سورة (المطففين) [1] - العقيدة والحياة

  • ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (المطففين) [1]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)

سورة المطففين من السور المكية. ومن مقاصد هذه السورة :

     المقصد الأول: بيان العلاقة الوثيقة بين العقيدة والسلوك, والإيمان والقيم : فهي تعالج ظاهرة سيئة كانت موجودة عند المخاطبين، وهي تطفيف الميزان، وقد يبدو لبعض الناس أن مثل هذا الانحراف، من الأمور الفرعية التي ليس هذا أوان بحثها، وعلاجها, لكن إيراد هذه القضية، ومعالجتها في القرآن المكي، دليل على الصلة الوثيقة بين العقيدة القلبية، والسلوك العملي, وبين الإيمان، والقيم الخلقية، التي يؤمن بها صاحبها.

     المقصد الثاني : تصنيف الناس إلى فريقين؛ الأبرار، والفجار, فريق في الجنة, وفريق في السعير, وإلى حزبين؛ حزب الله, وحزب الشيطان, وإلى سعداء، وأشقياء.

     المقصد الثالث :  ترسيخ الإيمان باليوم الآخر، وما فيه من النعيم، والعذاب.

     المقصد الرابع : طمأنة المؤمنين بأن العاقبة للتقوى: وما أحوج المؤمنين في العهد المكي، إلى هذا المعنى، وهم في مرحلة الاستضعاف، والاستذلال، والأذى.

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ): هكذا تستهل السورة بهذا الوعيد الشديد. وكلمة (ويل) في اللغة كلمة وعيد، وعذاب, قيل إنها اسم لوادٍ في جهنم, ولكنها بالمعنى الأعم تدل على الوعيد والعذاب .

(الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ): هذا هو تفسير التطفيف, يعني أنهم إذا أرادوا أن يأخذوا الكيل لأنفسهم استوفوا حقهم تاماً,(وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) يعني أنهم إذا كالوا للناس, أو وزنوا للناس، نقصوهم وبخسوهم حقهم. فالتطفيف إذاً، عبث بالمكاييل والموازين؛ إما بأخذ زيادة على المستحَق، وإما بنقص من الحق. وكلا الأمرين يحصل لكثير من الناس أثناء البيع والشراء.وقد قيل إن هذه السورة، أو صدرها على الأقل نزل في أول العهد المدني، روي ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلاً، فنزلت هذه الآيات, وقيل غير ذلك. والغالب، والله أعلم، أنها سورة مكية بجميع آياتها, وأن التطفيف، كان موجوداً لدى أهل الجاهلية. ونلحظ، أيضاً، أن القوم من أصحاب الثروات، يضطرون الناس إلى القبول بهذا الميزان المجحف؛ لحاجة الناس إليهم, فإن الناس يأبون أن يبخسوا أشياءهم، ولكنهم مضطرون إلى القبول. وهذا ما ينطبق انطباقاً كبيراً على حال الاقتصاد العالمي اليوم, فإنه يقع فيه التطفيف، وإلجاء الناس، بطرق الاحتكار المختلفة، إلى أن يقبلوا بالضيم، لينالوا حصتهم، وما يحتاجون إليه, فيتلاعب التجار الجشعون بالأسعار، ويرفعونها ليمتصوا دماء الفقراء. ولا حيلة للفقراء، إلا أن يبذلوا أموالهم؛ لأن هذه المواد، قوام حياتهم. فمسألة التطفيف لا تقتصر فقط على هذه الصورة البسيطة؛ أن ينقص من الوزن، أو أن يستوفي لنفسه، بأن يزيد قدر كف من طعام، أو نحوه.

وقد كان هذا الوصف الذميم، أعني بخس الناس أشياءهم موجوداً لدي أمة عذبت، وهي مدين، الذين بعث فيهم شعيب، عليه السلام، فكان يقول لهم (وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ), فهذا الأمر كان موجوداً في الأولين، ولا يزال موجوداً في الآخرين. وحين وقع العالم بأجمعه، في هذه القرون الأخيرة، في قبضة الاقتصاد اليهودي الربوي، فشت هذه المظاهر، وصار الناس أسرى لهذه المظالم, فلا يخفى أن الاقتصاد العالمي، اليوم، اقتصاد ربوي، وضع نظرياته، وآلياته، اليهود, وساقوا العالم بأجمعه على نظامه, وصار الربا فاشياً، شائعاً في جميع الأمم. وهذه الشريعة الغراء جاءت بتحريم الربا، حتى إنك لا تكاد تجد من الكبائر ما ورد فيه وعيد وتهديد في كتاب الله، كما ورد في الربا. وهذا يدلنا على كمال هذه الشريعة, وأنها منذ بزوغها كانت تهدف إلى إصلاح القلب، وإصلاح الحياة معاً, فلا يقال إن شريعة الإسلام تصلح السرائر وحسب, بل تصلح السريرة، والعلانية, تصلح الفرد، وتصلح المجتمع . فلأجل ذا وقع التنبيه على هذا الانحراف في العهد المكي .

  ومن المفسرين من وقف على (كَالُوا), و (وزنوا) فقرأ : "وإذا كالوا، هم يخسرون وإذا وزنوا، هم يخسرون" فعلى القراءة المشهورة، تكون متعدية، ومكتفية بذاتها, وعلى قراءة الوقف على "كالوا" تكون "هم" ضمير، من الكائل، والوازن. والأولى هو حسبانها كلمةً واحدة، ومما يدل على ذلك أن ألف الجماعة لم ترسم في المصحف بعد "كالو" و "وزنو".

(أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ): هذا الاستفهام "ألا" أداة تنبيه, والمقصود بها التوبيخ، والتبكيت, (يظن) بمعنى يستيقن, وإلا فربما يطيف بقلوبهم طائف، أنه ثم بعث، لكن القوم لم يستيقنوا، ولو استيقنوا، لاستقام سلوكهم, لكن لا يقين عندهم ، بل هم إما منكرون للبعث، وإما متشككون فيه, ومعنى (مَبْعُوثُونَ) أي مخرجون من قبورهم أحياء .

(لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ): يا لها من موعظة! ويا له من زجر! هذه الموعظة ينتفع بها المؤمن, وإن كانت في الأصل موجهةً إلى الكافر. فأنت إذا وعظت غيرك، وعظت نفسك. قل لنفسك، كما قال الله : ألا تظن أنك مبعوث ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين! ؛ لأن غالب ما يقع منا من التقصير, والمعصية,والغفلة, وظلم النفس, وظلم الآخرين, إنما هو ناتج عن ضعف اليقين بالآخرة، ولو كان اليقين بالآخرة قائماً في القلب دائماً، لانكف الإنسان عن كثير من المعاصي والمظالم, لكن القلب يذهل عن ذلك الموعد الحق, فإذا غاب عن باله البعث، واليوم الآخر, والجنة، والنار، صار يطأ السهل، والوعر، ويجترح السيئات، ويقترف المعاصي؛ لغياب هذا الرادع عن قلبه. فمن أعظم أسباب الموعظة، أن يعظ الإنسان نفسه باليوم الآخر, ودعك من أقوام يقولون: لا فائدة من المواعظ, المهم الإقناع بالعقل !  لابد من الإقناع العقلي, ومن تحريك الوجدان والموعظة. كم من إنسان تحصل له القناعة العقلية بصحة كذا، وخطأ كذا، لكنه لا ينقاد لمقتضى العقل!  فلابد من الجمع بين الأمرين. ولهذا قال الله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) فالحكمة: الأمر المحكم الذي يقطع العقل بصوابه, والموعظة: ما يلامس القلب، ويستجيش الوجدان. فجاء هذا التهديد لهؤلاء المطففين، باليوم الآخر الذي ترتعد الفرائص عند ذكره , تقول فاطمة بنت   عبد الملك، زوج عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله: " كان عمر يذكر الموت وهو في فراشه، فينتفض كما ينتفض العصفور " هكذا القلب المؤمن باليوم الآخر، يردعه إيمانه عن كثير من المحرمات, والشبهات, والمكروهات, وخلاف الأولى.

وإنما سميت القيامة قيامة، لأسباب منها هذا (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) , أي أنهم يبعثون من قبورهم أحياءً، ينتصبون على أقدامهم، حفاة، عراة، غرلاً, (لرب العالمين) : يعني للوقوف بين يديه، والحساب، والجزاء الذي يفضي إلى جنة أو نار. ومن أسباب تسميتها بالقيامة، قيام الأشهاد، قال الله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ), ومن أسباب تسميتها القيامة: إقامة الموازين قال تعالى : (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) .

     الفوائد المستنبطة :

الفائدة الأولى: ذم التطفيف، وتوعد فاعليه.

الفائدة الثانية: منافاته للعدل والإنصاف.

الفائدة الثالثة: التهديد، والموعظة باليوم الآخر.

الفائدة الرابعة: إثبات البعث والقيامة الكبرى.

الفائدة الخامسة: ربوبية الله العامة (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). فالربوبية نوعان : الربوبية عامة: وهي التي تشمل جميع الخلق (الْعَالَمِينَ)، لأن (عَالَمِينَ) جمع عالم وهو كل من سوى الله من إنس, أو جن, أو طير, أو وحش, أو ملك. فالربوبية العامة معناها أن الله سبحانه وتعالى خلقهم، ورزقهم، ودبر أمورهم. وأما الربوبية الخاصة: فهي ربوبيته سبحانه وتعالى لأوليائه المؤمنين، وذلك باللطف بهم، وتيسير أمورهم، وحفظهم في دينهم، ودنياهم,ويمكن أن نضيف ربوبية خاصة الخاصة: وهي ربوبيته للأنبياء والمرسلين، وأخصهم نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن ربوبيته لهم أخص ما يكون.



التعليقات ( 0 )