• ×

أ.د. أحمد القاضي

شهادة التاريخ

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السلام على من اتبع الهدى . أما بعد :
ففي سياق السجال حول مصداقية (دين الإسلام) ، واعتباره الصورة النهائية الكاملة، والصيغة المرضية ، لدين الله في الأرض، يبرز شاهد كبير، لا يمكن إغفاله، ولا تخطؤه عين منصف ، ألا وهو (التاريخ ) !
شهدت العقود الأولى التالية للفتوحات الإسلامية لبلاد الشام، والعراق، ومصر، انخراط أعدادٍ كبيرة من سكان البلاد الأصليين من أهل الكتاب، في الدين الجديد، وقد تمت عملية «إسلام» لا «أسلمة»، بشهادة المؤرخين المنصفين من غير المسلمين، ودهشتهم في نفس الوقت، وفي الدراسة المتميزة التي أعدها فيليب فارج، ويوسف كرباج، بعنوان: «المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي» يطرح الباحثان سؤالاً ملفتاً: (كيف تسنى لحفنة من الفاتحين، الذين يتميز إيمانهم بهذه الدرجة من الحمية، الفوز بولاء جماهير على هذه الدرجة من الضخامة، وعلى هذه الدرجة من البعد؟ كيف أمكن العثور في مصر، وفي الهلال الخصيب، على نقطة توازن بين الضغوط المتعارضة التي مثلها التوسع الإسلامي، والمقاومة المسيحية ؟ ) [ص:37 ]
ويعترف الباحثان بـ ( أن الإكراه عليه ـ أي اعتناق الإسلام ـ كان غائباً في أغلب الأحيان، وهو لم يحدث في تاريخ الإسلام العربي إلا بصفة استثنائية ... ومن ثم فإن جزءاً من السكان يتبنى الإسلام بسرعة، ويفوز بحكم تحوله إلى اعتناق الإسلام بالمواطنة التامة، وربما دون مكابدة قطيعة حقيقية، لأن الدين الجديد يقدم نفسه بوصفه امتداداً للمسيحية واليهودية) ص: 38.
وأياً كانت الأسباب الجانبية، فإن السبب الحقيقي والأساس يرجع إلى أمرين:
أولهما: صحة دين الإسلام ونقائه ووضوحه وشموله، وموافقته للعقل والفطرة وتصديقه لما بين يديه من الكتاب.
ثانيهما: الأوصاف الحميدة التي ذكرها الله في كتابه عن مؤمني أهل الكتاب، وخاصة النصارى، وهي:
1 - العلم: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ}.
2 - العبادة: {وَرُهْبَاناً}.
3 - التواضع: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}.
4 -  قبول الحق، ورقة الطباع: {وَإِذَا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ }.
5ـ العقل والشجاعة: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ }.
إن التغيير الهائل الذي أحدثه (الإسلام) في تاريخ البشرية ، والقبول العام بين أمم، وأقوام، وأعراق، ولغات، وثقافات، متنوعة، تمتد من أطراف الصين، شرقاً، إلى ضفاف الأطلسي، غرباً، ومن تخوم أوربا، شمالاً، إلى مجاهل أفريقيا، جنوباً، خلال فترة زمنية، وجيزة نسبياً، مائة سنةٍ فقط ! لتسترعي التفكير، وتلفت النظر، إلى السر الكامن وراء ذلك القبول، والامتداد التاريخي، والجغرافي .
إنه لا يمكن لقوةٍ مهيمنة، مهما بلغت سطوتها، أن تتمكن من استيعاب هذه الشعوب والأعراق، التي لا تمت إلى العنصر العربي، ولا إلى الجزيرة العربية، بأدنى صلة، فضلاً عن أن تدمجها في عقيدتها، بهذه السهولة والرضا. ولكن الإسلام تمكن من هذه المعادلة الصعبة، مما يشهد شهادةً ناصعة، زكية، بأنه دين الله الحق الذي لا يقبل ديناً سواه، وأنه الامتداد الطبيعي ، النقي ، لما جاء به أنبياء الله جميعاً؛ من نوح ، فإبراهيم، فموسى، فعيسى، انتهاءً بمحمد، صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً .
 


التعليقات ( 0 )