويحفظها، وينميها. وأما فاقد الإيمان، فإنه لا يزال يتردى في مهاوي الردى، حتى يطمس فطرته. ولذلك سمي الكفر كفرًا، لأن الكفر في اللغة بمعنى التغطية، فهو يغطي الفطرة، ويحجبها عن الاتصال بخالقها، فيفقد الإنسان إنسانيته، وإن ادعى الإنسانية. فلا يغرنكم ما تسمعون من دعاوى الإنسانية، من قبل أناس محجوبين عن الله، ودينه. هؤلاء، في الواقع، أبعد الناس عن الإنسانية. فلا يمكن أن تحصل الإنسانية الحقة، إلا بالاتصال بخالق الإنسان، والإيمان به. ليست الإنسانية مجرد ذرف دموع، أو رقة عاطفية، أعظم الإنسانية أن يحافظ الإنسان على خلقه القويم، فيكون عبدًا لله حقاً.وإذا تحقق ذلك صلح كل شيء.

 

-  وقيل: أيضا خلقناه شابًا، جلدًا، قويًا، وذلك حينما يكتمل شبابه، ما بين الثالثة والثلاثين، إلى الأربعين؛ لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) فهذا السن، ذروته سن الأربعين، ولكنه يبدأ في اكتمال القوة العقلية، والبدنية، من الثالثة والثلاثين، فيكون المراد حال الشباب، والقوة، والجلد.

 

     وينبني على هذا الخلاف، معنى بقية الآية، وهي قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)، فقد ذكر المفسرون في معناها، وجهين:

-  الوجه الأول: أي: أرذل العمر، وهو سن الهرم، كما قال تعالى: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)؛ فبعد أن كان منتصب القامة، احدودب ظهره. وبعد أن كان فتيًا، جلدًا، صار ضعيفًا، لا يقوى.

     ووجهوا قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بأن المؤمن الذي يعمل الصالحات، إذا رد إلى أرذل العمر، فإنه يكتب له ما كان يعمله من العمل، صحيحًا مقيمًا، كما دل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) رواه البخاري.

وممن ذهب إلى هذا القول ابن جرير الطبري - رحمه الله -. لكن يضعفه أنه لا ينطبق على كل أحد، بل إن الأعم الأغلب، أن يموت الإنسان قبل أن يبلغ الهرم. فكيف تحمل الآية على الأقل ويترك الأكثر؟!

     وقيل في توجيهها، أيضاً، معنى قريب من ذلك، وهو أن الله - تعالى - لا يؤاخذه بما يصدر منه في حال الهرم، فإن الإنسان إذا هرم، ربما صار عنده نوع جزع، وضجر، وغير ذلك، فلا يؤاخذ عليه.

-   الوجه الثاني: أن أسفل سافلين هي النار، وأن الإنسان لما تنكر لربه، وكفر به، حطه الله - تعالى - في أقصى دركات النار.

 

فإن قال قائل لكن هذا لا ينطبق على جميع الناس! قلنا: هذا صحيح، ولهذا استثنى الله - تعالى - فقال (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا)، ولكن لما كان أكثر الناس على خلاف الاستقامة، جعل هذا أصلا، وجعل الأقل هو الاستثناء. ويدل على ذلك حديث بعث النار: يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - يَا آَدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ. وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ، تِسْعَمِئَةٍ، وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ. قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا! فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ) [متفق عليه]. فهذا يدل على أن أكثر بني آدم على الضلال، والانحراف؛ (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ).

 

وحين نتأمل هذين الوجهين في التفسير، يتبين أن تفسير من فسر (أسفل سافلين) أنها النار، أوجه وأرجح، وإلى هذا ذهب ابن القيم - رحمه الله - ونصره نصرًا مؤزرًا، في كتابه [التبيان في أقسام القرآن]، وعد نحو عشرة أوجه في الترجيح، وأن مقتضى القسمة: فكما وصف الله - تعالى – جزاء المؤمنين بأنه: (أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) فينبغي أن يكون جزاء مخالفيهم - وهم الكافرون – (أسفل سافلين) لكي تتقابل الصورتان.

ويؤيد هذا - أيضا التنظير- على قول الله - تعالى - في أخر سورة (الانشقاق) (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ.وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ.فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) [الانشقاق : 22 - 25].

 

 وخلاصة ما تقدم: أن الله -سبحانه وتعالى- أقسم بهذه الأقسام الأربعة، مبينا أنه: خلق ابن آدم خلقة سوية، معتدلة من الناحية الظاهرية، وخلقة سوية، معتدلة من الناحية الباطنية، لكونها على الفطرة الأصلية، ثم أن الكافر أفسد ذلك بكفره، فكان جزاؤه أن رد في (أسفل سافلين)، فهوى في الدرك الأسفل من النار، وأما المؤمن قد عصمه الله - تعالى – بإيمانه، وعمله الصالحات، فكافئه بالأجر غير الممنون.

 

(إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) : هذا هو الاستثناء. وقد تضمنت الجملة

 

 مسألة عقدية كبيرة: هل العمل داخل في مسمى الإيمان، وحده، وتعريفه، أم لا؟

-  فأهل السنة يرون أن مثل هذه الآيات التي فيها اقتران الإيمان بالعمل الصالح دليل يؤيد ما ذهبوا إليه من أنه لا إيمان بلا عمل، حيث إن الله - تعالى – غالباً، لا يذكر الإيمان إلا ويقرنه بالعمل.

-  ولكن مخالفيهم من المرجئة، استدلوا بها على عكس ذلك! فقالوا: العطف يقتضي المغايرة، فلو كان العمل داخلاً في مسمى الإيمان، ما عطف عليه؛ فإذا قلت: جاء زيد وعمرو، فهذا يقتضي أن عمرواً غير زيد.

ولكن يجاب عن ذلك بأحد جوابين :

     الجواب الأول: أن يقال: هذا من عطف الخاص على العام. وهذا موجود في القرآن، وفي اللغة. مثاله من القرآن: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء : 163] مع دخول المذكورين في لفظ النبيين.  ولو قلت: جاء الطلبة، ومحمد، ومحمد من الطلبة، عطفت الخاص على العام. فهذا سائغ لغة. وللعطف في اللغة أنواع متعددة، لا نستطرد بذكرها.

     الجواب الثاني: أن يقال: إن من الألفاظ ما يكون له دلالة عند الإنفراد، ودلالة عند الاقتران. فإذا انفردت عمت، وإذا اقترنت خصت. مثل: الفقير والمسكين، ومثل: البر والتقوى، ومثل: الإثم والعدوان. فلو أعطاك إنسان مبلغاً من المال، وقال: أعطه فقيرًا، صح بذله لكل ذي فاقة. ولو أعطاك درهمين، وقال: أعط هذا فقيرًا، وأعط هذا مسكينًا، فينبغي أن يكون للمسكين معنى غير معنى الفقير، كما ميز الله بينهما، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) .فيكون الفقير: هو الذي كسرت الحاجة فقاره يعني: أنه أشد فاقة. والمسكين:  من أسكنته الحاجة، وكان دون الأول. وفرق الفقهاء بينهما في باب الزكاة، فقالوا: الفقراء: من لا يجدون شيئاً، أو يجدون بعض الكفاية. والمساكين: يجدون أكثرها، أو نصفها. ومثل: التوبة، والاستغفار، عند الانفراد يجتمعان في معنى الندم، والإقلاع، والعزم على عدم العود. وعند الاقتران ينبغي أن يكون للتوبة معنى، غير معنى الاستغفار، كما قال تعالى على لسان غير واحد من رسله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). فيكون الاستغفار عما مضى، والتوبة لما يستقبل.

 

     فكذلك الإيمان والعمل الصالح؛ إذا جاء الإيمان منفردًا، شمل القول، والعمل معًا، وإذا جاء الإيمان مقترنًا بالإسلام، أو بالعمل الصالح، فإنه يختص بالعقائد الباطنة. كما في حديث جبريل المشهور.

     وعلى هذا فليس للمرجئة مستمسك بهذه الآية، وأمثالها، بل أهل السنة والجماعة أسعد بها، فإن الله تعالى يقرن كثيرًا بين الإيمان، والعمل الصالح،  لتلازمهما؛ فلا إيمان بلا عمل.

 

     (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع. وتأتي بمعنى: محسوب أي: أنه لا يعد عليه، وتأتي بمعنى: منقوص، بل يعطى عطاءً كثيرًا، وافياً، لا منة فيه، ولا حسبان، ولا انقطاع.

 

     (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) : اختلف في معنى الدين هاهنا:

-  قيل: هو الدينونة، التي بمعنى الجزاء، والحساب، والعرب تقول: دنته، فدان.فيكون الاستفهام: للاستنكار، يعني: كيف يكذب الإنسان بالدينونة؟ والله - تعالى – قد بين أنه قد خلقه في أحسن تقويم، وأن جزاء الكافر أن يرد في أسفل سافلين، وأن جزاء المؤمن أجر غير ممنون، فكيف يكذب الإنسان بعد ذلك بالدينونة ؟ ويكون الخطاب في قوله: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) موجه إلى المكذب، الذي هو الكافر، المنكر للبعث.

-   وقيل: (الدين) بمعنى الحكم والقضاء. فلا يسوغ إذا كان الإنسان يعلم بأن الكافر يرد إلى: (أسفل سافلين)، وأن المؤمن يؤتى أجرًا غير ممنون، أن يعصي الله - عز وجل -، بل يجب عليه أن يمتثل أمره، وأن يجتنب نهيه، وأن يصبر على قضائه؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو المثيب، وهو المعاقب، فإذا كان هو المثيب وهو المعاقب، فلابد أنه يأمر وينهى، ويقضي ويحكم. ولهذا قال:

 

     (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ): والجواب: بلى! فيكون الاستفهام: تقريرياً. وقد وصف الله نفسه (أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، ومعنى ذلك أنه أثبت وصف الحكم لغيره، لكنه –سبحانه- أحكمهم. وهذا يدل على إمكان الاشتراك في أصل الصفة، أي المعنى المشترك الكلي، المطلق، الموجود في الأذهان، لا خارج الذهن. ولكن الله - تعالى - له المثل الأعلى، فلا يقع حينئذ اشتراك في الأعيان؛ لأنه إذا انفرد - سبحانه بالمثل الأعلى للصفة، فإنه لا يمكن أن يشابهه، ويماثله أحد في ذلك، فيزول المحظور الذي تدعيه سائر فرق المعطلة.

 

     ولهذا لَمَّا وَفَدَ أبو شريح، - رضي الله عنه - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِى الْحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ: « إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ ».

    فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِى إِذَا اخْتَلَفُوا فِى شَىْءٍ، أَتَوْنِى فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِىَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ.

    فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا أَحْسَنَ هَذَا فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ ».

    قَالَ: لِى شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ.

   قَالَ: « فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ ».

   قُلْتُ: شُرَيْحٌ

   قَالَ: « فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ ». [رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الألباني].  

   وذلك لما يوهمه لقب (أبو الحكم) من بلوغ الغاية في الحكم، فإن أبا الشيء، كأنه المستبد به، المستوعب له، والمستولي عليه، وهذا لا يكون إلا لله - عز وجل - فإن الله - تعالى - له المثل الأعلى.

 

     وقد ورد أنه يقال في آخر هذه السورة: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين؛ جواباً للسؤال. ولكن الرواية جاءت من طريق قتادة، مرسلة، وجاءت عن قتادة منسوبة إليه، يعني: بسند مقطوع. فالإسناد الأول، يسمى منقطع، والثاني مقطوع. فهو لم يثبت. وممن ضعفه الألباني - رحمه الله - وكذلك الحال عند قول الله - تعالى - (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)، لم يصح في جوابه رواية مرفوعة.

     ولا بأس أن يأتي الإنسان بجواب مناسب لسؤالٍ ملقى، لكنه لا يفعل ذلك على سبيل الالتزام، لأن هذا يحتاج إلى توقيف.

 

الفوائد الستنبطة

§       الفائد الأولى: أن لله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.

§       الفائدة الثانية: ترابط الشرائع السماوية، وأن دين الله واحد.

§       الفائدة الثالثة: أن الأصل سلامة الإنسان، واستواء خلقه، ظاهرًا وباطنًا.

§       الفائدة الرابعة: إفساد الكافر لفطرته السوية، وتغييره لخلق الله.

§       الفائدة الخامسة: أن الإيمان يحفظ الفطرة السوية وينميها.

§       الفائدة السادسة: اقتران العمل بالإيمان، وأنه لا إيمان بلا عمل.

§       الفائدة السابعة: سعة فضل الله، وعطاءه.

§       الفائدة الثامنة: إثبات الجزاء، والحساب، إذا قلنا إن المراد بالدين الجزاء.

§       الفائدة التاسعة: إثبات حكم الله، وحكمته.

§       الفائدة العاشرة: إثبات المثل الأعلى لله تعالى.



التعليقات ( 0 )