• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (البروج) [1]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)

هذه السورة العظيمة، سورة ذات موضوع واحد، ولها مقاصد عظيمة، يمكن أن نجملها بثلاثة مقاصد:

المقصد الأول: بيان منزلة المؤمنين عند ربهم.

المقصد الثاني: الأثر الذي يحدثه الإيمان في العلاقات بين البشر.

المقصد الثالث: تمجيد الرب نفسه, وحكمته في قدره، وشرعه.

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ): السماء هي هذا البناء المحكم العلوي، الذي فوقنا. وهي السقف المرفوع: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا)، فهذه السماء يقسم بها الرب سبحانه وتعالى. وما نبصر منها إنما هو السماء الدنيا،سميت بذلك لدنوها من الأرض. وصف الله هذه السماء بأنها (ذات البروج) قيل إنها النجوم والكواكب, وقيل إنها القصور السماوية، التي تنزل فيها النجوم، والكواكب كما قال الله عز وجل: ( تبارك الذي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا). وأصل هذه الكلمة البروج مأخوذ من البروز، والظهور. ولهذا سميت القلعة، برجاً، لبروزها وظهورها. ومنه قولهم: تبرجت المرأة، إذا برزت للناس. فمن قال إنها القصور، فإنه نظر إلى قول الله تعالى (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ), بل إن بعضهم قال: إن في السماء قصوراً تأوي إليها الملائكة. ولكن هذا لا دليل عليه، يؤثر فيعتمد عليه. والأقرب، والله أعلم، أن المقصود بالبروج المنازل التي تنزل فيها الكواكب، والأجرام السماوية، وعدتها اثنا عشر برجاً، وهي التي تسميها العرب: الحمل، والثور، والسنبلة، والجدي، والميزان، والعذراء, وهكذا. وقد كانوا يدركون من الأفلاك سبعة، أو ستة، ويجعلون كل نجم، أو كوكب يختص بشيء من هذه الأبراج.

وهذا قسم عظيم، لأن هذا الخلق الهائل، لا يدرك مداه إلا الله، ولهذا قال ربنا في آية أخرى (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ.وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) فمواقع النجوم هي هذه البروج التي تنزل فيها النجوم في أوقات مقدرة.

(وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ): اليوم الموعود لا أعلم فيه خلافاً أن المراد به يوم القيامة؛ لأنه يوم وعد الله فيه العباد، أو أوعد به العباد لجمعهم فيه .

(وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ): (شاهد): قيل إنه يوم الجمعة,(ومشهود): قيل يوم عرفة, فيوم الجمعة شاهد لأنه يشهد لمن حضرها،والمشهود يوم عرفة لأن الناس تشهده. ولكن هذا تفسير للشيء ببعض أنواعه، واللفظ أعم. فإن يوم الجمعة يصلح أن يكون شاهداً ومشهوداً؛ فهو شاهد لمن حضره، ومشهود ممن حضره,كما أن يوم عرفة أيضاً شاهد لمن حضره، ومشهود من قبل من حضره. فالراجح ما ذهب إليه ابن القيم أن الشاهد، والمشهود، أي المُدْرِك والمُدْرَك، والعالم، والمعلوم, والرأي، والمرئي. فكل شيء يدخل في (شاهد ومشهود) كل ما دل عليه اسم الفاعل، وما دل عليه اسم المفعول.

(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ): قيل إن هذا هو جواب القسم. يعني قد قتل أصحاب الأخدود. وقيل إن جواب القسم (لتبعثن). والأقرب أن تكون على الظاهر، دون المضمر، فقد قال الله عز وجل: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ). ليس هذا القسم لإثبات هذه الحادثة وحسب، فإنها تثبت بمجرد خبر الله عز وجل, وإنما لتفخيمها، وتعظيمه،ا فإن هذه الحادثة، حادثة عظيمة جداً، جرت في زمن متقدم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى هدى بعض الناس، في بلاد اليمن، فآمنوا بالله، قيل إنهم كانوا من النصارى الموحدين، ثم إن ملك زمانهم، والملأ من قومهم، نقموا عليهم نقمة شديدة، وأرادوا حملهم على الرجوع إلى دينهم، فأبوا، واعتصموا بالله عز وجل، فما كان منهم إلا أن خدُّوا لهم الأخاديد في الطرقات، والأخدود هو الشق في الأرض، وأضرموا فيه النار, ثم عرضوهم على النار، وهم قعود على كراسيهم، يتفكهون، ويقولون لأحدهم: إما أن ترجع إلى دينك، ودين أبائك، وأجدادك، وإلا قذفناك فيها. وثبت الله المؤمنين بالقول الثابت، فصاروا يلقونهم في النار، ويستمتعون بمرآهم، وهم يحترقون، ويشمون رائحة شوائهم، ولا يبالون. قيل إن الله تعالى، كان يقبض أرواح المؤمنين، قبل أن يهووا في النار، فلا يجدون حرها. وهذه الحادثة موافقة لما قص النبي صلى الله عليه وسلم، من قصة الغلام المؤمن، التي وردت في الصحيح، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم اخبر أن امرأة أتت تحمل وليدها، فلما أقبلت، تلكأت شفقة على ولدها، فأنطقه الله عز وجل، وقال: يا أمه! اصبري فإنك على الحق. فألقت بنفسها وولدها في النار.

فخلد الله ذكر هذه الحادثة في كتابه، قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، فيه أسوة، وعبرة لكل مؤمن، على مر الأزمان، إذا لقوا من أهل الكفر والطغيان أذىً، وفتنة، تذكروا ما جرى لإخوانهم الذين حرقوا في الأخاديد، فأثنى الله عليهم، وزكاهم، ووعدهم، وتوعد مخالفيهم، وعاقبهم العقاب الدنيوي، قبل العقاب الأخروي. ولهذا دعا عليهم، فقال (قتل) يعني لعن 

(النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ): هذا بدل اشتمال؛ لأن الذي في الأخدود نار تضطرم، فيها الوقود الذي أوقدت به من الحطب وغيره.

(إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ): يعني أنهم استحقوا اللعنة، والقتل، أشد ما يكون، حال كونهم قعوداً، شاهدين، حاضرين، يتفكهون، ويتلذذون بمرأى المؤمنين وهم يعذبون، ويحترقون. فلهذا أشتد غضب الله عليهم، ونكاله، وبغضه لهم في هذه الدنيا، فوق ما يأتيهم في الآخرة.

 (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ): يعني حالهم أنهم شهود، حضور، شاهدين على أنفسهم, ما أتوا مكرهين، مضطرين، بل جاءوا بمحض إرادتهم، وسبق إصرارهم، ليقفوا هذا الموقف، ويشهدوا على أنفسهم أنهم شركاء في هذا العمل.

(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ  إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ): يعني ما نقم هؤلاء الكفار من المؤمنين، وما أنكروا عليهم شيئاً، من خلق, ولا من سلوك, ولا غيرهما، (إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ! فلما آمن هؤلاء الموفقون، نقم الملأ عليهم، وغاظهم ذلك، مع إنهم ما تعرضوا لهم, ولا أخذوا مالهم, ولا ضربوا أبشارهم. لكنه الحقد الدفين في قلب الكافر على المؤمن. فبين المؤمن والكافر نفرة شديدة؛ فلا يتواءمان، ولا يتساكنان، ولا يجتمعان. فالإيمان والكفر ندان.

 (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ختم بهذين الاسمين الكريمين من أسماء الله الحسنى تنبيه بليغ على أن الله سبحانه وتعالى عزيز، أي قوي، غالب، منيع الجناب, فله عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة المنعة. فلا يظنن ظان أن الله خذل أوليائه، بل هو سبحانه عزيز الجناب, لكن له حكمة بالغة، فإن الآثار المترتبة على هذا الحدث العظيم إلى يوم القيامة، إن تعد لا تحصى. ففيها من العبر،والدروس الإيمانية، ما ينهل منها أهل الإيمان إلى قيام الساعة. وهو سبحانه (حميد) : أي أنه محمود, ففعيل بمعنى محمود, في ذاته، وشرعه، قدره، وما يجريه. فلم يكن ذلك منه عن غفلة، حاشاه، بل هو لحكمة بالغة.

 (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): أي أن إيمان هؤلاء القوم بالله عز وجل، كان إيماناً عميقاً، مبنياً على دلائل الربوبية, لم يكن إيمانهم إيماناً تقليدياً, أو لمجاراة, أو لطلب ممدحة من الناس، كلا ! بل هو إيمان عميق، راسخ، يستمد مادته من دلائل الربوبية,(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فمن له ملك السموات والأرض، جدير بأن يعبد وحده، لا يشرك معه أحد سواه. وقد كان ملك زمانهم يأمرهم بعبادة نفسه.

(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) يعني أن الله سبحانه وتعالى، شاهد، مطلع على كل شيء، لا تخفى عليه خافية, فما جرى لهم، لا لهوانهم على الله عز وجل، ولكن لما أعد الله لهم من الكرامة، والفضل، والرفعة في الدنيا والآخرة.

 الفوائد المستنبطة

الفائدة الأولى: إقسام الله بآياته الكونية، والشرعية, إذا قلنا(شاهد ومشهود)يوم عرفة, ويوم الجمعة فهذه مما شرعه الله تعالى.

الفائدة الثانية: تعظيم حادثة الأخدود, وعدم غفلة الرب عما جرى للمؤمنين.

الفائدة الثالثة: شدة عداوة الكافرين للمؤمنين، وغلظتهم عليهم، كما قال ربنا عز وجل: (لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة) وهذه سمة باقية إلى يوم القيامة.

الفائدة الرابعة: نفرة الكافرين من تميز المؤمنين عليهم، ومفارقتهم إياهم بالإيمان. ويتفرع عن هذه الفائدة: نفرة العصاة من أهل الطاعة، ونفرة المبتدعة من أهل السنة. فكل صاحب حق، فارق صاحب باطل، فإن صاحب الباطل يجد في نفسه من التغيظ عليه، والنفرة منه، ما يحمله على أذيته. تجد الإنسان يكون بين طائفة من الغافلين، ثم يلقي الله تعالى في قلبه الإيمان، ويستقيم على الدين، فيتعرض للأذى الحسي، والأذى المعنوي, فينبزونه بالألقاب، ويؤذونه؛ لأنهم يرون أنه تميز عليهم، وارتقى عتبة، ودرجة في السلم، وهم بعد لا يزالون في الحضيض.كذلك المبتدعة مع أهل السنة، حينما يدع الإنسان البدعة، ويلزم السنة، ويقول: لا أعبد الله إلا بما شرع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ينبزونه بالألقاب السيئة، يريدون أن يردوه إلى حاله. فلهؤلاء سهم، وكفل، من هذه الصفة, فبين أصحاب الأخدود، وبين المبتدعة والفساق، قدر مشترك في هذا الأمر، لمن تأمل وقد نبه على هذا المعنى اللطيف، ابن القيم، رحمه الله.

الفائدة الخامسة: عميق إيمان المؤمنين, وارتباطه بدلائل الربوبية. ولهذا احرص يارعاك الله، أن تجعل إيمانك مربوطاً بأشياء ثابتة, لا يكون إيمانك إيماناً سطحياً، عاطفياً، يتعلق بحالة آنية، بحادثة معينة. اجعل إيمانك مرتبطاً بالثوابت الكونية، بأن الله خالق الأرض والسماء، وتأمل ماقال أصحاب الكهف: (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ), فارفع رأسك إلى السماء! وانظر إلى الأرض. فليكن تشبثك بدلائل الربوبية الثابتة قوياً., ولهذا ينتكس بعض من يوصف بأنه استقام، والتزم، وصلح، لأنه استقام استقامة ظاهرية، وتأثر تأثراً آنياً، إثر موقف عاطفي، أو هيجان طارئ، ثم لما زال المؤثر زال الأثر.



التعليقات ( 0 )