• ×

د. أحمد القاضي

سورة (الطارق) [2]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17))

(يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ):( يَوْمَ) ظرف، متعلقه بالرجع، يعني إن الله سبحانه وتعالى قادر على إعادة بعثه (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) يوم القيامة؛ لأنه هو الذي تبلى فيه السرائر. ومعنى (تُبْلَى) أي تختبر، وتكشف. (السَّرَائِرُ): الضمائر، جمع سريرة، وهي كل ما أسره الإنسان، وأخفاه. وهذا فيه وصف بديع، وصف باطني ليوم القيامة! فمعظم أوصاف يوم القيامة تتعلق بالصورة الظاهرة، مثل: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، و(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، ونحوها مما يتعلق برسم الصورة الكونية الظاهرة, أما هذه الآية فإنها ترسم الصورة الباطنة، وهو ما يكون عليه حال القلوب، فتنكشف، فلا مجال للتزويق، ولا للنفاق، هم ضاحون لله عز وجل، ظاهراً، وباطناً؛ ضاحون لله ظاهراً، لا ثياب تسترهم, وهم ضاحون لله باطناً، فكل شيء بيِّن مكشوف.

(فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ):( فَمَا لَهُ) أي الإنسان,( مِنْ قُوَّةٍ) يعني من قوة ذاتية يمتنع بها,(وَلَا نَاصِرٍ) يعني من غيره، فليس له معين، ولا مدافع. فالفرق بين دلالتي هاتين اللفظتين: (قُوَّةٍ) وَ (نَاصِرٍ) أن القوة ذاتية, والنصر خارجي.

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ): أعاد الله تعالى القسم بالسماء، ولكنه هذه المرة بوصف جديد. (ذَاتِ الرَّجْعِ) والمراد بالرجع: المطر.  وسمي المطر رجعاً، لأنه يرجع، ويعود مرة إثر مرة, وإنما أضاف الله تعالى الرجع إلى السماء لكونه يأتي من جهتها. وكل ما علاك فهو سماء. وقيل إن المقصود بالرجع: الشمس، والقمر، والنجوم, لأنها تشرق، وتغرب، ثم تعود. فوصفت بالرجع. والأول أقرب، وهو ما عليه جمهور المفسرين.

(وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ): هذا من التقابل, فبينا الإنسان يرفع طرفه إلى السماء، إذ به يحطه إلى الأرض. فكل ما حولك دلائل ربوبية؛ ترفع رأسك، تلتفت يميناً، وشمالاً، كل ما في الكون هو من دلائل البعث، ودلائل الربوبية.

 (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) الصدع: يعني الشق. لأن الأرض تتشقق بالنبات، كما قال في سورة "عبس": (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ.أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا.ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا.فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا) إلى آخر الآيات. وهذا القسم مناسب لموضوع السورة, فالسورة تريد تقرير أمر البعث، وإقامة الأدلة عليه، فأقسم بالسماء بوصفها (ذَاتِ الرَّجْعِ)، والأرض بوصفها (ذَاتِ الصَّدْعِ)، وهذا إلماحة إلى دليل آخر من دلائل البعث، وهو أن الله سبحانه وتعالى، يحيي الأرض الميتة، فيسوق إليها الماء، فتنبت العشب والكلأ الكثير:(وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا). فالذي يحيي الأرض الميتة، قادر على إحياء بني آدم، وإخراجهم من قبورهم أحياء. ولما ذكر الله عز وجل في سورة "ق" قوله: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ.رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) قال إثرها : (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)! فالذي يحيي الأرض الميتة بهذا الماء المساق من البحار، فتنبت، وتصبح ذات مروج، ونخيل باسقات، قادر على إخراج الإنسان حياً بعد موته.

(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ): مرجع الضمير إلى القرآن, وهو إن لم يرد له ذكر، لكنه لما قال: (قَوْلٌ) علم أنه القرآن. ومعنى (فَصْلٌ) أي فيصل، وفرقان بين الحق والباطل, وهدى,وضياء, ونور,وشفاء, كل هذه الأوصاف تنطبق انطباقاً تاماً على كلام الله عز وجل. ولهذا قال الله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ), وقال:  (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت).

(وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ): إذاً هو جد كله, ليس لعباً, ولا باطلاً, وليس المقصود به المسامرة, والتلذذ به كما يتلذذ بالشعر, وإنما هو جد,وحق, وموعظة,وهدى,وبيان,وشفاء، فخذوا الأمر بجد, فهذا الذي يتلى عليكم ليس أساطير الأولين, ليس شعراً, ليس سجعاً, ليس كلام كهان, بل هو حق يوجب عليكم أن ترعوه أسماعكم, وأن تعتقدوه بقلوبكم, وأن تقيموا حياتكم وفق هديه. إن الذي يمتلأ قلبه بهذا المعنى، يرزق بركة القرآن, فكل أمر اشتبه عليك من أمورك الخاصة, أو أمور الناس العامة، إذا أقبلت على القرآن بقلب صادق, ونفس مستشرفة، تعتقد أن الهدى, والشفا, والبيان هو في هذا الكتاب فوا الله، لتجدن فيه بغيتك، وطلبتك. لكن إذا حرم الإنسان هذا الاعتقاد، وهذا اليقين، حرم الثمرة. فليعود الإنسان نفسه على أن يعظم القرآن, ويعتقد أنه كلام رب العالمين، ليس كأي كلام, وأن كل ما يحتاج الناس إليه في معاشهم، ومعادهم، فهو في كتاب الله عز وجل, في كتاب الله جوابه، وشفاؤه, لا يلزم من ذلك أن يكون فيه ذكر التفاصيل لكن فيه ذكر الأسس,والمبادئ,والمفاتيح التي تقود الإنسان إلى معرفة الحق، وتحصيل الطمأنينة.

(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا): أي هؤلاء  المنكرون للبعث يتحايلون، ويدبرون بطريق خفي إيصال الأذى إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وحقيقة الكيد، والمكر، والمحل: إيصال الأذى بطريق خفي. وأكدها بالمفعول المطلق (كيداً) لأن الكافرين يستفرغون جهدهم، ووسعهم، في الصد عن سبيل الله, ورسم الخطط لذلك. ولم يزل هذا دأبهم قديماً وحديثاً. وهذه سمة وصفة في كل منكر للبعث، أنه لابد أن يفني عمره، وجهده في إحقاق الباطل، وإبطال الحق, فالمنكر للبعث يريد أن يقنع نفسه، ويقنع الآخرين بصحة ما هو عليه، فلذلك يؤلب، ويجتهد، ويضلل، لكي يحاول إقناع نفسه، ومعاكسة فطرته، ومحاولة إضلال الآخرين, ويا له من عبث ضائع، وجهد غبين، إذ أنه مبني على باطل، ولا يفضي إلا إلى باطل.

(وَأَكِيدُ كَيْدًا): وشتان بين كيد الرب وكيد العبد؛ الكيد في حقيقته المشتركة، ومعناه الكلي، واحد، وهو إيصال الأذى بطريق خفي, لكنه من الله محمود, ومن هؤلاء الكافرين مذموم؛ لأنهم أرادوا بكيدهم إبطال الحق، وإحقاق الباطل.ولهذا يخادعون الناس بأنواع الخداع، يأتي أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عظم بال، فيفته، ويقول "أتزعم يا محمد أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميما ؟ ً" وهذا المشهد يمكن أن يجتاح أصحاب العقول السطحية، فتنطلي عليهم مثل هذه المكائد.

     وهذا الكيد، منه سبحانه، في مقابلة كيد الكائدين، نظير قوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ). ولما كان الكيد، والمكر، وأمثالهما، تنقسم مدلولاتهما إلى محمود، ومذموم، لم يجز إطلاق هذا الوصف عليه إلا مقيداً، على سبيل المقابلة. ولم يجز اشتقاق اسم له منها، فلا يقال من أسمائه الكائد, ولا من أسمائه الماكر، ولا يخبر به عن الله على سبيل الإطلاق، إلا أن يقيد، فيقال الكائد بالكافرين, الماكر بالماكرين، ونحو ذلك.

 (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا):"مهل": أي أنظر، واترك. وهذا من التنويع في التعبير, (رُوَيْدًا) كلمة مصغرة من (رودى) ومعناها: أي قليلاً, فالأمر قريب, عما قليل يتبين الحق من الباطل، وتعرف العاقبة لمن. ولهذا لم يمض عليهم سنيات حتى أذلهم الله يوم بدر، وألقوا في القليب، وصاح بهم النبي صلى الله عليه وسلم: وقد أرموا: يا فلان ابن فلان، يناديهم بأسمائهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً). (أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أمهلهم حتى تحقق الموعود.

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: صفة يوم القيامة الباطنة (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ).

الفائدة الثانية: كمال إحاطة الله بالعباد, وكمال ضعفهم، فلا قوة لهم من ذواتهم، ولا ناصر لهم من سواهم.

الفائدة الثالثة: عظم شأن القرآن,وبيان صفته الفاصلة، الجادة.

الفائدة الرابعة: فصل القرآن العظيم في جميع الأمور المشتبهات, فما من أمر مشتبه يطرأ على الناس، إلا وفي القرآن منه خبر، وشفاء، عرفه من عرفه، وجهله من جهله

الفائدة الخامسة: سعي الكافرين المنكرين للبعث بالباطل.

الفائدة السادسة: إثبات صفة الكيد لله عز وجل، وهو من صفاته الفعلية.

الفائدة السابعة: أن الله يمهل، ولا يهمل. فلا يغرنك ما ترى من انتفاش الباطل، وصولته، وجولته، فإن هذا لا يعني دوامه.



التعليقات ( 0 )