• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الفجر) [1]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)

هذه السورة تسمى سورة (الفجر)، نسبة إلى إقسام الله تعالى بالفجر في مستهلها. وتظهر عليها سمات السور المكية في مقاصدها، وفي أسلوبها، وفي تنوع مقاطعها، وما تتضمنه من أنواع البلاغة، والتأثير، التي تأخذ بمجامع القلوب.

 ولهذه السورة كما للسور المكية مقاصد منها:

1-              إثبات المعاد، والجزاء. وهذا في أولها، وأخرها.

2-              اطراد سنن الله في أعدائه.

3-              الكشف عن طبيعة النفس الإنسانية في السراء والضراء.

4-              بيان التلازم بين الإيمان من جهة، والأخلاق والسلوك من جهة أخرى.

 (وَالْفَجْرِ) هذا قسم من الله عز وجل بالفجر. وقد اختلف المفسرون في المراد بالفجر؛ فقيل: إن المراد به فجر الصبح الذي يعرفه كل أحد. وقيل: إن المراد به صلاة الفجر، فعبر عن الوقت فعبر عن الصلاة بوقتها، لأنها اشرف ما فيه (وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا). القول الثالث: أن المراد النهار كله. وكأن من ذهب إلى هذا القول جعل هذا قسيمًا لقوله: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، فجعل الآية الأولى للدلالة على النهار، لكون الآية الثانية تشير إلى الليل. وأقرب هذه الأقوال القول الأول. والله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من الأمكنة، والأزمنة، والمخلوقات. فمما أقسم الله تعالى به من الأزمنة (الفجر)، و(العصر)، و(الضحى)، و(الليل)، و(النهار)، ومن الأمكنة مثل (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)، وقوله (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)، ومن المخلوقات، مثل : (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا.وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا)، و(التين والزيتون). وهكذا، فلله سبحانه وتعالى، أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهاهنا قد أقسم بهذا الوقت، وفيه لفت انتباه إلى تغير الأحوال، وقدرة الله عز وجل على صبغ كل حال بصبغة خاصة، فحال الفجر ليس كحال الظهر، ولا العصر، ولا المغرب، مع أن الفجر يمثل نقلة من الليل إلى النهار، والمغرب نقلة من النهار إلى الليل، إلا أن بينهما فرقا.

(وَلَيَالٍ عَشْرٍ) هذه العشر هي ليالي عشر ذي الحجة. وكأن هذا التفسير محل إجماع بين المفسرين، كما أشار إلى ذلك أمامهم ابن جرير الطبري. وهي ليال، وأيام شريفة. والعرب تعبر بالليلة عن اليوم والليلة معًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ قَالُوا: وَلاَ الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلاَ الْجِهَادُ. إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ، وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) رواه البخاري.

(وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) تضمنت هذه الآيات من المحسنات البلاغية (السجع)، وهو سجع غير متكلف، و(الطباق) بتقابل هذه المفردات. قيل إن المراد ب(الشَّفْعِ) الزوج، يعني العدد الزوجي و(وَالْوَتْرِ) الفرد، يعني العدد الفردي. وقيل: (الشَّفْعِ) يوم النحر، لكونه العاشر، و(الْوَتْرِ) يوم عرفة، لكونه التاسع. وقيل: (الشَّفْعِ) المخلوق و(الْوَتْرِ) هو الخالق. وكأن قائل ذلك لاحظ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (َإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) متفق عليه. وقيل إن المراد بهما: الصلاة المفروضة؛ فمنها ما هو شفع، ومنها ما هو وتر. فصلاة المغرب وتر، وبقية الصلوات شفع. والصحيح في هذه الأقوال ما دل على العموم، وهو اختيار إمام المفسرين، ابن جرير الطبري. فكل شيئ إما أن يكون شفعًا، وإما أن يكون وترًا. فالقول بالعموم أولى، لكي يتناول جميع مفرداته، فيدخل في ذلك يوم عرفة، ويوم النحر، ويدخل فيه الخلق، فما من شيء إلا وهو مندرج تحت هذين الوصفين.

     (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) الليل معروف، ومعنى (يَسْرِ) يعني مقبلاً، ومدبرًا. فذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بسريانه، حال إقباله، وحال إدباره. وقيل إن المراد به تحديدًا إذا ذهب، فكأنهم أرادوا بذلك الإدبار دون الإقبال، وجعلوا هذا بإزاء قوله (وَالْفَجْرِ)، لأن الفجر هو إقبال النهار (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) إدبار الليل. وخصه بعضهم بليلة مزدلفة، ولا وجه لهذا التخصيص. ولكن لعله لما رأى أن قول الله تعالى (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) ليالي عشر ذي الحجة، وقول من قال بأن (الشَّفْعِ) يوم النحر، وأن (الْوَتْرِ) يوم عرفة، جعل هذا ليلة مزدلفة. ولكن الآية أعم من ذلك. وجواب القسم محذوف، وكأنه لبداهته، وعظمه، وشهرته، لم يحتج إلى ذكر. وتقديره: لتبعثن، ولتجازن على أعمالكم، ولتحاسبن. وهو الأمر الذي كان ينكره كفار مكة، ومشركو العرب.

     (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) : يعني هل في هذه المذكورات مقنع لصاحب عقل؟ فالقسم هنا المقصود به ما يحصل به الإقناع. والمراد بالحجر: العقل. وإنما سمي العقل حجرًا، لأنه يحجر صاحبه عن فعل القبيح. وكذلك سمي عقلاً، لأنه يعقله عن ذلك. فلا شك أن من كان ذا عقل، ففي هذه الأقسام المتتابعة مقنع وكفاية له على ثبوت المعاد، والجزاء، والحساب.

      (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) بعد أن ذكر الله تعالى هذه الأقسام الفخمة، ونوعها مما يدل على عظم المقسم عليه، أتى بلون جديد من ألوان الإقناع، وهو الاستشهاد بالسنن الكونية، فقال: (أَلَمْ تَرَ) والخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والرؤية هنا رؤية علمية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يبصر بعيني رأسه، ما فعل الله بعاد. وهذا الاستفهام، استفهام تقريري. وعاد قبيلة معروفة، كانت تسكن منطقة الأحقاف، (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) وتقع في طرف الربع الخالي، حالياً، وفي أجزاء من اليمن

     (إِرَمَ) هكذا بلا تنوين، ولا إضافة، بإجماع القراء. وقد اختلف المفسرون اختلافاً واسعاً في تفسير(إِرَمَ) فمنهم من قال: هي عاد الأولى. وقال بعضهم، وهو اختيار ابن جرير الطبري، قبيلة من عاد، فكأن عاد هي الأم و (إِرَمَ) فخذ من تلك القبيلة. فإذا قلنا إن (إِرَمَ) هي ذاتها عاد، فيكون ذلك عطف بيان، أو بدل، وقد منع من الصرف لسببين: للعلمية، والتأنيث، ويمكن أن يقال: والعجمة أيضاً. وقيل في تفسير (إِرَمَ): إنها اسم لمدينة عاد، أو قوم عاد، أو أحدى مدنهم. حتى إن من المفسرين من سماها وقال: هي الإسكندرية! وقال بعضهم: هي دمشق! ولكن هذه الأقوال مستبعدة، لأن الإسكندرية لم تكن مسكنا لعاد، ولا دمشق مسكنا لهم. إلا أن يكون ذلك من اتفاق الأسماء. وقال بعضهم إن معنى (إِرَمَ) أي القديمة، أو الهالكة. وأقرب الأقوال في هذا، ما اختاره إمام المفسرين بن جرير الطبري، رحمه الله، أن المراد بها قبيلة من عاد.

     (ذَاتِ الْعِمَادِ) هذا وصف لها بأنها ذات عماد. فإذا قلنا إن (إِرَمَ) اسم للقبيلة، فمعناها: طوال الأجسام، يعني أنهم أوتوا بسطة في الجسم، كما قال الله تعالى على لسان نبيهم (هود): (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً). ولا شك أن قبيلة عاد قد أتاهم الله تعالى بسطة في الجسم، وقوةً، وطولاً، فهم عظام الأجسام، حتى إن من المفسرين من أغرب في الخيال، وقال إن الطويل منهم طوله أربعمائة ذراع ! أي مائتي متر! ولكن هذا، والله أعلم، من الإسرائيليات. لأن أبانا ادم عليه السلام، كان طوله ستون ذراعاً في السماء، كما في الحديث المتفق عليه. وفي رواية لمسلم: (فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ). فينبغي إذاً، أن يكون قوم عاد، دون أبيهم. فهذا من الخيالات التي يغرب فيها بعض المفسرين، ويهولون بها على العامة. وينبغي لنا أن نقتصد، فلا نقول إلا ما دل عليه القرءان، والسنة، ويكفينا أنهم عظام الأجساد، طوال القامة هذا إذا قلنا أن (إِرَمَ)  هي القبيلة. وأما إذا قلنا إنها المدينة، فحينئذ يكون معنى ذات العماد: أي ذات أعمدة الخيام المرتفعة. وقد استدل غير واحد من المفسرين، على أن القوم كانوا رُحَّلاً، وأنهم لا يستقرون في موضع، بل ينصبون خيامهم الهائلة الكبيرة، ثم يرتحلون، كما هو حال الأعراب. وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود ب(الْعِمَادِ) أي الأعمدة المبنية من الحجر، أو من الرخام. وعلى كل تقدير، فإن هذا أيضًا يدل على أن القوم عظيمو الخلقة، لأنه لا يمكن أن تكون أعمدة خيامهم طويلة مرتفعة، إلا وهم كذلك. فإن الإنسان يرفع سقف بيته بما يتناسب مع خلقته. فلا شك أن هذا تفخيم لحالهم، وعظم خلقهم. وفي هذا إشارة  إلى تهوين قريش أمام هؤلاء، فقد كانوا أشد منهم قوة، أثاراً في الأرض. ومع ذلك فعل الله بهم ما فعل.

     (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا) أي مثل تلك القبيلة في بطشها، وقوتها. وقد أهلكهم الله بالريح، مع أن الهواء ألطف المخلوقات، فصاروا (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) سلط الله تعالى عليهم ريحاً صرصراً (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا)  فكانت الريح تحمل أحدهم في الأعالي، ثم تدقه في الأرض. وكان بعضهم يدفن نصف جسمه، في الأرض ليتقي الريح أن تحمله، فتجتثه، فيبقي كأنه أصل نخلة مقطوعة: (أعجاز نخل منقعر) . فالله عز وجل يسلط جنداً من جنده، من ألطف الأشياء، وهو الهواء، فيحيله إلى قوة جبارة، (تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم). وربما دلت هذه الآية على أنه كان لهم، فعلاً، بيوتاً مبنية، لأنه لو قدر أنها كانت خياماً، فالغالب أن الريح ستقتلع الخيام، وتطير بها كل مطار، ولم يبق مساكن ترى.

     (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) هذا عطف على عاد. أي : وكيف فعل بثمود؟ وثمود قبيلة كانت تسكن الحجر، وادي القرى، الواقع بين مكة والشام. ومعنى (جَابُوا الصَّخْرَ)  أي: شقوه، وقطعوه. وذلك أن موطنهم، وادي القرى، كان جزء منه جبال، وجزء منه سهول، فكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، ويتخذون من سهولها قصوراً. وذلك غاية ما يكون في العمران. ولا تزال أثارهم باقية، وهي المسماة الآن بمدائن صالح. يأتون إلى الجبل الأشم، فيُعملون فيه المطارق، وينقشونه، ويتخذون فيه الغرف، والمساكن. والصخر من أقوى المخلوقات. ثم كان أن الله سبحانه وتعالى أهلكهم بالسوط. والسوط هو تلكم الصيحة الهائلة، والرعب الهائل، الذي قطع نياط قلوبهم في صدورهم. ما أهون الخلق على الله. وهذا الكلام يساق لقريش، وهم كما قال الله (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ.وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) في طريقهم في تجارة الشام، يمرون بوادي القرى. وبهذه المناسبة فإنه ينبغي أن يعلم أن من الآداب الشرعية، ألا يتفكه الإنسان بزيارة تلك الآثار، وأنه لا يحل أن يدخلها على سبيل النزهة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك.

فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْحِجْرِ قَالَ: (لاََ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ.وذلك لتعظيمه جناب الله وأيام الله، خلاف ما يفعله بعض السفهاء، الآن، يأتون إلى هذه الأماكن، والبقاع التي حل فيها وعيد الله، عز وجل، فيتفكهون، ويتندرون، ويتنزهون، باسم السياحة، وباسم تعظيم الآثار، ولا يعتبرون. نعم! لو دخل الإنسان على سبيل العبرة، فلا حرج، يدخل، وينظر هذه المساكن الهائلة، ويستعبر، ويتعظ، فلا بأس. لكن الأعم، الأغلب، أن الناس الذين يغشون هذه الأماكن، يأتونها على سبيل النزهة، والمرح، والفرح. فإما أن يدخل على الصفة التي ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) أو يدع.

     (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) هذا هو المثال الثالث لفعل الله عز وجل، وسنته الكونية في الأولين. فرعون معروف، وشهرته في الكفر ظاهرة. فإنه لا يعلم أحد من بني ادم توسع في الكلام، وفي إطلاق القول بإنكار الرب، سبحانه وبحمده، مثل فرعون؛ فإنه ادعى الربوبية، وادعى الألوهية، فقال لقومه: ( أنا ربكم الأعلى) وقال: ( ما علمت لكم من اله غيري) ! ولذلك أذله الله أيما إذلال. قال الله تعالى: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) وكأنه أراد فرعون ومن وافقه. اختلف المفسرون في المراد بـ(الْأَوْتَادِ) فقيل: المراد بها أوتاد التعذيب، وذلك أنه كان يتد الوتد في الأرض، من الخشب، أو من الحديد، ويربط به الناس، ويعذبهم. يضرب أربعة أوتاد، كما أعضاء الإنسان الأربعة؛ يداه، ورجلاه، فيربط كل يد بوتد، وكل رجل بوتد. وقيل إن المراد بالأوتاد: الجنود، لأن جنود الملك بمنزلة الأوتاد التي تثبت ملكه. وقيل: المراد بالأوتاد الحبال. وكأن هذا، والله اعلم، من تفسير الشيء بلازمه، لأنه لا قيمة للوتد المضروب في الأرض، إلا بحبل يشد إليه، فقيل الحبال. فيكون المقصود الحبال التي تتصل بهذه الأوتاد. وقيل: إن الأوتاد عبارة عن مظلات، تحتها ملاعب يلعب بها. وهذا يدل على أن هذه المسقفات الرياضية،كانت موجودة منذ القدم، وهي ما يسمى الآن (الإستادات)، وأن فرعون كان يتخذ المظلات الهائلة، التي يجرى تحتها أنواع اللعب، والفنون.

     (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) عبر بالجمع، وقد كان الحديث عن فرد، وهو فرعون. وهذا يعزز أن الأوتاد معناها الجنود. وربما يراد بفرعون آل فرعون، وملؤه، وجنده عموماً، يعني فرعون ومن وافقه، فعبر عنهم بزعيمهم، ورئيسهم. ومعنى طغوا: أي تجاوزوا الحد، وتجبروا. وقد كان فرعون طاغية؛ كان يذبح أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم. هذا في تعامله مع الخلق، وأما مع الخالق، فقد طغى، وتكبر، وزعم أنه الرب، وأنكر وجود الرب، وقال: (وما رب العالمين) فينطبق عليه انطباقا تاماً وصف الطغيان.

(فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) لم يفسدوا فقط، بل أكثروا من القتل، والمعاصي، والكفر. كل هذا فساد. وإذا حل الفساد فما أوشك وقوع العذاب. (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) .

(فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) هذه الآية ترتجف منها قلوب المؤمنين العارفين بالله عز وجل. عبر بالصب والصب يعني الإنزال، لكنه إنزال متتابع. (سَوْطَ) : يعني نوع عذاب لاذع، متتابع. لأن السوط فيه معنى اللذع. فالسياط تلذع الجلود.

(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) إنِّ تفيد التأكيد، والتحقيق. يعني أنه سبحانه وتعالى يرصد أعمالهم، ولا يفلت منهم أحد. لأنه يأتيه على حين غرة. وهكذا الله سبحانه وتعالى يمهل للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.

     فهذا المقطع، فيه نوع جديد من التأثير على منكري البعث، ومكذبي نبينا صلى الله عليه وسلم، وتذكير لهم بحال الأمم السابقة، وما جرى منها من تكذيب، وكيف أخذها الله (أخذ عزيز مقتدر).

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: تعظيم القسم بتنوع المقسم به .

الفائدة الثانية: بيان قدر العقل ومنزلته.

هذا يدل على الثناء على العقل حقيقة. ولا شك أن العقل نعمة. العقل من أشرف الأدوات التي منحها الله تعالى للإنسان؛ ذلك أن العقل هو الأداة التي يستخدمها القلب للوصول إلى الهدى، لكن أين يصنع القرار في القلب أم العقل؟ في القلب لأن الله سبحانه وتعالى قال (لهم قلوب لا يفقهون بها) وفي آية أخرى

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) إذاً القلب الذي في الصدر هو صاحب القرار النهائي. أما الدماغ الذي هو المخ، فهو بمنزلة المولد (الدينمو) فإذا كان عندنا مصباح كهربائي فإنه لا يضيء حتى يسري فيه هذا التيار. مثال آخر: العقل بالنسبة للقلب، مثل السكرتير بالنسبة لمدير العمل. السكرتير يقدم لمدير العمل أوراقاً، وتقارير، ونتائج، وإحصاءات، ثم ينظر فيها صاحب العمل، ويتخذ القرار. فالعقل أداة، لكن صاحب القرار هو القلب. لذلك أن الله سبحانه وتعالى علق الثناء، أو الذم عليه قال الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)..طيب

الفائدة الثالثة: عظيم قدرة الله حيث أهلك هذه الأمم الجبارة .

الفائدة الرابعة: قوة الأمم السابقة في أبدانهم، وآثارهم.

الفائدة الخامسة: إمهال الله للظالم، وأخذه أخذاً شديداً. فلا يغرنك ما ترى من تجبر المتجبرين، وطغيان الطاغين، فإن لهم يوماً، وهذا سنة الله تعالى في خلقه.

الفائدة السادسة: كمال رقابة الله، واطلاعه، وإحاطته: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) فإذا أغلقت الأبواب، وأرخيت الستور فاذكر قول الله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). قال بعض الصالحين: (لا يكن الله أهون الناظرين إليك).


التعليقات ( 0 )