• ×

د. أحمد القاضي

سورة (البروج) [2]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22))

(فتنوا) : أي عذبوا، وتحديداً: حرقوهم في النار. وهذا موافق لأصل كلمة الفتن في اللغة؛ لأن الفتن في اللغة: إدخال الصائغ الذهب في أتون النار، لينفصل المعدن النقي، من الخبث العالق به. والحقيقة أن الفتنة كذلك ! فالله تعالى يبتلى عباده، لكي يميز الخبيث من الطيب. وحتى تتخلص نفس الطيب من الشوائب، والأخلاق الرديئة. فإن للابتلاء فائدةً، وأثراً، وحكمة. قال تعالى: (الم, أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ,وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).

وفي قوله: (الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) دلالة على أن هذا جرى للرجال، والنساء، رحمهم الله جميعاً. وتأمل الاحتراز في قوله : (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) ! يعني أنهم لو تابوا، لقبل الله توبتهم، بعد ما فعلوا ما فعلوا, وهذا يدلك على عظيم حلم الله عز وجل، وواسع فضله، وأن من أذنب ذنباً، أياً بلغ ذلك الذنب، شناعة، وبشاعة، ثم تاب منه، تاب الله عليه، كما قال في الآية الأخرى: (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) ! فهذا عجيب جداً من الرب سبحانه وتعالى ! كيف وسع حلمه أن يتوب على هؤلاء لو تابوا !

     ( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ): أما جهنم، فهو اسم من أسماء النار. قال بعض المفسرين: إن عذاب الحريق المذكور هنا، هي النار التي أحرقوا فيه المؤمنين، امتدت إليهم، وأحرقتهم، فهذا هو الحريق الذي نعلمه. وقال بعضهم: توعدهم بالعذاب الأخروي مرة بالاسم، ومرة بالوصف. فجهنم اسم للنار، والحريق وصف له، وبيان لحقيقته. والجزاء من جنس العمل؛ فكما إنهم حرقوا هؤلاء المؤمنين بنار الدنيا، فهم متوعدون بنار تفضل نار الدنيا بسبعين ضعفاً، وهي نار جهنم. والله أعلم، هل خرجت تلك النار من الأخاديد، والتهمت أولئك القعود، المتفرجين، أم لا ؟ أياً كان الأمر،فإنا نعلم، يقيناً، أن الله سبحانه وتعالى، ما كان ليدعهم. قال الله عز وجل :( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر : 51]. إذاً هناك نصر دنيوي، قبل النصر الأخروي؛ فيقيض الله من أقداره، ما ينتقم به من هؤلاء الطغاة. ومن تتبع التاريخ، وقرأ في سير المؤمنين؛ أفراد، وجماعات، وما نالهم من أذى، وعذاب، يجد أن الله تعالى لم يدع من ظلمهم، بل عجل له بعقوبة دنيوية، قبل العقوبة الأخروية، إحقاقاً للحق، ونصرة للمؤمنين.

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) : ومن أول الناس دخولاً في هذا الوعد الكريم، هؤلاء المعذبون، الذين حرقوا بالنار، وألقوا في الأخاديد, وإلا فإن الآية تشمل كل مؤمن. ومعنى (جنات) أي بساتين؛ وسمي البستان جنة، لأنه يُجِنُّ صاحبه، أي: يستره، بكثرة أشجاره، والتفاف أغصانه. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) : أنهار اللبن, وأنهار الماء, وأنهار العسل, وأنهار الخمر، وفرةً، وكثرةَ. هذا بعض ما وعد الله أولياءه من الكرامة. (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) والفوز: هو الفلاح. وحسبك بما وصفه الله كبيراً فهو كبير حقاً .

(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ): البطش: هو شدة العقوبة، والأخذ. عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) قَالَ ثُمَّ قَرَأَ:{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }) متفق عليه. فإذا رأى الإنسان من نفسه، أنه مقيم على معاصي الله، وأن الله قد تركه، فليعلم أن ذلك استدراج، فلا يغرنه ذلك. وهؤلاء الظلمة الذين يظلمون الناس، ويبغون عليهم، وإن بدوا مطمئنين, وإن بدوا ممكنين, وإن بدوا متفكهين، فإن لهم يوماً لا يدعهم الله تعالى فيه. وأفعال الله عز وجل في الظالمين معروفة، وأيامه في أعدائه معلومة، سبحانه وبحمده.

(إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) هذه الجمل المتتابعة، المؤكدة بـ(إن) الثقيلة، تحفر في القلب, وترسخ في العقل معانيها. وهذا يعطي المؤمن الثقة والرسوخ. ومعنى (يبدئ ويعيد) قيل العموم، أي: يبدئ الخلق ويعيده، كما قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم : 27], وقيل إن المراد يبدئ العذاب، ويعيده عليهم خاصة. وهذا أليق بالسياق, وإليه ذهب ابن جرير، رحمه الله، ولهذا قال الله عن أهل النار: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء : 56].

(وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) وهذا أيضاً مما يؤيد أن قوله: (يبدئ ويعيد) يختص بالعذاب، والعقوبة؛ لأنه ذكر المغفرة، والوداد، بعدها. فتلك في جانب الكفرة من أصحاب الأخدود, وهذا في جانب المؤمنين.

(وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) : هذان اسمان كريمان، من أسماء الله الحسنى, فالله تعالى: غفور، وغافر, وغفور: يسميها أهل العربية صيغة مبالغة، أي: كثير الغفر, والغفر: هو الستر، والتجاوز. ومنه سمي المغفر الذي يجعل على الرأس، لأنه يتحقق به أمران: الستر، فتستر ما تحتها، والوقاية، فهي تقي الرأس من الصدمات، والكدمات. فمن شأن الله تعالى مع أوليائه المؤمنين، أن يستر ذنوبهم، ويغفرها لهم، كما في حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) رواه البخاري. و(الودود) : من أسماء الله الحسنى، وهو أيضاً على صيغة المبالغة الدالة على كثرة الود، وعظمه, فهو واد، وودود. والمودة: أعلى درجات المحبة. ولهذا فسر بعض السلف الودود: أي الحبيب. والواقع أن هذه اللفظة "الودود"، تدل على معنيين: على أنه وادُّ، وعلى أنه مودود, فهو يود أوليائه المؤمنين, ويوده أولياؤه المؤمنون. ومصداق هذا قوله تعالى :(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).

(ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ): (ذو) أي صاحب, والعرش أكبر المخلوقات, وأعظمها وأعلاها, وهو سقف العالم. وفي اللغة: سرير الملك الذي يجلس عليه, وعرش الرحمن، سبحانه وبحمده، سرير، ذو قوائم، تحمله الملائكة، كما قال الله عز وجل: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة : 17]. ولا يصح تفسير العرش بأنه المُلك, أو أنه كناية عن الاستيلاء، فهذا تأويل متعسف، تأباه صراحة نصوص الكتاب، والسنة، ولغة العرب, فلا يمكن أن نفسر العرش بهذا، أي: يحمل ملك ربك  ثمانية ! لا يستقيم. بل هو عرش حقيقي, ولهذا قال النبي الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: (فَأَنْطَلِقُ، فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى)متفق عليه. وقال في حديث آخر: (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ) متفق عليه. فهذا يدل على أن العرش خلق عظيم، جداً، يستوي عليه الرب سبحانه وبحمده. فإذا أخبر الرب تعالى عن نفسه، بأنه ذو العرش، فليس معناه بأنه صاحب العرش, فقط ! بل فيه ما يدل على معنىً آخر، وهو الاستواء. وقد نبه إلى هذا المعنى الشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمه الله، وإلا فإن الله له الملك كله، ولا يختص العرش في كون الله مالكه، وخالقه. وإنما يختص بأنه سبحانه يستوي عليه، كما ذكر ذلك في سبعة مواضع في كتابه.

     ومعنى (المجيد) : الكريم, وهو وصف لله، ولهذا ضبطت بالضم في المصحف باعتبارها صفة لمرفوع، وهو: (ذو), فمن أسمائه الحسنى المجيد، يعني الممجد سبحانه. وثم قراءة أخرى بالخفض، فحينئذ تصبح صفة للعرش، فيكون العرش أيضاً موصوفاً بالمجد، والكرم الذي يليق بالمخلوق،كما أن المجد، والكرم، الذي وُصف الله به يليق به. ولا مانع أن يطلق الوصف على الخالق وعلى المخلوق، على اعتبار أن ما للخالق يليق به، وما للمخلوق يليق به.

(فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ): هذه جملة وصفية أخرى للرب سبحانه وبحمده, (فعال) يعني كثير الفعل, فإن أفعاله سبحانه وبحمده لم تزل، ولا تزال؛ لأن الفعل علامة الحي، فكل حي فاعل. والله تعالى فعال، لم يزل فعالاً, وقوله: (لما يريد) أي أن فعله سبحانه، مقترن بإرادته، وحكمته. فلا يفعل شيئاً عبثاً, ولا يفعل شيئاً دون إرادة مسبقة. وله سبحانه نوعان من الإرادة:  إرادة كونية قدرية, وإرادة دينية شرعية. والأليق في هذا السياق أن تكون الإرادة هنا الكونية القدرية؛ لأنه قرنها بالفعل، ولو كانت الشرعية،  لقرنها بالقول. فهو سبحانه وتعالى يريد ويفعل, والناس يريد أحدهم، وقد لا يتمكن من الفعل. أما الرب سبحانه وبحمده، فإنه مريد، وفعال، بخلاف الآدمي، أو المخلوق، فإنه قد يكون مريداً، ولا يتمكن من الفعل, وقد يصدر منه فعل دون إرادة. قال تعالى : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ): (هل أتاك) أي يا محمد,(حديث) يعني خبر,(الجنود) يعني جنود الشر، والطغيان، والكفر.

(فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ): فرعون أشهر من عرف بالكفر من بني آدم. والمراد هنا فرعون وملؤه؛ لأنهم لا يكونون جنوداً إلا بهذا المعنى, فإن فرعون شخص واحد. وثمود: قبيلة متجبرة، متغطرسة، كانت تسكن في وادي القرى, وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، ويتخذون من سهولها قصوراً، لفرط تجبرهم، وقوتهم، وترفههم.

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ):(بل) : هذه للإضراب، يعني: ليس الأمر أنك تكذب عليهم، بل هم في تكذيب. وهذا التعبير يشعر بأنهم غارقون، منغمسون في الكذب، والتكذيب. وهو أبلغ من قول: إنهم يكذبون, فكأن الكذب، والتكذيب، ظرف لهم، محيط بهم من جميع الجهات.

(وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ): ما أعظم هذه الجملة وما أشد وقعها على الظالمين، والكافرين، والمنكرين للبعث، والمعادين لرسل الله المحاربين لدينه!

(محيط): المحيط اسم من أسماء الله الحسنى، وهو يعني المطلع، المتمكن منهم، فلا يعجزونه. قد أحاط بهم زماناً، ومكاناً؛ أما زماناً: فقد قال الله: (هو الأول والآخر), وأما مكاناً: فقال (الظاهر والباطن). فالله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء, فأين المفر؟ إن ظنوا أنهم بإحراقهم هؤلاء المؤمنين بالنار، وأنهم لم يجدوا ناصراً لهم من الناس، فأين المفر من الله عز وجل؟

(بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ): هذا القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم,  كريم، شريف. وهذا أحد أوصاف القرآن العظيم.

(فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ): قال بعض العلماء: أي أن القرآن مذكور في اللوح المحفوظ، وقال آخرون: بل القرآن بأكمله مسطور في اللوح المحفوظ. أما قول الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) فالمراد ذكر القرآن, وحسب. أما كونه في اللوح المحفوظ فهذا يحتمل المعنيين. وقد كان شيخنا، ابن عثيمين، رحمه الله، بادئ الأمر يرى أن المراد: ذكره، وخبره في اللوح المحفوظ. ثم رجع عن ذلك، ومال إلى أن القرآن بكامله في اللوح المحفوظ. ولعل الحامل على القول الأول، المانع من القول الثاني، هو أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بالقرآن حال تنزيله, فكيف يكون إذاً في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل شيء، قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؟

ويمكن أن يجاب عن ذلك، بأن كونه في اللوح المحفوظ مكتوباً، لا ينافي أن يتكلم الله تعالى به حسب الأحوال، والوقائع.

     (محفوظ): أي مصون من الشياطين أن يصلوا إليه، ومن أن يطلع عليه أحد, ومصون من التحريف, فهذا اللوح المحفوظ هو أم الكتاب. ومحفوظ صفة للوح، وهي مشكولة في المصحف بالجر. على أنه قد ورد قراءة بالضم، فتكون حينئذ صفة للقرآن.

الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: انتصار الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة.

الفائدة الثانية: أن الله يمهل، ولا يهمل.

الفائدة الثالثة: شدة بطش الله وأخذه.

الفائدة الرابعة: اقتران العمل بالإيمان.

الفائدة الخامسة: سنة الله الكونية في البدء، والإعادة، (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ). وهذا خير من قول بعضهم "التاريخ يعيد نفسه" ! وهذه الجملة جملة وافدة من الثقافات الغربية, وفيها إسناد الأفعال إلى غير الله عز وجل, وخير منها أن تقول (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ).

الفائدة السادسة: إثبات جملة من الأسماء الحسنى: مثل: (العزيز), (الحميد),(الغفور),(الودود),(المجيد),(المحيط)

الفائدة السابعة: إثبات العرش، وأنه خلق حقيقي.

الفائدة الثامنة: أن أفعال الله تعالى لم تزل ولا تزال, وإثبات صفاته الفعلية، والرد على منكري الصفات الفعلية، وإبطال شبهتهم القديمة، وهي أن إثبات الصفات الغعلية، يستلزم أن يكون محلاً للحوادث ! وبيان ذلك، أن يقال : إن جنس الفعل قديم، جنس الفعل صفة ذاتية، لازمة لذاته سبحانه. بدليل قوله (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، لكن آحاده، وأفراده، تتكرر، وتحدث، كما صرح في قوله : (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء : 2]، وقوله : (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) [الشعراء : 5] فهو لم يز ل فعالاً, لكن صورة هذا الفعل تكون تارة بالمجيء, وتارة بالاستواء, وتارة بالضحك, وتارة بالعجب,وتارة بالنزول.

الفائدة التاسعة: إثبات إرادة الله.

الفائدة العاشرة:استغراق الكافرين في الكذب، حتى صار سجية لهم.

الفائدة الحادية عشرة: إحاطة الله بهم.

الفائدة الثانية عشرة: إثبات القرآن، ومجده .

الفائدة الثالثة عشرة: إثبات اللوح وحفظه .



التعليقات ( 0 )