• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الأعلى) [1]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بســـــم الله الرحمن الرحيم

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى   الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى   وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى   وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى   فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى   سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى   إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى   وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى

    سميت هذه السورة بسورة "الأعلى" لورود هذه اللفظة الشريفة فيها، وهي اسم من أسماء الله الحسنى (الْأَعْلَى). وقد كان النبي يحب هذه السورة، ويقرأ بها، وبسورة "الغاشية"، في الجمعة, والعيدين، حتى إنه ربما اجتمع يوم عيد، ويوم جمعة، فقرأ بهما في الصلاتين. وحق لرسول الله أن يحب هذه السورة؛ لما تضمنته من المعاني العظيمة, ولما تضمنته من المنة التامة عليه بتيسيره لليسرى.

 

     ولهذه السورة مقاصد متعددة، منها:

المقصد الأول: تنزيه الرب سبحانه وتعالى.

المقصد الثاني:  بيان سماحة الشريعة.

المقصد الثالث: بيان وظيفة الرسول .

 

 * قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى :-

سَبِّحِ: هذا فعل أمر؛ أمر للنبي بالتسبيح، أي: التنزيه. فقول: "سبحان الله" اسم مصدر، أي تنزيهاً لله. وينزه الله تعالى عن ثلاثة أمور:

- أحدها: النقص: فله الكمال المطلق, فليس في صفاته نقص بوجه من الوجوه.فكل ما أثبته الله -تعالى- لنفسه فهو صفة كمال، لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وهذا من معاني (المثل الأعلى). فله من العلم أتمه وأعلاه, ومن السمع أوسعه, ومن البصر أكمله، لا نقص في صفة من صفاته، (أحاط بكل شيء علماً), و(وسع كل شيء رحمة), و(لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء).

- الثاني: العيب: وهي الآفات, فهو منزه عن العمى, وعن الخرس, وعن الصمم، وعن المرض. فكل آفة، فالله بريء منها سبحانه.

- الثالث: مماثلة المخلوقين: فأي وصف يختص به المخلوق لا يمكن أن يثبت للخالق, وأي وصف يختص به الخالق فلا يمكن أن يتصف به المخلوق. فالاشتراك في الأسماء والصفات، إنما يكون في المعنى العام، الكلي، المطلق، الذي يكون في الأذهان، ويمتنع وجوده في الأعيان. فإذا أضيف الوصف إلى الموصوف تخصص.

والله – تعالى - أثبت لنفسه سمعاً، وبصراً، وأثبت للمخلوق سمعاً، وبصراً، وهذا الاشتراك إنما هو اشتراك في اللفظ، وفي المعنى العام، الكلي، المطلق. فالمعنى العام المطلق للسمع، هو إدراك الأصوات, والمعنى العام المطلق للبصر، هو إدراك المرئيات. وهذا محله الأذهان، والعقول, فإذا أضفناه تخصص. فإذا قلنا: سمع الله، صار وصفاً مختصاً به، لا يماثله فيه مخلوق. وإذا قلنا: سمع المخلوق، صار وصفاً خاصاً يختص به المخلوق. وقد جمعت ذلك عائشة - رضي الله عنها - في قولها "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! لقد جاءت المجادلة تجادل رسول الله وإني لفي جانب الدار، يخفى علي بعض كلامها، وقد سمعها الله من فوق سبعة أرقعة" [مسند أحمد]. فأثبتت سمعاً لله، وسمعاً لها, لكن سمع الله -عز وجل-، وسع الأصوات، ولا يمكن أن يشاركه أحد في هذه الخصيصة, وأما سمعها فإنه قاصر، وناقص، بدليل أنها في جانب الدار، ويخفى عليها بعض كلام المجادلة.

     والله - سبحانه وتعالى - يأمر بتسبيح نفسه، وبحمد نفسه, فالحمد، والتسبيح، يكمل أحدهما الآخر. فإن الحمد يعني وصف الله بصفات الكمال. فهو إثبات. والتسبيح يعني تنزيهه عن صفات النقص، والعيب، ومماثلة المخلوقين، فهو نفي. وإنما يحصل العلم بالله بالنفي والإثبات معاً. ولهذا جاء في الحديث : (الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ.وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [رواه مسلم].

قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى : أمر الله تعالى بتسبيح اسمه، فهل المراد تسبيح الاسم، أم تسبيح الرب نفسه ؟ قولان للمفسرين؛

- فمنهم من قال: الآية على ظاهرها، فمعنى تسبيح الاسم، أي تنزيهه أن يشاركه أحد في اسمه, فلا يجوز أن تطلق أسماؤه الحسنى على الأصنام، كما فعل المشركون، حينما أطلقوا اسم اللات، والعزى، ومناة، على معبوداتهم, فأخذوا اسم اللات من الإله, والعزى من العزيز, ومناة من المنان.  فتسبيح اسم الله ألا يشتق منه اسم للأصنام.

- والقول الثاني: أن المراد سبح ربك، ولكنه عبر بالاسم، أو أدخل ذكر الاسم، لتحصل بذلك فائدة الجمع بين تسبيح القلب، وتسبيح اللسان. فيكون معنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ما نقله ابن القيم، رحمه الله، عن شيخ الإسلام: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ أي: سبح ربك بقلبك، ولسانك, واذكر ربك بقلبك، ولسانك. فأقحم الاسم تنبيهاً على هذا المعنى، حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان، إلى أن قال: (وعبر لي شيخنا، أبو العباس ابن تيمية - قدس الله روحه- بعبارة لطيفة، وجيزة، فقال: المعنى: سبح ناطقاً باسم ربك، متكلماً به، وكذا سبح ربك ذاكراً اسمه - ثم قال- وهذه الفائدة تساوي رحلة لكن لمن يعرف قدره) يقول: لو لم يتمكن الإنسان من الحصول على هذه الفائدة، إلا أن يشد الرحل على بعيره، وينطلق في طلبها من بلد إلى بلد، لما كان ذلك كثيراً, لكن من الذي يثمن هذا، ويقدره قدره؟ إنهم أهل العلم؛ لأن هذه المعاني معاني فخمة، جليلة, وتلاحظون في هذه السورة أنه قال في أولها: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وقال في آخرها: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، فأمر في أولها بتسبيح اسم ربه، وذكر في آخرها عمن أفلح وتزكى، أنه ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. فذكر الاسم في الموضعين؛ في الموضع الأول بالتسبيح, وفي الموضع الثاني بالذكر، وذلك ليجمع الإنسان بين الوصفين: تنزيه ربه بقلبه، وذكره بلسانه. وهذا أعلى أنواع الذكر، وهو ما تواطأ فيه القلب واللسان, ثم في الدرجة الثانية: ما اختص به القلب دون اللسان, ثم في الدرجة الثالثة: ما كان باللسان دون القلب. فللذكر مراتب، ودرجات.

     الْأَعْلَى اسم من أسماء الله الحسنى، وهو على صيغة أفعل التفضيل، يعني من له العلو المطلق. وله أسماء مقاربة مثل:(العلي), و(المتعال). فالأعلى يدل على كمال علو الله عز وجل. وأهل السنة والجماعة يثبتون ثلاثة أنواع من العلو:

النوع الأول: علو الذات: وهو الاعتقاد بأن الله -سبحانه وتعالى- بذاته فوق سمواته, مستوٍ على عرشه, بائن من خلقه, ليس فيه شيء من خلقه ولا في خلقه شيء منه. وهذا النوع من العلو، يدل عليه الكتاب, والسنة, والإجماع, والعقل, والفطرة. ونازع فيه المعطلة، وأنكروا علو الله بذاته. وممن أنكر علو الله فوق سمواته: الجهمية، والمعتزلة, والأشاعرة، ومن على شاكلتهم، أنكروا أن يكون الله - عز وجل- فوق مخلوقاته! وهذا من أعجب العجب. فقد قامت دلائل الكتاب على إثباته، حتى قال بعض علماء الشافعية: "إن في القرآن العظيم أكثر من ألف دليل على إثبات علو الله". ودلت عليه دلائل السنة, وقطع العقل السليم باستحقاق الله لهذا العلو؛ لأنه صفة كمال, وفطر الله الفطر على ذلك؛ فما من إنسان إلا ويجد في قلبه نزوعاً إلى العلو حين يدعو الله تعالى، فيجد في قلبه ضرورة بالتوجه إلى العلو. وانعقد إجماع الأمة على هذا, وإنما نازع فيه هؤلاء المحجوبون، الذين جعلوا بينهم وبين بركة القرآن حجاباً مستوراً، من بدعة الكلام المذموم، والمقدمات الفاسدة.

النوع الثاني: علو القدر: وهو الاعتقاد بأن الله -سبحانه وتعالى- له صفات الكمال، التي بلغت الغاية في الحسن والقدر. وهذا لا ينازع فيه أحد من أهل القبلة. وهو معنى قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى. وإنما وقع النزاع في تطبيقاته.

النوع الثالث: علو القهر: وهو الاعتقاد بأن الله -تعالى- علا على كل شيءٍ وقهره، كما قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ. وهو محل اتفاق بين أهل القبلة.

 

    * قوله الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى :-

 يعني أوجد من العدم. ومعنى(سَوَّى): أي جعله متناسب الأجزاء، والأعضاء، قائماً بما يناسبه. ويشبه ذلك قوله تعالى:الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ.

 

    * قولهوَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى : -

أي أنه سبحانه، سبق تقديره للمخلوقات، وهداها. والمقصود بالهداية هنا الهداية العامة, وذلك أن الهداية أنواع. فقد ذكر ابن القيم-رحمه الله-في كتابه"شفاء العليل" أن مراتب الهداية أربع:

1. الهداية العامة : وهي هداية كل مخلوق إلى ما يناسبه، ويصلح حاله. وهي المقصودة في هذه الآية، وتشمل الأنس, والجن, والطير, والوحش، وجميع ما خلق الله عز وجل، فهداه الله تعالى لما يقيم أوده، ويصلح معاشه.

2.   هداية الدلالة، والبيان، والإرشاد: وهي أخص من الأولى، لأنها تتعلق بالمكلفين. والمراد بها: ما أظهر الله تعالى من شرعه، ودينه، لعباده. وهذا النوع من الهداية يقوم به الأنبياء, والعلماء, والدعاة، والمصلحون، لأنها هداية دلالة، و بيان، وإرشاد، ويدل عليها قول الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم و أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.

3.  هداية التوفيق والإلهام: وهذه أخص من التي قبلها، لأنها تختص بمن سبقت لهم من الله الحسنى. فليس كل من هدي هداية دلالة، وبيان، وإرشاد، يهدى قلبه. فالنبي  خاطب الناس جميعاً، وبين لهم، ودلهم، وأرشدهم، فلم يهتدوا جميعاً، لأن هداية التوفيق، والإلهام، بيد الله -عز وجل-. وهذا هو معنى قوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.

4.  الهداية إلى طريق الجنة، أو طريق النار: وهذا النوع ليس في الدنيا، ولكنه في الآخرة. قال الله -عز وجل- في حق المؤمنين: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. قال بعض المفسرين: يعني يهديهم إلى طريق الجنة. وقال في حق الكافرين: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ.

     والمراد بالآية النوع الأول، وهي الهداية العامة التي بها مصالح الحياة والمعاش. وهذا باب واسع لمن أرسل فيه طرفه، وأعمل فيه عقله، فإنه يجد من حكم الله، عز وجل، وتصريفه لمخلوقاته، الشيء العظيم. وقد أفاض فيه ابن القيم -رحمه الله- في (شفاء العليل)، وفي (مفتاح دار السعادة) وعقد فصولاً بديعة، مدهشة، في التفكر في بعض مخلوقات الله، وكيفية هدايتها؛ فعقد فصلاً يتعلق بالنمل، وكيف تحفظ أقواتها، والنحل وكيف تبني بيوتها، والحمام وكيف معاشها، والهدهد وكيف يعرف مواضع الماء، وسائر أصناف المخلوقات، بكلام ينعش القلب. هذا، وابن القيم -رحمه الله- لم يتح له أن يطلع على ما اطلع عليه المتأخرون من أنواع المعارف؛ فإن العلوم الحديثة، قد كشفت من معاني الربوبية، ما يحار الطرف في النظر إليه، ويحار العقل في التفكر فيه, حتى إنه لما ألف بعض الملحدين، منكري وجود الله، كتاباً سماه "الإنسان يقوم وحده" يعني أنه مستغن عن وجود خالق, ألف عالم غربي كتاباً في الرد عليه سماه "الإنسان لا يقوم وحده". وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية بعنوان "العلم يدعو إلى الإيمان"، أوصي بقراءته، وإن كان مؤلفه غير مسلم، لكنه ذكر حقائق من حقائق الربوبية، التي يشترك فيها كل من يؤمن بوجود الله -عز وجل- ويمكن أن يوظفها المؤمن الحق في التدليل على توحيد العبادة. ومثله ما يذكره بعض المشتغلين بمسائل الإعجاز العلمي في القرآن. على أن مسائل الإعجاز العلمي، ينبغي التعامل معها بحذر، لأن بعض المشتغلين بها يغالون أحياناً، ويحملون النصوص ما لا تحتمل, ربما كان بعض ما قالوه صواباً، لكن لا علاقة له بالآية، ولا يجوز أن نحمِّل كلام الله عز وجل معنىً ليس مراداً له، حتى وإن كان ذلك المعنى صحيحاً في نفسه، لكن لا يجوز أن نقول: إن مراد الله بالآية، كذا، وكذا، إلا ببينة ودليل. وإذا كان هذا من قبيل النظريات، والفرضيات، فإنه لا يجوز أن تحمل عليه النصوص، لأن النظريات والفرضيات، قد يثبت بطلانها. وأما إن كان هذا الذي توصلوا إليه من قبيل القطعيات، والحسيات، والمشاهدات، فإننا ننظر؛ إن كان لفظ الآية يحتمله فلا بأس، أن نسوقه في هذا المقام, وإن كان لفظ الآية لا يحتمله، بل هو أجنبي عنه، فإنه لا يجوز أن نفسر كلام الله بغير مراده. فلينتبه لهذا من يقرأ في مسائل الإعجاز العلمي.

 

     *قوله:وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى:-         

الْمَرْعَى: موضع النبات، والخضرة. فالذي يخرج المرعى هو الله عز وجل. تمر بالأرض اليباب، القفر، يوماً، فلا ترى إلا الهواء يعصف بها, والغبار يثور منها, ثم يرسل الله -تعالى- عليها سحائب المطر، فتسقيها، فتمر بها وهي تهتز خضراء، ذات بهجة. من الذي أخرج المرعى؟ من الذي حفظ هذه البذور لسنة كاملة، وسقاها حتى عادت هذه الأرض الصفراء المغبرة، تهتز خضرة وجمالاً، وألواناً، وعبقاً، وأريجا؟ً إنه الله (الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى).

 

     *قوله:فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى: -

هذه دورة أخرى.فَجَعَلَهُ أي الله -عز وجل- غُثَاءً أي جافاً، هشيما,ً وأَحْوَى أي يابساً، مائلاً إلى السواد. وذلك بعد أن يمر به ما شاء الله تعالى من الوقت، وتشتد عليه حرارة الشمس.

 

     *قوله:سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى :-

     يقول الله -عز وجل - مخاطباً نبيه: سَنُقْرِئُكَ أي القرآن، فَلَا تَنْسَى :"لا" نافية ، فمعنى الآية، أن الله تعالى يعد نبيه أن يقرأه القرآن، وأن يحفظه في قلبه، لا ينساه. وذلك أن نبينا كان إذا نزل عليه الوحي يحرك به لسانه، يتحفظه، يخشى أن يتفلت عليه، كما قال في سورة القيامة: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ. فطمأن الله نبيه قائلاً: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى أي لن تنسى ما أوحي إليك.
 

     *قوله:إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى:-

     إِلَّا تفيد الاستثناء، وذلك للدلالة على طلاقة المشيئة. فكل شيء متعلق بمشيئته، وحكمته. والمعنى: إلا ما شاء الله أن تنساه، مثل المنسوخ. فما نسخت تلاوته، وحكمه، يدخل في هذا الاستثناء. وذلك أن الله -سبحانه وتعالى- قد ينسخ بعض ما أنزل على نبيه لحكمة بالغة، كما قال تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.

     إِنَّهُ أي الله -عز وجل-. يَعْلَمُ الْجَهْرَ  الجهر: ما يظهر الإنسان من قول، أو من عمل . وَمَا يَخْفَى : أي منهما. فعلمه محيط بكل شيء.

 

     *قوله:وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى :-

وهذا من أسباب محبة النبي   لهذه السورة. وَنُيَسِّرُكَ : يعني نسهل لك، ونهيأ لك. لِلْيُسْرَى: قيل: شريعة الإسلام، وقيل، وليس بعيداً عن القول الأول، أي عمل الصالحات الموصل إلى الجنة. وهذا مطابق لقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. فالله تعالى يبشر نبيه   بتيسيره لليسرى، أي بتوفيقه لشريعة سمحة، سهلة، ميسرة، هي شريعة الإسلام. وهذا التيسير هو الموصل إلى الجنة، التي من أسمائها (اليسرى).

     وهذا الوصف (اليسر) بيان لطبيعة هذا الدين, وهذه الشريعة, وهذا النبي. فهذا الدين في عقيدته مبني على اليسر، والوضوح، والبينة، ليس فيه أغلوطات، ولا تعقيد، ولا غموض, بل هو واضح، بيِّن، موافق للعقول السليمة، والفطر المستقيمة. ليس ككلام المتكلمين، والفلاسفة، والمناطقة. وهو يسر في شريعته، فإن هذه الشريعة حنيفية سمحة. ولهذا لما زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأَةٌ، َقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِىِّ، فَإِنَّهُ نَبِىٌّ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ. رواه أبو داود. فكانت شريعة نبينا محمد   متسمة باليسر، ورفع الحرج, وكان من قواعد الشريعة أن الضرورات تبيح المحظورات, وأن الأمر إذا ضاق اتسع, وأن المشقة تجلب التيسير. ويعقد العلماء أبواباً لأهل الأعذار، كما في الحديث: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) [رواه البخاري]، وقال : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ) [رواه البخاري]. كما أن هذا النبي الكريم، كان من صفاته اليسر، فهو سهل, موطأ الأكناف, مزاجه مزاج طبيعي، ليس فيه عنت، ولا مشقة، يأخذ الأمور بالعفو، والظاهر، واليسر، لا يتكلف، بل يبغض التكلف: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين. وكان سمحاً مع أهل بيته، يصبر منهم على ما يقع من الغيرة، ويسايرهم، ويجاريهم، حتى ذكر جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- في قصة حجة الوداع أن عائشة -رضي الله عنها- ألحت على النبي   أن تأتي بعمرة، فقال: (طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ) [رواه أبو داود] فلما رأى شدة رغبتها، وإلحاحها وافقها, قال جابر بن عبد الله: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ   رَجُلاً سَهْلاً، إِذَا هَوِيَتِ الشَّىْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ. رواه مسلم. وكان   سمحاً مع الناس، إذا صافح أحداً، لم ينزع يده، حتى يكون الذي صافحه هو الذي يصنع ذلك. وتأتي الجارية السوداء، فتمسك بيده، فتذهب به في أسواق المدينة حيث شاءت. من رآه هابه، ومن جالسه أحبه. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً. فنفسية المؤمن، ومزاجه، وسلوكه، وسمته، لابد أن يصطبغ بهذه الصبغة المحمدية، التي منّ الله تعالى بها على نبيه   لأن هذا من أسباب سعادتك، وسعادة من يعاشرك.

 

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: وجوب تنزيه الرب عن النقص، والعيب، ومماثلة المخلوق.

الفائدة الثانية: إثبات الاسم لله تعالى، لقوله: سَبِّحِ اسْمَ خلافاً للمعتزلة، والجهمية، الذين زعموا أن الأسماء مخلوقة, وأن الناس اخترعوها لله، تعالى الله عما يقولون.

الفائدة الثالثة: إثبات اسم الأعلى لله تعالى.

الفائدة الرابعة: إثبات صفة العلو بأنواعه لله: علو الذات,وعلو القدر, وعلو القهر.

الفائدة الخامسة: كمال ربوبية الله تعالى؛ خلقاً, وإحكاماً, وتدبيراً, وهداية.

الفائدة السادسة: إثبات الهداية العامة, وهي هداية كل مخلوق إلى ما يصلحه في معاشه.

الفائدة السابعة: التنبيه على البعث، من قوله: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى  فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى هذه الدورة تدل على إمكانية البعث؛ لأن هذا المرعى يصبح هشيماً، يابساً، مائلاً لونه إلى السواد, ثم يعود مرعى من جديد.

الفائدة الثامنة: حفظ الله تعالى لوحيه، ودينه، لقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى

الفائدة التاسعة: طلاقة مشيئة الله تعالى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، واقترانها بحكمته.

الفائدة العاشرة: إمكان النسخ, لقوله :إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فقد ينسي الله نبيه شيئاً فيكون من باب نسخ التلاوة والحكم.

الفائدة الحادية عشرة: كمال علم الله، لأن الذي يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ما بقي شيء خارج عن معلومه.

الفائدة الثانية عشرة: كمال لطف الله بنبيه- صلى الله عليه وسلم:وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى.

الفائدة الثالثة عشرة:أن اليسر من خصائص النبي   ومن خصائص عقيدته وشريعته.



التعليقات ( 0 )