• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الليل)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21))

 

هذه السورة سورة (الليل)، سميت بذلك، لاستهلالها بالقسم بالليل في قوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى). ولهذه السورة مقاصد متعددة منها:

- الإيمان بالقدر وهو أحد أركان الإيمان.

- مسؤولية العبد عن أفعاله وترتب الثواب والعقاب عليها.

- إعلاء القيم المثلى، والأعمال الصالحة.

- إثبات البعث، والحساب، والجزاء.

 

(وَاللَّيْلِ): خلق عظيم من مخلوقات الله، يتعاقب مع النهار، على الكون.

(إِذَا يَغْشَى): يغطي بظلمته ما بين السماء والأرض. فهذا الليل أشبه بثوب أسود، يلقى على الأرض، فيغطيها. (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) . ثم قال على سبيل المقابلة:

(وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى): أي: تكشف، وظهر، وأضاء الأرض بنوره.

 (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى): (ما) هنا، تحتمل أن تكون موصولة، بمعنى (من)، وتحتمل أن تكون مصدرية. فالله - تعالى - أقسم بما خلق الذكر والأنثى.

فإن كانت موصولة، فالله - تعالى - قد أقسم بنفسه، يعني: ومن خلق الذكر والأنثى. وإن كانت مصدرية فمعنى الكلام: وخلْق الذكر والأنثى، فيكون إقساما بالخلق نفسه. ولله - تعالى - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.

ويؤيد هذا المعنى الثاني وهو أن تكون (ما) بمعنى المصدر، قراءة منسوخة؛ فإنه قد وقع في قراءة أبي الدرداء، وابن مسعود، (والذكر والأنثى). وقد نسخت بالعرضة الأخيرة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنها لا ينطبق عليها حد القراءة السبعية المعتمدة، لأن حدها كما قال الناظم:

وكل ما وافق وجه نحـوِ           وكان للرسم احتمال يحوي

وصح إسناداً هو القرءان           فهذه الثلاثة الأركــان

وحيثما اختل شرط اثبتِ           شذوذه لو انه في السبـعة

هذه هو شرط القراءة الصحيحة. والشرط الثاني هو الذي ينفي قراءة (والذكر والأنثى) لأنه لا يوافق رسم المصحف.

 

(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى): هذا جواب القسم. ومعنى (سعيكم) أي: عملكم. (لشتى): اللام واقعة في جواب القسم. (شتى) أي: مختلف، فمساعيكم مختلفة؛ فعامل بالطاعة، وعامل بالمعصية، كما هو مشاهد. فأنت ترى الناس في هذه الدنيا منهم من يشتغل بطاعة الله، وعمل الصالحات، ومنهم من يشتغل بمعصية الله، والموبقات.

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) الفاء للتفريع. يعني أعطى حق الله، أو أنفق في سبيل الله. فيشمل العطاء الواجب، والعطاء المستحب.

(وَاتَّقَى): التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله، وقاية؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

(وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى): اختلف المفسرون في المراد (بالحسنى):

- فمنهم من قال إن المقصود (بالحسنى): كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).

- ومنهم من قال الحسنى: الجنة، لأن الله - تعالى - قال (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.

- ومنهم من قال، وهو اختيار ابن جرير الطبري، رحمه الله، ورجحه: إن المراد الخلف من الله على المعطي، بمعنى: أن الله - سبحانه وتعالى – وعد المنفق بالخلف، فالذي يثق بموعود الله - عز وجل - فهو مصدق بالحسنى. ويشهد لهذا المعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما من يوم يمر إلا وينزل ملكان فيناديان اللهم أعطي منفقا خلفا وأعطي ممسكا تلفا)

وبين هذه المعاني الثلاث تلازم، فإن من صدق بموعود الله، مصدق بـ(لا إله إلا الله)، وهو من وراث جنة النعيم. لكن السياق يرجح ما اختاره ابن جرير الطبري، بأن (الحسنى): الخلف. وإذا نظرنا للعموم، فإن المراد يتعلق بـ(لا إله إلا الله) التي هي كلمة التوحيد.

 

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) هذا جواب الشرط. (نيسره): يعني نهيئه بيسر، وسهولة. و(اليسرى) هي الجنة، أو عمل الصالحات.

وبإزاء ذلك قال الله - تعالى - (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) بخل بحق الله، بخل بالزكاة، كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - فهو البخل بحق الله الواجب عليه.

(واستغنى) يعني استغنى بماله، وجاهه، عن ثواب الله، كأنما قال: لا حاجة لي، وأنا عندي ما يكفيني، كما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) .

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) هي النار، أو عمل الشر.

ونجد أن الله تعالى اسند هذه الأفعال إلى العباد، فهم الفاعلون لها حقيقة. خلافاً للجبرية الذين يزعمون أن العبد كالآلة، لا يفعل حقيقة، وإنما هو مظهر لفعل الله. ومن طوائف الجبرية، الأشاعرة القائلون بنظرية (الكسب). وهي دعوى باطلة، غير معقولة. قال الناظم:

 مما يقال ولا حقيقة عنده          معقـولة تدنوا إلى الأفهام

 الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام

فيزعمون أن هذا كسب، وليس فعلاً للعبد حقيقة، بل هو فعل الله عز وجل وحسب! وإنما وقع اقتران بين فعل العبد، وقدرته غير المؤثرة، ويسمونه كسبًا، وخلق الرب وفعله، لهذا الفعل. ولهذا سلبوا الأشياء خصائصها، حتى قالوا: إنه ليس في النار خاصية الإحراق، وليس في الماء خاصية الري، ولا في السكين خاصية القطع، وإنما تقع هذه الأشياء عندها لا بها! وأنكروا الحكمة والتعليل، وصاروا مضحكةً للعقلاء.

وبالمقابل، فإن (القدرية) أنكروا القدر السابق، وزعموا أن العبد يخلق فعل نفسه، وجحدوا حقيقة (التيسير) المذكور في الآيات، وأتوا بنظرية (اللطف)؛ فيقولون: إن هذا التيسير هو أن الله تعالى، خلق للإنسان الأدوات، و الآلات، فقط. وأما المشيئة، فهي مشيئة العبد، دون مشيئة الرب، وأما الخلق فهو خلق العبد، دون خلق الرب. وهذا مذهب المعتزلة، ومن جرى مجراهم، من الشيعة، والخوارج.

(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) يعني: ما يغني عنه ماله الذي افتخر به، واستطال، إذا هوى، وسقط في النار، وقيل بمعنى مات، من قولهم: ردى الرجل. ولكن استبعد بن جرير، رحمه الله، هذا المعنى؛ قال: لأن العرب لا تستخدم تردى إلا في التعبير عن السقوط من شاهق.

(إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) يعني: بيان طريق الهدى. فهذا مما أوجبه الله - تعالى - على نفسه؛ أن يبين للناس طريق الحق، وطريق الباطل، طريق الهدى، وطريق الضلال. وهذه هداية دلالة، وبيان، وإرشاد.، وهي إقامة الحجة الرسالية.

(وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى) أي: لنا ملك الآخرة، والأولى، نهبها من نشاء، ونمنعها من نشاء، حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية.

(فَأَنْذَرْتُكُمْ) أي: خوفتكم، وحذرتكم؛ لأن النذارة هي الإعلام بما يسوء.

(تَلَظَّى) أي: تتلهب، وتتوهج، وتتوقد. وقد أوقد عليها لآلاف السنين، حتى صارت سوداء مظلمة. وهي موجودة الآن، تنتظر أهلها.

(لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) أي: لا يدخلها، ويقاسي حرها، فتشويه، إلا الأشقى. (الأشقى) أي: البالغ في الشقاوة أقصاها. وهو الكافر. ولهذا وصفه الله، تعالى، بقوله :

(الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) كذب بنبيه صلى الله عليه وسلم، وتولى عن طاعته. وهذا ينطبق على كثير ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم، بين ظهرانيهم من المشركين.

(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) أي: يبعد عن تلكم النار التي تلظى. و(الأتقى) بمقابل (الأشقى)، لأن (الأتقى) هو من بلغ الغاية في التقوى. وقيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه؛ لأنه وصفه بقوله: (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) أي: يتطهر.  فقد كان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، يبذل ماله في سبيل الله، يريد تطهير نفسه. ولا شك أن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يدخل دخولاً أوليًا في هذه الآية، لكنها تنطبق على كل من بذل ماله، يريد تزكيه نفسه، وتخليصها من آفة الشح، ومن الذنوب، ويريدها كفارة لما بدر منه، فإنه يدخل في عموم هذه الآية. والقاعدة عند المفسرين:  [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] فحتى لو نزلت الآية في فلان أو  فلانة، فإنها لا تختص به، بل تنسحب على جميع من شابههم في الحال.

(وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) أي: أن أبا بكر، وغيره من المحسنين الصادقين، لا يفعلون هذا الإحسان ليكافئوا نعمة سابقة، ويقابلوها بمثلها.

(إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (إلا) هنا بمعنى لكن. فالاستثناء منقطع؛ أي: لكنه فعل ذلك طلبًا للمذكور، وهو (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى). فدل على أن ذلك (الأتقى) بذل ماله، وأنفقه، رغبة في لقاء الله، تعالى، والتنعم بالنظر إلى وجهه الكريم، ورجاء ما يحصل له من ثواب الله.

       (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) هذا وعد من الله، عز وجل، أن يرضيه، والله لا يخلف الميعاد.

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: الإقسام بدلائل الربوبية.

الفائدة الثانية: تفاوت الخلق في مسعاهم .

الفائدة الثالثة إثبات القدر السابق.

الفائدة الرابعة: إثبات أفعال العباد، والرد على الجبرية.

الفائدة الخامسة: الرد على القدرية، وذلك بإثبات التيسير.

الفائدة السادسة: إثبات الحكمة والتعليل، للربط بين المقدمة والنتيجة.

الفائدة السابعة: إثبات الأسباب الشرعية فمن أنكرها، فهو مناقض للعقل، والفطرة، والدين.

الفائدة الثامنة: انتفاء الشفاعة عن الكافر. قال الله تعالى: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) فإذا كان ماله الذي يختص به، لا يغني عنه، فلأن تكون شفاعة الشافعين، لا تغني عنه، من باب أولى.

الفائدة التاسعة: إثبات هداية الدلالة، والبيان.

الفائدة العاشرة: إثبات ملك الله الشامل لكل شيء.

الفائدة الحادية عشرة: التحذير من النار .

الفائدة الثانية عشرة: الموعظة بالنار. ويلاحظ أن بعض المتكلمين لا يجري على ألسنتهم التخويف بالنار. وهذا قصور! فما خوف الله به، ينبغي أن نخوف به. ولا يصح أن يقال: لا ينفع مع الناس إلا الإقناع العقلي! الله اعلم بخلقه، وما يصلحهم. فإذا رأيت الله تعالى يخوف بشيء، أو يرغب بشيء، فاسلك هذا المسلك .

الفائدة الثالثة عشرة: نجاة المؤمن من النار.

الفائدة الرابعة عشرة: أن الأعمال الصالحة سبب للتطهر، وزيادة الإيمان.

الفائدة الخامسة عشرة: أن العمل من الإيمان.

الفائدةالسادسة عشرة: فضيلة الإخلاص .

       الفائدة السابعة عشرة: حسن موعود الله للمؤمن.



التعليقات ( 0 )