• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (الأعلى) [2]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 

          فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى  ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى  وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى

 

     * قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى :-

      هذا أمر من الله لنبيه بالتذكير, والذكرى ضد الغفلة فهي بيان مصحوب بالموعظة,

     فَذَكِّرْ ذكر كل أحد، في كل حال، وفي كل وقت؛

    إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى : ليس هذا قيداً، فليس المراد: ذكر إن كان للذكرى فائدة، فإن لم يكن للذكرى فائدة فلا تذكر! وإنما المراد: فذكر، فإن الذكرى لا تزال نافعة. سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىوَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى فلن يخلو الحال من منتفع. ولو أردنا أن نجعلها قيداً، فإن هذا لا يصدق إلا على حالين:

       1. حينما تبلغ الروح الحلقوم: فلا فائدة من التذكير، لأنها لا تقبل توبته، وقد بلغ هذا المبلغ.

      2. حال طلوع الشمس من مغربها: فإنه : لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام : 158]، فلا فائدة من التذكير.

 

     * قوله تعالىسَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى:-

    سَيَذَّكَّرُ: يعني سيتذكر، فأدغم التاء في الذال، وشددها,

    مَنْ يَخْشَىُ: يعني من يخشى الله، واليوم الآخر. وهذا موافق لقول الله عز وجل: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لأن المؤمنين هم أهل خشية الله عز وجل.

 

     * قوله تعالىوَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى :-   

   وَيَتَجَنَّبُهَا أي: يعرض عن هذه الذكرى، فلا يرخي لها سمعاً، ولا يرفع بها رأساً.

  وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى يعني الذي بلغ في الشقاء غايته. والمراد به الكافر؛ لأنه أتى بصيغة أفعل التفضيل. ولهذا كان الكفار ينفرون من الموعظة، كما وصف الله عز وجل: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ, وكذلك قال الله تعالى عن قوم نوح: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا. وكل من كان عنده نسبة شقوة، نفر من الموعظة بقدر ما عنده من الشقاء,فالعاصي، إذا وعظ أحياناً، أو ذكر، نفر، وقال: لا تكثروا علي الكلام.

 

     * قوله تعالىالَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى :-        

      أي: أنه يدخل هذه النار، فتحرقه بشوبها، ولهبها. ووصف النار بأنها الكبرى لشدة عذابها ونكالها.

 

     * قوله تعالىثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا :- 

     يعني: لا يموت فيستريح من هذا العذاب، ولا يحيى حياة هنيئة. فبئست المعيشة .

 

    * قوله تعالىقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى :-    

    قَدْ: للتحقيق.

    أَفْلَحَ: فاز.ومعنى الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.

    مَنْ: بمعنى الذي.

    تَزَكَّى: أي تطهر بالإيمان، والعمل الصالح,كما قال في الآية الأخرى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . فمعنى الزكاة التطهر.

    وقال بعض المفسرين: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني: أدى زكاة ماله, وقال بعضهم أي أدى زكاة الفطر خاصة. والصحيح أن التفسيرين الأخيرين داخلان في التفسير العام, والأولى أن نحملها على العموم، فمن فسرها بأنها زكاة المال، أو زكاة الفطر، فإنما أراد تفسير الشيء ببعض أنواعه.

 

     * قوله تعالىوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى :- 

      هذا كما تقدم في مطلع هذه السورة، ينبغي أن يجمع بين ذكر القلب، وذكر اللسان. لم يقل "وذكر ربه فصلى" بل قال: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، ففيه تنبيه على الجمع بين ذكر القلب، وذكر اللسان.

فَصَلَّى أي: الصلاة المشروعة، وأعظمها الصلوات الخمس .

 

    * قوله تعالىبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا :- 

     بَلْ: للإضراب، أي الحال أنكم بتُؤْثِرُونَ: أي تفضلون، وتقدمونالْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وهو خطاب موجه للكافرين، منكري البعث.

 

    * قوله تعالىوَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى :-

     كما قال في آية أخرى: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . فما أعظم خسارة من باع آخرته بدنياه

   وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى: فهي خير من حيث المتاع؛

     - ففيها صنوف النعيم، واللذائذ الحسية، والمعنوية، ما لا تقارن به لذات الدنيا.كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) [رواه البخاري].

     - والميزة الثانية: البقاء، لأن متاع الدنيا منقطع، مهما طال, مهما عمر هذا المتنعم، فمآله إلى الموت, لو سكن القصور, وحصل له جميع ما يتمناه من شتى الأمور، فمآله بعد ذلك إلى أن تنهد قواه, وأن يشيب صدغاه, وأن يؤول إلى الهرم, ويفقد اللذة ويموت. لكن الآخرة لا يبلى شبابها, ولا يفنى أهلوها. فلهذا كانت أبقى نعيم : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ   [هود : 108]

   

     * قوله تعالىإِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى :-

    إِنَّ:للتوكيد, جزء (عم) مليء بالعبارات التحقيقية، التأكيدية التي تعمر القلب باليقين الراسخ.

    هَذَاالمشار إليه ما تقدم من الموعظة.

    لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىيعني: أنه مزبور، مذكور في الصحف الأولى. ووصفت بالأولية لكونها منزلة قبل القرآن.

 

    * قوله تعالىصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى :-

   إِبْرَاهِيمَ : -عليه السلام- هو أبو الأنبياء، وإمام الموحدين في الأولين، وهو خليل الرحمن، له صحف، كما أخبر الله عز وجل. قيل أنها عشر صحائف.

   وَمُوسَى: كليم الرحمن، وأعظم أنبياء بني إسرائيل. قيل أن الصحائف هي نفسها التوراة, وقيل إنها غير ذلك، وأنه ما ذكر فيها الوصايا العشر, خاصة. والأقرب أن تكون التوراة لأن هي من أعظم ما أنزل الله تعالى على موسى، فهي أولى بالذكر.

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى : وجوب التذكير: في كل حال، لكل أحد، في كل حين.

 

الفائدة الثانية : تفاوت الخلق في الانتفاع من الذكرى، مع كون المنطوق واحدًا. يقف خطيب الجمعة، ويعظ الناس جميعاً، فتجد من الناس من يخفق قلبه، ويبكي، ويتأثر بالموعظة, وتجد آخر، عقله يسرح في أودية الدنيا. يخرج الناس من صلاة الجمعة، فمنهم من اتعظ، وازدجر، وصمم على إصلاح حاله, ومنهم من يخرج وكأن الأمر لا يعنيه، ولسان حاله يقول : (ماذا قال آنفٍا) !

 

الفائدة الثالثة : بيان الهدايتين؛ هداية الدلالة والبيان,وهداية التوفيق والإلهام, فالذكرى  هداية دلالة وبيان، وكون بعضهم يتذكر، وبعضهم يعرض، يدل على هداية التوفيق والإلهام.

 

الفائدة الرابعة : أن الخشية أساس القبول، لقوله: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى.

 

الفائدة الخامسة : العجب من صدود الكافر عن أسباب نجاته: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى . كما تعجب مؤمن آل فرعون:(وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ).

 

الفائدة السادسة : إثبات النار وشدة عذابها.

 

الفائدة السابعة : وجوب التزكي والمجاهدة: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى , فإذا كان الفلاح لا يحصل إلا بالتزكي, فالتزكي إذاً واجب. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

 

الفائدة الثامنة : فائدة تربوية مهمة، وهي أن التزكية تحصل شيئاً، فشيئاً, ليس في يوم وليلة ينقلب حال الإنسان من الأسوأ إلى الأحسن. لأن كلمة "تزكى" تدل على أن الأمر يحصل شيئاً فشيئاً. وهكذا الإيمان أول ما يقوم الإيمان في القلب، يكون كالنبتة الصغيرة، ثم لا تزال تمده مادة العلم، والإيمان حتى يصبح شجرة باسقة (أصلها ثابت وفرعها في السماء).

 

الفائدةالتاسعة: اقتران الاعتقاد بالقول والعمل. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  فبعد أن ذكر التزكية، قال: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ باللسان، وفَصَلَّى بالجوارح. فالإيمان قول، وعمل؛ قول القلب، واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح.

 

الفائدة العاشرة : أن سر هلاك الكافر حب الدنيا: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى .

 

الفائدة الحادية عشرة : أن دين الله واحد:  إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى .

 

. فهذا الذي في القرآن الذي جاء به محمد-صلى الله عليه وسلم- هو الذي في الصحف الأولى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) لا يختلف، وإنما تتنوع الشرائع .



التعليقات ( 0 )