• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الفجر) [3]

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30))

 (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا): هذا انتقال في الأسلوب، ينقل القلب والعقل إلى ميدان آخر، وإلى موضوع جديد. ومعنى (دكت) أي: زلزلت، وحطمت، ودقت. فالدك: يحمل هذه المعاني، الحركة المضطربة المزلزلة، ثم التحطيم، فلا يبقى شيء على شيء، ثم الدق، والتفتيت.

 (دَكًّا دَكًّا): هذا للتأكيد، فإنه بليغ في إثبات المراد. وذلك يوم القيامة.

(وَجَاءَ رَبُّكَ) إلجائي هو الله.

(وَالْمَلَكُ) أي: وجاء الملك. الملك: جمع ملاك، مأخوذ من الألوكة، أي: الرسالة، وذلك لأن الله - تعالى – يرسلهم.

(صَفًّا صَفًّا) أي: مصطفين صفوفاً، إثر صفوف. وهذا من أعظم مشاهد القيامة؛

     حينما تنشق السماء الأولى، فيهبط ملائكتها، ويحيطون بأهل الأرض إحاطة السوار بالمعصم، ثم السماء الثانية، فيحيطون بمن قبلهم، فالثالثة، فالرابعة، حتى السابعة. ثم بعد ذلك ينزل الرب - سبحانه وبحمده - لفصل القضاء بين العباد. وهذا هو المجيء المذكور في هذه الآية. وهو مجيء حقيقي يليق بجلاله وعظمته – سبحانه – نثبته، ولا ننكره، ولا نعطله، ولا نؤوله بأنواع التحريفات، بل نثبته إثباتاً حقيقياً على ما يليق بجلال ربنا. ولا يجوز تفسير المجيء بأنه مجيء أمره. فكيف يقال أن قوله (وَجَاءَ رَبُّكَ) ليس على ظاهره، بل هو مجيء أمره، ومجيء الملائكة على ظاهره، وهما في آية واحدة؟!! هذا من العدوان على النصوص، ومن التحكم بلا دليل. بل هو مجيء حقيقي للرب، ومجيء حقيقي للملك. فمجيء الملائكة يليق بهم كمخلوقين، ومجيء الرب يليق به لكونه الخالق.

وهذه الآية، وسائر آيات الصفات، يجب أن نصدق بخبر الله، ونجريه على ظاهره اللائق به – سبحانه - ونعتقد أن ذلك لا يستلزم تشبيهًا، ولا شيئاً من اللوازم الفاسدة، التي ظنها بالله أهل التمثيل، وأهل التعطيل. وهو سبحانه أصدق قيلاً، وأحسن حديثًا من خلقه، وأعلم بنفسه، وبخلقه. والتحريف في هذه المقامات الخطيرة، افتيات على الله، عز وجل، وطعن في بيان القرآن. ولو شاء الله - تعالى - لعبر بما ادعوه، ولم يدع الأمر ملتبساً كما ظنوه، لكنه أراد حقاً، وصدقًا مدلول كلامه.

فنعتقد أنه يجيء - سبحانه وبحمده - يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وأن المجيء، كما النزول، كما الاستواء، من صفاته الفعلية، المتعلقة بمشيئته وحكمته، يفعلها متى شاء، كيف شاء، إذا شاء، وأن فعله لها لا يتضمن نقصاً بحال.

وأما دعوى النفاة بأن هذا يلزم منه حلول الحوادث بالرب، فدعوى مردودة؛ لأن جنس الفعل صفة ذاتية لله، لأنه (فعال لما يريد)، لم يزل، ولا يزال فعالاً، وأما صوره، وأفراده، وآحاده، فتتنوع كما يقدر – سبحانه - ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

 (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) هكذا بصيغة الفعل الذي لم يسمى فاعله، وذلك أن جهنم خلق لا يأتي بنفسه، بل يجيء بها ملائكة الرحمن. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (يؤتى بالنار يوم القيامة، لها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك) [رواه مسلم]. وهذا مشهد رهيب، مشهد جر النار جرًا، مع هول حجمها، وبعد قعرها، قد أضرمت آلاف السنين، فهي سوداء مظلمة.

(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ) : الإنسان الكافر الذي كان مكذبًا بالمعاد، راداً خبر الله، وخبر رسوله.

(أنى): كلمة استبعاد، وتيئيس. لأنه لا ينتفع من ذكراه ولهذا قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ففي ذلك الوقت لا تنفع الذكرى. والاستفهام هنا للنفي.

(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي): ليت : أداة تمني. والمعنى ليتني قدمت في حياتي الأولى لحياتي الآخرة، من الإيمان والعمل الصالح. كما أنه عند الموت يقول: (رَبِّ ارْجِعُونِ.لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فهو يندم ساعة الاحتضار، ويندم حينما يجاء بجهنم على هذه الصفة.

ثم قال الله - عز وجل : (فَيَوْمَئِذٍ) أي: ذلك اليوم  (لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ.وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)  هكذا بكسر الذال، وبكسر الثاء، وعلى هذا فالضمير في (عذابه)، و(وثاقه) يرجع إلى الله  سبحانه. وقرأت بالفتح فيهما، فيكون مرجع الضمير للكافر.

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ): انتقل إلى أسلوب الخطاب. وهو خطاب للنفس المطمئنة بالإيمان. ومعناها: الآمنة، وقيل الموقنة، وقيل المخبتة، وقيل المصدقة. وهي معانٍ متقاربة . والنفوس ثلاثة أنواع :  

1- نفس مطمئنة.

2- ونفس أمارة.

3- ونفس لوامة.

     فأما النفس المطمئنة: فهي التي سكنت على محبة الله، ورجائه، وخوفه، والتوكل عليه. فمن سمة النفس المؤمنة الطمأنينة؛ فتجد المؤمن مطمئنًا في اعتقاده، راضيا بالله رباً، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا. وغير المؤمن نفسه تتلجلج، وتعصف بها الشبهات، والظنون الفاسدة، والاعتقادات الباطلة. فالمؤمن قد أوى إلى ركن متين، فهو يقابل نعم الله بشكرها، ويقابل المصائب بالصبر عليها، وإحسان الظن بالله. نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا أنفساً مطمئنة، وقلوباً سليمة، وألسنة صادقة.

     وأما النفس الأمارة، فنفس متمردة شموس، لا تتعلق بخالقها، وبارئها، فهي على النقيض من الأولى. وأما النفس اللوامة، فنفس تجري في مضمار بين النفسين السابقتين، فتتلوم على صاحبها؛ تتلوم أي: تتلون، تارة تلومه على الخير، وتارة تلومه على الشر. فهي بعد لم تطمئن، وربما آلت إلى أحد الحالين؛ فتمحض للخير، فتصير مطمئنة، وربما تتمحض للشر فتصير أمارة، وربما بقيت مترددة بين الحالين.

 (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) يعني عودي. أي: إلى خالقك؛ وذلك للوقوف بين يديه، والتنعم بدار كرامته ومجاورته. وقيل: أن المقصود صاحبك الذي كنت فيه في الدنيا، أي للجسد الذي كنت تعمرينه في الدنيا.

ولكن القول الأول أولى؛ لأن الآيات دلت على الرد إلى الله؛ قال الله - عز وجل - في سورة (غافر) (وأنا مردنا إلى الله)، وقال - سبحاته (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ). ومن قال بالقول الثاني استدل بما جاء في حديث البراء بن عازب: (فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم،وفيها أعيدهم،ومنها أخرجهم تارة أخرى.قال فتعاد روحه في جسده) رواه أحمد.

(راضية) بثواب الله، وموعوده، وما أعده لعباده الصالحين.

(مرضية) اسم مفعول، يعني من قبل الله - عز وجل - فهي راضية عن الله، والله - تعالى - قد رضي عنها، وهذا يوافق قوله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).

(فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) يعني: ادخلي في جملة عبادي الصالحين، وهذا يشعرها بالأنس؛ لأن الإنسان إذا ضم لشكله، وجنسه استأنس بهم.

(وَادْخُلِي جَنَّتِي) جنتي أي: دار كرامتي، ومحل ثوابي.

 

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: هول يوم القيامة .

الفائدة الثانية:  إثبات صفة المجيء لله - تعالى - على ما يليق بجلاله.

الفائدة الثالثة: إثبات الملائكة، وخضوعهم لربهم.

الفائدة الرابعة: إثبات النار، وشديد عذابها.

الفائدة الخامسة: شدة ندم الكافر يوم القيامة.

الفائدة السادسة: إثبات الوعيد وتحققه.

الفائدة السابعة: إثبات الوعد وتحققه.

الفائدة الثامنة: بيان سمة النفس المؤمنة، وهي الطمأنينة.

 



التعليقات ( 0 )