• ×

د. أحمد القاضي

سورة (المطففين) [4]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36))

هذا بيان من الله عز وجل، لحال المؤمنين والكفار, أو الأبرار والفجار الذين جرت الإشارة إليهم في صدر هذه السورة؛ بيان حالهم في الدنيا، ومآلهم في الآخرة. وهذا من حسن عرض القرآن العظيم لهذه الحقائق, فالسورة تهدف إلى تصنيف الناس إلى فريقين, وبيان حال هذين الفريقين, وطمأنة المؤمنين على عاقبتهم. (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا)  أي في الدنيا (مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ) : يضحكون بهم سخرية، واستهزاءاً. وهذا هو الذي جرى حين صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته، فلقي هو، والقلة المؤمنة الذين آمنوا معه، من المشركين جميع صنوف الأذى, ومن هذا الأذى الضغط النفسي، أو ما يسمى بلغة العصر: الإرهاب النفسي، والفكري. فقد كان هؤلاء المجرمون يشنون عليهم حملات إعلامية؛ يضحكون منهم ويسفهونهم. ولا يخفى أن هذا اللون، قد يكون أشد فتكاً من الأذى الحسي.

(وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ): هذا الاستفزاز يؤثر في النفوس أشد من تأثير الجلد بالسياط، أو الجراح، أو غيرها, ذلك أنه ينفذ إلى النفس, فأما المؤمن فلا يزيده ذلك إلا ثباتاً، وتوكلاً على ربه عز وجل, وأما من كان في قلبه مرض، فإنه سرعان ما ينهار، كما قال ربنا عز وجل:(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ.وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ), فكان الكفار يمارسون هذا اللون من الضغط والأذى, فهم يتضاحكون من المؤمنين، وكأن المسألة  محسومة، ومفروغ منها, وأن هؤلاء في ضلال مبين. ثم يتبعون ذلك بالتغامز، إذا مروا بهم، يأخذ بعضهم يحرك حاجبه، وجفنه، ويغمز بعينه,  فيؤثر في النفوس لأن شعور الإنسان بأنه مستهدف ممن حوله، يتكلمون به، وينالون منه، يحز في نفسه، كما قال ربنا عز وجل: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) ! فهذه الألوان من الأذى النفسي، كانت تمارس ضد الأبرار, لكن الله سبحانه وتعالى يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. واعتبر بما جرى لنبينا  صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، حين حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم بحادث الإسراء والمعراج، كيف أن أبا جهل جمع الناس, لا رغبة في نشر الدين، والدعوة، وتبليغ ما أوحي إلى رسوله من ربه, وإنما ليقول للناس: انظروا كيف آل به الحال، يزعم أنه أتى بيت المقدس في ليلة، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً! لكن السحر انقلب على الساحر, وتبين الفلس من الدينار, وثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. وأما من كان في دينه دخل، فقد انقلب على عقبيه.

(وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ): هذا أيضاً من ألوان الأذى التي كان يفعلها هؤلاء الكفار, وهم أنهم حينما ينقلبون إلى أهليهم بمعنى: يرجعون إلى بيوتهم، يأخذون بالتندر، والتلذذ بذكر هؤلاء المؤمنين على سبيل السخرية, فمعنى (فكهين) أي ملتذين، أو معجبين بصنيعهم بالمؤمنين. وهذه الصورة، صورة تعبر تعبيراً دقيقاً عن حال هؤلاء المجرمين الذين أشربوا في قلوبهم الكفر, وبغض أولياء الله، وهي صورة تتكرر في كل جيل وقبيل.

(وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ): يقولون عن المؤمنين : إن هؤلاء تائهون عن الحق، بإتباعهم محمداً صلى الله عليه وسلم . وهذا ما يمارسه الإعلام العالمي اليوم، في حق نبينا صلى الله عليه وسلم, وفي شأن دين الإسلام, وفي شأن دعاته وكتابه, فهذا التشويه لم يزل، ولا يزال, فيصفون النبي صلى الله عليه وسلم بأبشع الأوصاف، ويصفون دين الإسلام بأنه دموي، وإرهابي, ويصفون دعاته كذلك, فهذا لم يزل، ولا يزال، ولن يزال. فالصراع بين الحق والباطل قديم.

(وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ): أي أنكم يا معشر المجرمين، لستم أوصياء عليهم, ولا كاتبين لأعمالهم، حتى تردوهم إلى مصالحهم, ليس لكم وصاية، وقوامة عليهم، حتى تسجلوا عليهم ما يصنعون، وحتى تردوهم إلى ما تعتقدون. فلستم عليهم حفظة، فدعوهم وشأنهم . وهذا من سنن الله، قال الله عز وجل: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً), ومن قرأ التاريخ وجد مصداق ذلك, بل ومن قرأ الواقع, فيما يجري للمسلمين في كل مكان، من شدة أذى أعدائهم لهم, كصنيع اليهود بالمسلمين في فلسطين، يعاملونهم بوحشية، وهمجية لا نظير لها، مما ينبئ عن حقد متقد، مضطرم في قلوبهم, وحين يقع لهم عشر معشار ذلك، يقلبون الدنيا, وما جرى للمسلمين في أواسط أوروبا، التي تدعي أنها أعلنت حقوق الإنسان، ماذا جرى للمسلمين في البوسنة, وكوسوفو, والجبل الأسود, والسنجق, ومقدونيا, على مرمى حجر من الموضع الذي أعلن فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مما يدلك على أن هذه سنن ثابتة وهي شدة بغض الكافرين للمؤمنين.

فهذا الوصف لحال المؤمنين الأوائل مع المجرمين, يتكرر في كل جيل، وقبيل, وفي كل زمان، ومكان, كما أنه يتكرر أيضاً بنسب متفاوتة؛ فأشنع صوره وأشدها، ما يقع بين المؤمنين والكفار, ولكن ربما وقع نوع من ذلك بين أهل التقوى، وأهل الفسق, فالجاري أنه حينما يوجد قوم من الفساق، وإن كانوا مسلمين، ويقابلون أهل الصلاح والاستقامة، فإنهم يأخذون بالسخرية بهم, والتندر بحالهم، وهيئتهم, فيضحكون، مثلاً، من التزامهم بالسنة؛ من إعفاء اللحى, وتقصير الثياب, وسمتهم، وكلماتهم, ويحاكونهم, وإذا انقلبوا إلى أهلهم، أو مجتمعاتهم، أو منتدياتهم ،ا أخذوا يتكلمون في سيرتهم، وينالون منهم. فهؤلاء شابهوا أولئك الفجار بنسبة معينة, وربما، والعياذ بالله، يبلغ هذا الاستهزاء من بعض الفجار إلى درجة يخرجون بها من الملة, فإذا وقعت السخرية بالدين نفسه, أو بصاحب الدين بسبب تدينه، والتزامه بشريعة ربه, فإن هذا مقام خطير، قد يخرج هذا الساخر، وإن كان في الأصل مسلماً، من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر. ولما قال قوم من المنافقين، في قراء الصحابة، وهم النخبة المصطفاة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يتفكهون : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء؛ أكبر بطوناً، ولا أكذب ألسنةً، ولا أجبن عند اللقاء, أنزل الله تعالى:  (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فيجب الحذر البالغ، من أن ينجر اللسان إلى السخرية بأهل التقوى، والدين, وأعظم ذلك أن تقع السخرية بالعلماء؛ فإن العلماء هم الموقعون عن رب العالمين, فالنيل منهم ليس كالنيل من أحد من عامة المسلمين, وإن كان المسلم محترماً في جميع أحواله، وأصنافه, لكن لأهل العلم والدين مكانة خاصة؛ إذ أنهم يحملون شارة الله، وشعار الدين, فالسخرية بهم تنجر على الدين. ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يحذروا العامة من السخرية من أئمة الدين، ورجال الحسبة، وطلبة العلم, وأن ذلك ليس كالسخرية بغيرهم.

(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ): الله أكبر! انظر كيف انقلب الحال, في أول الآيات قال: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ), ثم قال بعد ذلك: (فاليوم) أي يوم القيامة (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) .

(عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ): وذلك أنهم يطلعون عليهم، وهم يعذبون في النار، بين أطباق الجحيم، فيضحكون من حالهم, كما حكي الله عز وجل في سورة (الصافات) عن أحد المؤمنين : (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ . فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) ! فهذه جرت لرجل, وما في سورة المطففين لجماعة المؤمنين، وهم يضحكون من المجرمين.  

(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ): استفهام تقريري، ليس للنفي, ومعنى (ثوب) أي جوزي, وليس الثواب الذي بمعنى المكافأة الحسنة. والجواب: أي والله، لأنهم في الجحيم, والمؤمنون (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) .

الفوائد المستنبطة :

الفائدة الأولى:أذية المجرمين للمؤمنين بالقول والعمل, الفائدة السابعة عشر:الحرب النفسية للصد عن سبيل الله,فإن الحرب حربان حرب حسية, وحرب معنوية أو نفسية, فعلى المؤمن أن يتهيأ لمثل هذا وأن يتجبر بالله ويعتصم به.

الفائدة الثانية: التشويه الإعلامي للحق، وأهله، ودعاته.

الفائدة الثالثة : اشتغال الكفار بما لا يعنيهم, وإفناء أعمارهم بما يرديهم.

الفائدة الرابعة : العاقبة للتقوى.

الفائدة الخامسة : تسلية المؤمنين وطمأنتهم .

الفائدة السادسة : أن الجزاء من جنس العمل .



التعليقات ( 0 )