• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (الانشقاق)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

   ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ  *وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ الإنشقاق (1-15)

 

   هذه السورة -سورة (الانشقاق)- هي ثالث السور الأخوات، التي جاءت في حديث (من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾) (رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني و حسنه الأرنؤوط).

   ذلك أن كل واحدة من هذه السور، ترسم صورة القيامة. فتضمنت هذه السورة مقاصد عظيمة منها:

1- الإيمان بالبعث والقيامة.

2- الإيمان بالحساب والجزاء.

3- الإيمان بالقرآن.

4-  ذم منكري البعث والقرآن.

 

   ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (إذا): أداة شرط ﴿.. انْشَقَّتْ﴾ أي انفطرت، كما نقول في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ الإنفطار(1) أي انشقت فهما بمعنى واحد. وخير ما يفسر به القرآن هو القرآن. والمقصود بـ ﴿ انْشَقَّتْ ﴾ أي تصدعت، وتمزقت. فهذه السماء المحكمة التي تحدى الله تعالى بها الخلق  أن يجدوا فيها أدنى فطور، تتمزق يوم القيامة.

 

   قال الله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي سمعت. والإذن هو السماع، ومنه قول النبي ﷺ : (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ.)متفق عليه. فمعنى أذن: أي استمع, و أذنت لربها: أي سمعت وأطاعت, لأن السماع نوعان: سماع إدراك، وسماع إجابة، وطاعة. فالمقصود هنا سماع الإجابة، والطاعة.

 

    ﴿حُقَّتْ﴾ يعني: وحق لها أن تطيع, ذلك أن السموات، والأرضين، والجبال، طاعتها لله عز وجل طاعة كونية، بينما الإنسان طاعته لله عز وجل طاعة كونية وشرعية. وهذا معنى قول الله Ü: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ الأحزاب (72). وليس معنى ذلك أن السموات، والأرضين، والجبال، أبت أن تطيع الله Ü، فالمقام مقام عرض, لكنها لا تطيق حمل الأمانة. وهي منساقة لأمر الله الكوني، دون الشرعي, ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ لأن الله تعالى أعطاه الاختيار، ولأجل ذلك صار مبتلى بامتثال الشرع، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الأحزاب (72)

 

   وليس معنى أن طاعة السماوات، والأرضين، والجبال، لأمر الله Ü هي طاعة كونية، أن هذه المخلوقات لا حقيقة لها، تخاطَب بها, بل يتوجه إليها الخطاب، وترد الجواب، على ما يليق بها. قال الله Ü مخاطبا إياها: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ فصلت (11). فهذا يدلنا على أن لهذه المخلوقات ذات  تعبر عنها، لا ندرك كيفيتها، ولا حقيقتها، وتسمع، وتطيع، وتستجيب لأمر ربها، وتسبح بحمده ﴿...وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...﴾الإسراء (44)  فهذا أمر ينبغي أن يؤمن بجملته، وإن لم تدرك تفاصيله.

 

   قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ انتقل المشهد من أعلى إلى أسفل! هذه الأرض التي يدب عليها الإنسان، ويحرثها، ويزرعها، ويعيش في أكنافها، تتغير يوم القيامة: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾: أي زيد في سعتها، وبسطت، ومدت مد الأديم. فالله Ï يغير السموات والأرض يوم القيامة، كما في قوله Ü: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إبراهيم (48). الأرض التي كانت كروية، تبسط يوم القيامة، وتمد، ويزاد في سعتها، لتستوعب جميع الآدميين، والوحوش، وكل شيء كان على ظهرها، على مر القرون. ومن معنى المد أنه ليس فيها معلم لأحد, بل هي كالخبزة، كما روي عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (تفسير ابن كثير 8-314), أرض جديدة، لم يسفك عليها دم. قد أعاد الله Ü تكوينها؛ فليس فيها جبل مشرف, ولا واد سحيق، ولا مغارات، ولا كهوف، ولا كثبان, بل هي أرض ممدودة، ليحصل البروز التام لله Ü ﴿...وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إبراهيم (48).

 

   قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾: يعني قذفت ما في بطنها من الأموات، وغيرهم. و(ما) من ألفاظ العموم، لأنها بمعنى اسم موصول.

   ﴿وَتَخَلَّتْ﴾: أي تخلت عنهم, كما يقال تخلى الرجل: أي قضى حاجته، وأخرج ما في جوفه. فكأن هذه الأرض تخرج ما في جوفها من الأموات، وغيرهم مما لا يعلمهم إلا الله Ü، فقد ورد في بعض الآثار أنها تلقي ما فيها، حتى أسورة الذهب. لكن المراد أصلاً، إخراج الأموات، وإثبات البعث.

 

   ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: كما أختها السماء, فأذنت: بمعنى سمعت سمع طاعة, وحق لها ذلك.

 

   ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾: الكدح: هو العمل الذي فيه مشقة واتصال, فأنت أيها الإنسان في هذه الحياة تكدح كدحًا شاقًا متواصلاً يوشك أن تلاقيه, و للمفسرين قولان في مرجع الضمير في قوله ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾: منهم من قال أن مرجع الضمير إلى العمل أي: فملاقى ذلك العمل، الذي كدحت فيه, ويشهد له قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ..﴾آل عمران (30). ومنهم من قال: إن مرجع الضمير إلى الله Ï. وهذا الثاني أرجح. وبين المعنيين تلازم؛ فإن هذا العمل يُكدح به إلى الله Ü، فيخلو الله تعالى بعبده، ويوقفه على عمله، فيحصل اللقاء. وقد ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أن الملاقاة فيها معنى السير إلى الملك، فلا تكون ملاقاة إلا بسير وقصد.

     فليعلم الإنسان أن الكدح لابد منه, وان الدنيا ليست بدار نعيم، فإن كنت لابد كادحًا، فاجعل كدحك فيما تحمد عاقبته في الآخرة. وهاهم الكفار على اختلاف مللهم, يلحقهم من الشقاء، والنكد، والكبد، مثل ما يلحقنا أيضا, وأشد، لكن فرقُ ما بين المؤمن والكافر، أن المؤمن يرجو ما عند الله ويحتسب، ويعمل عملا صالحا.

 

   ثم إنه Ï بين أحوال الناس فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ابتدأ  بالصنف الأسعد، والأحظ، وهو من يؤتى كتابه بيمينه، من أهل اليمين, وذلك أن الكتب يوم القيامة تبرز, فآخذ كتابَه بيمينه، وآخذ كتابَه بشماله، من وراء ظهره. وقد ذكر الله تعالى هذا أيضًا في سورة (الحاقة) في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ الحاقة (25).

 

   ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ هذا الحساب اليسير، المراد به العرض, وهو الذي دل عليه حديث ابن عمر÷ مرفوعًا، كما في صحيح مسلم « يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَل تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ أَعْرِفُ, قَالَ: فَإِنِّى قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا، وَإِنِّى أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ، وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ » (متفق عليه). وأما المناقشة فأشد منه, ويبين الفرق بين الأمرين أن عائشة، رضي الله عنها، سمعت النبي ﷺ يقول « مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ ». فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ؟ فَقَالَ: « لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ. مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ » (متفق عليه).

     وذلك أن الموحدين على صنفين؛ منهم من سبقت لهم من الله الحسنى، وشاء الله تعالى، أن يغفر ذنوبه, فهذا يعامل بالعرض. ومنهم من عصاة الموحدين، من يدقق معه، ويحقق، وسبق في مشيئة الله Ü أن يُعذَّب بقدر ذنبه، ومآله إلى الجنة, فهذا الذي يعامل بالمناقشة. فمن نوقش عُذِّب، لأنه ما دقق معه في الحساب، إلا لتقوم عليه الحجة التامة, لكن مآله إلى الجنة.

 

   ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ينقلب بمعنى يرجع, وأما أهله، فقد ذكر الطبري في تفسيره، أنه ينقلبُ إلى أهله من الحور العينِ، وأقربائه من المؤمنين، بحالة من السرور والحبور. وحق له أن يُسَر، وقد نجا، وزحزح عن النار، وأدخل الجنة. هذه هي السعادة الحقيقة التي ما بعدها سعادة. ثم قال في القسم الثاني من التفريع:

 

   ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ عياذا بالله, وقال Ü في سورة (الحاقة) ﴿..بِشِمَالِهِ.. ﴾ (الآية 25) ولا تعارض بين الصورتين, ذلك أن الكافر والعياذ بالله تُغل يمناه إلى عنقه، وتلوى يده اليسرى من وراء ظهره، ويؤتى كتابه بشماله. وفي هذا من البشاعة، والشناعة، ما لا يخفى. وفيه ازدراء له واحتقار.

 

   ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾: أي ينادي بالهلاك، والثبور يقول: (وا ثبوراه، وا ثبوراه) وصدق! أي ثبور أشنع، وأشد، من هذا الثبور؟

 

   ﴿ويَصْلَى سعيرا﴾ وورد في قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي ﴿وَيُصَلَّى سَعِيرَا﴾ بضم الياء، وفتح الصاد، وتضعيف اللام. وذلك أنه يدخل في النار حتى تحرقه، وتشويه, والسعير: اسم من أسماء النار، وذلك لتسعرها بالحجارة والناس, ﴿...وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ... ﴾البقرة (24). ثم وصف الله Ï حاله في الدنيا: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مسرورًا﴾: أي أنه كان في الدنيا مسرورًا, كان فرِحًا، أشِرًا، بطِرًا، لا يبالي، ولا يصدِّق ببعث، ولا جنة، ولا نار، ولا يؤمن بشيء.

 

   ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾, ظن: أي أيقن. أن لن يحور: أي أن لن يرجع إلى ربه, إذ كان منكِرًا للمعاد.

 

   رد الله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ فالله Ï أخبرُ به، وأبصرُ.

 

   ثم إن الله تعالى قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وكلام المفسرين في معناها: أن يكون معنى النفي: أن الأمر لا يحتاج إلى قسم، فهو من البيان بمكان, أو أن يكون على سبيل الوقف، بتقديرٍ محذوف: يعني ﴿فلا﴾ أي فليس الأمر كما تدعون, ثم ﴿أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾. وإما أن يقال أنها زيادة من باب التأكيد، فهي زائدة لفظًا، لا معنى. والشفق هو الحمرة التي تعقب غروب الشمس. وقال مجاهد في تفسيره، إن الشفق النهار كله (تفسير مجاهد 1-493), والأول أولى. وإنما قال المراد به النهار كله، ليكون بمقابل ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. وقد جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري، عندما علَّم جبريل النبيَّ e وقت صلاة المغرب، قال: (..ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ..) (المعجم الكبير للطبراني 12-223). فهو علامة كونية شرعية.

 

   ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ الليل: من مغيب الشمس، إلى طلوع الفجر. ﴿..وَمَا وَسَقَ﴾: أي ما جمع، وحوى، ولف، ونحو هذه الكلمات, لأن هذه المادة –وسق- تدل على الجمع. ولهذا أطلق على الوعاء الكبير، الوسق، فهو يدل على الجمع. يقسم الله، سبحانه، بالشفق، ويقسم بالليل، وما جمع الليل، مما يسكن فيه من أنواع الكائنات ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ... ﴾الأنعام (13). ولو سرح الإنسان بفكره في هذا، لذهب به الخيال إلى معانٍ لا حصر لها، فيما يجمعه هذا الليل، من أحداث، وموجودات، وتصرفات وغيرها.

 

   ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ إذا اتسق: يعني إذا اكتمل، أو إذا استدار, وذلك يكون في الليالي البيض, وهن: ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة, فهو قَسم بالقمر، في أكمل أحواله، حينما يكون بدرا. ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.

 

   ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ هذا جواب القسم, فاللام وقعت في جواب القسم (لتركبُن), هذه هي القراءة المشهورة؛ بضم الباء, وأصلها (لَتَركَبُونَنَّ) فجرى فيها حذف النون، لتوالي الأمثال، فأصبحت (لَتَركَبُونَّ), وحذفت الواو لاجتماع الساكنين، فصارت (لَتَركَبُنَّ). والمخاطب عموم الناس. ووردت بفتح الباء، على قراءة ابن كثير، والكسائي، وخلف، وحمزة، فيكون المخاطب بها، النبي ﷺ.

 

   ﴿..طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ هذا من بلاغة القرآن العجيبة، وجمعه لأنواع المعاني, ﴿..طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أي حالاً بعد حال, وذلك أن الناس -على القراءة المعروفة (لتركبُن)- تتنوع أحوالهم من الناحية الخِلقية، ومن الناحية القدرية، تنوعا عجيبًا, فإن أحدهم كان ترابًا، ثم صار نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم صار جنينًا، ثم أُخرج إلى الأرض رضيعًا، ثم فتى يافعًا، ثم كهلاً، ثم شيخًا، ثم يموت، ثم يبعث. هذه أطباق متوالية. وقيل ﴿..طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أي سماءً بعد سماء, وهذا يتفق مع القراءة الثانية في توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ, وكأن في هذا إشارة إلى ما أكرمه الله تعالى به من العروج إلى السماوات العُلى, ففسرت بأطباق السماء ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴾الملك (3) فسماء فوق سماء.

 

   ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا استفهام إنكاري يتضمن التعجيب من حالهم، وكفرهم بالبعث, فكيف لا يؤمنون به، وهم يرون أن الله Ü، قد نقلهم من طبق إلى طبق، ومن حال إلى حال, فالذي خلقهم من العدم، وأخرجهم من بطون أمهاتهم، وتقلبوا في أحوال الدنيا طبقًا عن طبق, قادر على أن يبعثهم. فلهذا جاء التعجيب في مكانه.

 

   ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ القرآن كلام الله، الذي تكلم به حقيقة، بكلام حقيقي، لا يشبه كلام المخلوقين, ليس هو المعنى دون الصوت، ولا الصوت دون المعنى، بل هو كلام حقيقي من حرف وصوت, لا يكون كلامًا إلا بذلك. لكنه كلام عظيم، شريف، حتى إذا تكلم سبحانه أخذت السماواتِ من كلامه Ü رجفةٌ، وصعق الملائكة ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾سبأ(23) فينزل به جبريل عليه السلام، إلى قلب محمد ﷺ, ويعتري رسولَ الله ﷺ من الجهد، الشيءُ العظيم, حتى إنه ليتفصد عرقًا في اليوم شديد البرد, وحتى إنه يثقل بدنه، حتى بركت به ناقته ذات مرة, وكانت فخذه مرة، على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن ترض. كل ذلك من شدة الوحي وثِقَله, كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾المزمل (5) وهم يبصرون ذلك، ويشتد أثره على النبي ﷺ, حتى إنه كان يسمع له صلصلة كصلصلة الجرس، حينما ينزل عليه الوحي, ولولا أن الله Ï قواه، ما استطاع أن يتلقى هذا الكلام الثقيل العظيم. وهذه أحد مواضع سجود التلاوة المتفق عليها.

 

   ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ الذي يمنعهم من تعظيم القرآن، والسجود للمتكلم به، سبحانه، هو التكذيب, فكونهم يكذبون بالبعث، ويكذبون بالقرآن، ولا يرونه من عند الله Ü, لا يحصل لهم هذا التعظيم، والإجلال، والخشوع، الذي يحصل لعباد الله المؤمنين، من جنس قول الله :Ü ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾الإسراء (107-109) هذان مثالان على اختلاف الاستقبال بين الناس؛ قوم لا يرفعون به رأسًا، ولا يسجدون له إذا أُمروا, وقوم إذا سمعوه خروا سجداً, وعلموا أن هذا القول قول كريم، ليس كسائر كلام الناس, وتجيش قلوبهم وتستجيب جوارحهم ﴿..يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا..﴾ -تنزيها له- ﴿..إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ فهذا الخشوع نابع من العلم بالله Ü.

 

   ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ بما يوعون: أي بما يشتركون، ويجمعون من الأعمال، لأن الوعي بمعنى الجمع.

 

   ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الأصل في البِشارة أن تكون للأمور السارة، والنِذارة للأمور الضارة, لكن البِشارة يعبر بها أحيانًا عن الأمور المخوفة, وذلك لأن الأثر يظهر على البَشرة, فسميت البشارة لذلك؛ فإذا سر الإنسان تهلل وجهه، وإذا خاف اصفر وجهه, فالبَشرة مرآة القلب, ويكون التعبير هنا من باب النِكاية بهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فجعل البِشارة في موضع النِذارة، تبكيتًا لهم، وليكون أبلغ في وقعه عليهم.

 

   ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثنى الله تعالى استثناءً منقطعًا، لأنهم أصلاً غير داخلين في ذلك الوعيد, فـ (إلا) هنا بمعنى بل.

   ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع، ولا ممتن به عليهم, لهذا قال الله :Ü ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾البقرة(264) فمن كرامة الله Ü لعباده المؤمنين، أنه يجعل رزقهم غير ممنون.

 

 

الفوائد المستنبطة من السورة:

 

   أولا: فيها شدة أهوال يوم القيامة.

   ثانيا: بيان ربوبية الله Ü . فالله تعالى رب السماوات، والأرَضين، وما، ومن فيهما؛ من مؤمن، وكافر، وبر، وفاجر، وكل ساكن، ومتحرك، ورطب، ويابس, هو خالقُه، ومليكُه، ومدبره، فهذه الربوبية العامة. وأما ربوبية الله لعباده المؤمنين، فإنها ربوبية خاصة، فيها معنى اللطف، والتيسير، والحفظ، ونحو ذلك.

   ثالثا: إثبات البعث.

   رابعًا: بيان حال الإنسان في الدنيا، وهو الكدح، والكبَد. فلا ينتظر الإنسان في هذه الدنيا نعيمًا.

   خامساً: إثبات الحساب وتنوعه.

   سادساً:  كمال عدل الله ورحمته, فالله Ü حكم عدل، مقسط، لا يظلم مثقال ذرة.

   سابعًا: شؤم عاقبة المنكرين للبعث.

   ثامناً: إقسام الله Ü بما شاء من مخلوقاته, وليس للمخلوق إلا أن يقسم بالله Ü.

   تاسعاً : تنوع أحوال الناس في الدنيا، والآخرة.

   عاشرًا: التعجيب من حال المنكِرين للبعث.

   أحد عشر: عظمة القرآن، ووجوب الإيمان به, وأنه كلام الله حقا.

   ثاني عشر: سبق علم الله Ü وقدره.

   ثالث عشر: حسن عاقبة المؤمنين.

   رابع عشر: أن العمل من لازم الإيمان ومقتضاه فالله Ü لا يكاد يذكر الإيمان إلا ويقرنه بالعمل. فمن ادعى إيمانًا بقلبه، ولم يصدقه بعمله، فدعواه كاذبة. إن كان الإيمان حقًا في القلب، فلابد أن يظهر على الجوارح. ولهذا نجد أن بعض الفساق المسرفين على أنفسهم, إذا نُصحوا، ووُعظوا، قال قائلهم: التقوى هاهنا. التقوى هاهنا, يتمثل قول النبي ﷺ (رواه مسلم 4650). فيقال له: لو كانت التقوى في القلب، لظهرت على الجوارح, من اتقى الله تعالى حقًا وصدقًا، عصم لسانه، وجوارحه، عن الوقوع فيما حرم الله Ü, والله أعلم.

 



التعليقات ( 0 )