• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والجماعة

د. أحمد القاضي

 0  0  893
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
فإن من سمات العقيدة، وخصائص أهل السنة والجماعة، الدعوة إلى الإلفة والاجتماع، ونبذ الفرقة والنزاع . قال تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) آل عمران : 103، وقال ذاماً الفرقة وأهلها: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران : 105
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في السنن، من رواية فقيهي الصحابة؛ عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، رضي الله عنهما: ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) وفي حديث أبي هريرة المرفوع : ( إن الله يرضى لكم ثلاثاً؛ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم )
لقد جرى في غضون الأسبوع الماضي انعقاد مؤتمر القمة التاسع عشر، للدول العربية، في مدينة الرياض . وأحسب أن جمهور المسلمين، بفطرتهم السليمة، توجهوا إلى الله تعالى أن يوفق المجتمعين، وتمنوا أن يتمخض المؤتمر عن وحدة واتفاق وتعاون .
إن انعقاد المؤتمر مكاناً، وزماناً، وحالاً ، ليعطي دلالات عدة :
أولها : الحاجة الماسة إلى توحيد كلمة المسلمين، والأمة العربية، أصل الإسلام، ومأرزه، ومأواه، وبقية المسلمين لهم تبع . فقد أضحى التحدي صارخاً ضد العرب والمسلمين، لا تستطيع التزويقات السياسية مواراته .
ثانيها : ( الرياض ) بيت العروبة، وقلعة السلفية، التي يسمونها (وهابية) ، وعاصمة بلاد التوحيد، حاضنة الحرمين الشريفين . ومن ثمَّ فهذا التجمع الكبير، يزعج الشعوبيين الأعاجم، ورعاة البدعة والشرك، فضلاً عن أعداء الإسلام من اليهود، والنصارى، والذين لا يعلمون ، ويشعرهم أن هذه الأمة يمكن أن تتعافى، وتتجاوز نزاعاتها الداخلية لتتحد أمام العدو المشترك .
ثالثها : الجراحات الراعفة، في نواحي العالم العربي؛ في فلسطين، والعراق، والصومال، أشبه بالسياط اللاذعة التي تجلد ظهور النيام، وتخرج رؤوس النعام ! فما عاد الأمر يحتمل الإغضاء والتلهي، وقد تمادى اللئام حتى لم يبقوا مخرجاً للكرام . وقد جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين، رئيس المؤتمر، فياضةً بهذه المشاعر المتلاطمة في قلوب العرب والمسلمين .
إن الأمة العربية، وهي لب الأمة الإسلامية، بحاجة ماسة إلى الوحدة والاجتماع. وهي بحاجة أمس إلى أن تعي معايير هذا الاجتماع الصائبة، القابلة للاستمرار . كما أن دعاة الإسلام، أو من تسميهم وسائل الإعلام بـ (الإسلاميين ) بحاجة ماسة إلى مراجعة فقه الجماعة، وإنهاء حالة القطيعة، بلْه الخصومة، مع الأنظمة ، والاصطفاف صفاً واحداً أمام العدو المشترك، وإنْ باحتمال أخف المفسدتين في سبيل دفع أشدهما. إن حالة الاقتراب، يمكن أن تردم كثيراً من الفجوات التي تخلخل بناء الأمة، وتجسر العلاقة بين مختلف فئاتها، وكل ذلك يندرج تحت المقاصد العامة للشريعة، ويتحقق بالاعتصام بالله، وعدم التفرق، كما أمر : (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) . والله من وراء القصد .

التعليقات ( 0 )