• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (التكوير) [2]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29))
 (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) :(فلا أقسم) هذا التعبير كثير في كتاب الله عز وجل , كقول الله تعالى : ( لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) , ( لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) , وقد اختلف المفسرون في توجيهه , فقال بعضهم إن " لا " زائدة , والمراد : " أقسم " , وإنما نفى القسم، لكون الأمر من الوضوح والبيان، لدرجة لا يحتاج فيها إلى القسم. وهذا أبلغ. وقال بعضهم: إن معنى قوله ( لَا أُقْسِمُ ) أو( فَلَا أُقْسِم ُ) على تقدير محذوف, أي: ليس الأمر كما تظنون، ( أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) , ولا الأمر كما تظنون ( أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ). فالمنفي هو ذلك الباطل الذي يعتقدون. وبعضهم قال إن "لا" زائدة لفظاً لا معنىً ؛ يعني أنه لا يراد بها حقيقة النفي، وإنما يراد بها التأكيد.
واختلف العلماء في المرادبـ (الخنس الجوار الكنس )على ثلاثة أقوال: فقيل: المراد بها النجوم السيارة, وقيل الكواكب المعروفة,وقيل: الظباء، أو بقر الوحش. ومعنى(الخنس) التي تغيب وتطلع. ومعنى(الْجَوَار) النجوم التي تجري في فلكها، أو الظباء في فلاواتها. ومعنى(الْكُنَّسِ) : المكان الذي تختفي فيه الظباء والوحوش، أي المكانس، وهي الحجر التي تأوي إليها. وأرجح هذه الأقوال الثلاثة النجوم, وإن كان ابن جرير، رحمه الله، رجح بأن المراد كل ما يخنس، ويجري، ويدخل في كناسه، وأن كل ذلك يصلح محلاً للقسم. لكن يؤيد كونها النجوم أن النجوم أبين، وأظهر؛ يراها الناس جميعاً، وتؤيدها آية الواقعة (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) .
(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ):(إنه) أي القرآن,(رسول كريم) المراد به جبريل عليه السلام. وهذا لا يعني أن القرآن من كلام جبريل, وإنما المراد أنه مبلغ عن مرسله،  فوظيفته في هذا الأمر النقل، والتبليغ. ولهذا عرفه بأنه رسول
(ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ): (ذي العرش) هو الله سبحانه وتعالى, (مَكِينٍ) يعني: ذي مكانة، ومنزلة .
(مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (مطاع) يعني أن جبريل، عليه السلام، تطيعه الملائكة, (ثَمَّ أَمِينٍ) يعني أنه مؤتمن على الوحي. وكل هذا توثيق للرسالة.
(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ): المراد بالصاحب محمد صلى الله عليه وسلم. وإنما نفى عنه الجنون، لأنهم كانوا ينبزونه به، فبرأه الله من ذلك.
(وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ):أي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام، بالأفق المبين، وهو مطلع الشمس، أو مغربها، مكان التقاء الأرض بالسماء.
( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ):(ضنين) أي لا يبخل بالوحي، ولا يأخذ عليه أجراً. وفي قراءة أخرى(ظنين) يعني من الظِّنة، أي ليس محلاً للتهمة، والظنة. فليس بمتهم في تبليغ رسالات ربه، وفي هذا أعظم التزكية.
(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) : مما برأ الله تعالى به كلامه، أنه ليس بقول شيطان رجيم. فقد فكان من مزاعم كفار مكة أن الشياطين هي التي تلقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، وأن له رئي من الجن، يعني صاحب من الجن. والحملة الإعلامية التي كانوا يشوهون بها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يزعمون أن للنبي صلى الله عليه وسلم رئي من الجن يلقنه هذه الكلمات، كما يلقن الجن السجع للكهان. فكلام الله بريء من ذلك. وكلمة " شيطان " مشتقة من الشطن، وهو البعد وذلك، لإبعاد الله تعالى له , ومعنى (رجيم) : أي مرجوم، وملعون، ومطرود عن رحمة الله. وفي هذا أيضاً تبرئة، وتوثيق للقرآن العظيم، من أن يكون التبس به شيء، أو خالطه شيء من إلقاء الشياطين. يقول ربنا عز وجل : ( وَمَاأَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يعني أن الشياطين تحاول التلبيس على الوحي، والتأثير على النبي، بأن تدخل فيه ما ليس منه.  ووجه دلالة الآية , من قوله : ( تمنى ) يعني تلا, وليس المراد تمنى من الأماني , وإنما من الأمنية وهي، التلاوة، كما قال الشاعر :
تمنى كتاب الله أول ليلة      وآخرها لاقى حمام المقادر
ومعنى ( أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ): يعني أدخل الشيطان لفظاً في تلاوته. لكن الله عز وجل قد تكفل بعصمة الوحي، قال :( فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ). وقد روي في سبب نزولها عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة "النجم" فلما بلغ هذا الموضع: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى ) قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغَرَانيق العلى. وإن شفاعتهن ترتجى". قالوا: ما ذكر آلهَتنا بخير قبل اليوم. فسجَدَ وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. وقال ابن كثير :( ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم)
     وقد صنف فيها الشيخ ناصر الدين الألباني، رحمه الله، رسالة بعنوان " نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق " والمجانيق: جمع منجنيق : هو آلة حربية، يوضع في كفتها ثقل، ويرمى به القلاع، والحصون، فتهدم الجدران. والرسالة المذكورة، اسم على مسمى، فقد نسف هذه القصة من الناحية الحديثية. وعلى أي حال، لو قدرنا أن شيئاً مثل هذا قد وقع، بدلالة آية الحج ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ) فنقول: لو قدر أن وقع شيء من ذلك، وأدخل الشيطان في الآيات ما ليس منها، فإن الله سبحانه وتعالى يبطل هذا الدخيل، ويبقي كلامه الأصيل، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلم يبق محذور .
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ): هذا ردٌّ على القدرية الذين ينكرون القدر السابق. ورد على الجبرية الذين ينكرون مشيئة العبد. فقد أثبت الله للعباد مشيئة حقيقية، داخلة تحت مشيئته، خاضعة لإرادته.
وبهذا كانت هذه السورة العظيمة قد حققت مقاصدها الجليلة. ومن هذه المقاصد :
1.   الإيمان بالساعة واليوم الآخر .
2.   الإيمان بالقرآن وأنه كلام الله المنزل من عنده .
3.   الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
4.   إثبات مشيئة العباد وأفعالهم التي يتعلق بها الثواب والعقاب .
وهذه المقاصد العظيمة أسس الاعتقاد , تحفر في عقول المخاطبين، وتقر في قلوبهم، أن يؤمنوا بالبعث وما يجري يوم القيامة, وأن يؤمنوا بهذا القرآن الذي يتلى عليهم، وأنه ليس كلاماً كسائر الكلام, ليس من سجع الكهان، وليس من شعر الشعراء، ولا غير ذلك من كلام البشر, بل هو كلام كريم، من رب العالمين. كذلك هذا الشخص المبلغ له مزية, فهو وإن كان بشراً، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق, لكنه يوحى إليه. ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يوحى إلي) . هذه كلها مفاصل الاعتقاد , ثم ما يترتب على هذه الجمل الإيمانية، والأصول العقدية، من الأثر البالغ، وهو تعليقهم بمسئوليتهم، التي مكنهم الله تعالى فيها؛ من الأدوات، والآلات، فأثبت لهم مشيئة ، وفعلاً ، وقدرة ، واختياراً , على أساسه يترتب الثواب، والعقاب. فيا للعجب هذه السورة على قصر آياتها، كيف احتوت هذه الأصول العقدية العظيمة !
 
الفوائد المستنبطة :
الفائدة الأولى : بلاغة القرآن، وقوة تأثيره, تأمل قول الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ . وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ), لا تفي العبارات لتصوير الأثر الذي ينقدح بالنفس، من هذه الجمل الرصينة المؤثرة , فهذا مظهر لبلاغة القرآن وجزالته، لاسيما القرآن المكي .
الفائدة الثانية : إقسام الله بما شاء من مخلوقاته, فلله عز وجل أن يقسم بما شاء من مخلوقاته , لكن ليس للمخلوق أن يقسم إلا بالله عز وجل , فمن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك .
الفائدة الثالثة: التنبيه على أن مهمة جبريل، عليه السلام، هي البلاغ ، أخذاً من قوله : ( رسول ) .
الفائدة الرابعة : شرف جبريل، عليه السلام، وفضله على سائر الملائكة, حيث وصفه الله بأنه " كريم " وأنه " مطاع " وأنه " أمين " .
الفائدة الخامسة : تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم مما نبزه به المشركون بالجنون .
الفائدة السادسة : وفور عقل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن نفي الله تعالى عن نبيه الجنون يتضمن إثبات كمال ضده , فليس المقصود فقط أنه ليس بمجنون، وحسب, بل ليس بمجنون، وفوق ذلك هو وافر العقل، والرأي، والرشد .
الفائدة السابعة : ثبوت اللقيا بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين جبريل، عليه السلام، واتصال سنده برب العالمين، لقوله : (ولقد رآه بالأفق المبين).
الفائدة الثامنة : الشهادة الربانية للنبي صلى الله عليه وسلم،بكمال البلاغ, لقوله تعالى : ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) .
الفائدة التاسعة : عصمة الوحي من إلقاء الشياطين، وتلبيسهم, لقول الله تعالى : ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ) .
الفائدة العاشرة : عموم دين الإسلام للعالمين, لقوله تعالى :( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ).
الفائدة الحادية عشرة : كون القرآن ذكراً، يرفع الجهل والغفلة, لقوله : ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) .
الفائدة الثانية عشرة : إثبات مشيئة العباد وأفعالهم , لقوله تعالى : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) .
الفائدة الثالثة عشرة : الرد على الجبرية الذين ينكرون مشيئة العباد .
الفائدة الرابعة عشرة : أن التزام الدين استقامة، وتركه اعوجاج , لقوله تعالى : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) , فالمعيار في الاستقامة: موافقة الشرع، والوحي, والمعيار في الوسطية موافقة الشرع والوحي. وتجد بعض الناس يصنف الآخرين على ما يحلو له؛ فيقول: فلان متشدد ، وفلان متساهل ، وفلان متوسط بناءً على معيار غير دقيق, فإذا رأى من يلتزم بالسنن، ويحافظ على هدي النبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: فلان متشدد, سبحان الله ! هذا ليس معياراً صحيحاً ؟ بل هذا انحراف, فالمستقيم حقاً, والمتوسط حقاً، هو من وافق هدي النبي  صلى الله عليه وسلم  فإن زاد فهو متشدد , وإن نقص فهو مفرط .
الفائدة الخامسة عشرة : إثبات عموم مشيئة الله تعالى, لقوله تعالى :( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
الفائدة السادسة عشرة : الرد على القدرية, فإن غلاة القدرية، ينكرون مراتب القدر الأربع كلها، فيقولون لم يعلم، ولم يكتب، ولم يشأ، ولم يخلق أفعال العباد! ومقتصدوهم، وهم المعتزلة، قالوا: علم، وكتب, لكن لم يشأ، ولم يخلق!
الفائدة السابعة عشرة : أنه لا تنافي بين إثبات المشيئتين , لأن مشيئة الله شاملة لمشيئة العبد. والدليل على ذلك، أن العبد إذا شاء، والرب لم يشأ، لم تقع مشيئة العبد, لقوله تعالى : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ), لكن في نفس الوقت العبد له مشيئة حقيقية , ليس مضطراً, ولا مكرهاً، ولا مجبوراً, على أفعاله الاختيارية، بل يأتي الأشياء، ويذرها بمحض اختياره، وسبق إصراره. وهذا أمر مدرك؛ كل إنسان يجده من نفسه، ويفرق بين أعماله الاضطرارية، وأعماله الاختيارية, ولا ينازع في هذا إلا مخبول. فأنت تفرق بين أن تنزل من السطح إلى الأرض درجة درجة, وبين أن تتدحرج حتى تصل القاع. الأولى اختيارية , والثانية اضطرارية.
الفائدة الثامنة عشرة : كمال عدل الله، وعلمه ؛ لأن إثبات مشيئة الله العامة، تدل على إثبات علمه، لوقوع الأشياء وفق معلومه. وكونه سبحانه أعطى العبد مشيئة، وفعلاً، واختياراً، رتب عليه الثواب، والعقاب، يدل على كمال عدله . والله أعلم .
 


التعليقات ( 0 )