• ×

د. أحمد القاضي

نبوة محمد صلى الله عليه وسلم (3)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

السلام على من اتبع الهدى . أما بعد :

     حين بعث الله تعالى عيسى عليه السلام حمَّله بشارةً سعيدةً للبشرية، ألا وهي بعثة رسول خاتم من عند الله، لعموم البشرية . قال تعالى : ( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) الصف : 6
     وهو بذلك، عليه السلام، يكشف بشكل واضح عن الترابط الوثيق بين الرسالات السماوية، ويبين أن دين الله واحد، وإن تنوعت شرائعه، ويحيل أتباعه المؤمنين إلى هذا النبي الموعود، ليكونوا أسعد الناس به، إذا ظهر . وقد تضمنت الأناجيل المتداولة في أيديكم ، معشر النصارى، طرفاً من هذه البشارات . ومن شواهد ذلك :
     1- جاء في إنجيل «يوحنا» ما نصه: (إذا كنتم تحبوني حفظتم وصاياي، وأنا سأسأل الآب فيهب لكم مؤيِّداً آخر يكون معكم للأبد) 14/15 ـ 16، ثم قال في فقرة لاحقة من نفس الإصحاح: (ولكن المؤيِّد الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي، هو يعلمكم جميع الأشياء ويذكركم جميع ما قلته لكم) 14/26. وقد نقل الشيخ رحمت الله الهندي هذا النص عن التراجم العربية المطبوعة سنة 1821م وسنة 1831م وسنة 1844م في لندن على النحو التالي: (15 ـ إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي (16) وأنا أطلب من الآب فيعطيكم «فارقليط» آخر ليثبت معكم إلى الأبد (17) روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه لأنه مقيم عندكم، وهو ثابت فيكم (26) والفارقليط روح القدس الذي يرسله الآب باسمي، وهو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كلما قلته لكم (30) والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنوا) .
     هذا النص المنسوب إلى المسيح عليه السلام يتفق في مضمونه مع البشارة القرآنية الواردة على لسانه عليه السلام:{وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف:6 وقد كان عيسى عليه السلام يتكلم بالعبرانية، فلما كتبت الأناجيل باليونانية عبر عن المبشَّر به بلفظ «بيريكليتوس»، فلما عربت الأناجيل كتبها البعض بلفظ «الفارقليط»، وترجمها البعض بمعنى «المعزي». يقول أحمد ديدات: («أحمد» أو «محمد» المثنى عليه أو الممدوح أو المحمود (The Praised Ône) هو تقريباً ترجمة للكلمة اليونانية «بيركليتوس» (Periclytos) ؛ في إنجيل يوحنا الموجود حالياً (يوحنا 14:16؛ 15:26، 16:7) تأتي كلمة «كومفرتر» (Çomforter) في النسخة الإنجليزية (والتي تترجم في التراجم العربية بـ«المعزي») عوضاً عن الكلمة اليونانية «باراكليتوس» (paracletos) التي تعني «المحامي» أو «المؤيد» أو «الشفيع» (Âdvocate) «الذي يدعى لمساعدة أو معاونة (إنسان) آخر، الصديق، أو الولي، الودود الحنون». وهذه الترجمة مفضلة عن ترجمتها بـ«المعزي». ويؤكد علماؤنا... أن كلمة «باراكليتوس» (paracletos) تفسير خاص محرف، أو قراءة محرفة لكلمة «بيريكليتوس» (periclytos) ومعناها: المستوجب للحمد. وأنه كان في القول الأصلي لعيسى نبؤة خاصة بنبينا الكريم «أحمد» بالاسم[(402)]. وحتى لو قرأناها «باراكليت» (بارقليط أو فارقليط) (paraclte) فإنها تشير إلى النبي الكريم «المبعوث» {{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *}} [الأنبياء] وهو {{بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}} [التوبة] ... إنه من الواضح لكل الباحثين عن الحق بإخلاص أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم هو «الباراكليت» الموعود (The promised paraclete) ، أو المعزي (Çomforter) المسمى أيضاً على سبيل التخيير بالمساعد أو المعين (helper) والمحامي والمؤيد والشفيع (Âdvocate) والناصح الأمين أو المشير (Çounsellor) ... إلخ المذكور في نبؤات عيسى عليه السلام في إنجيل يوحنا) مفهوم العلاقة بين الله والبشر في الأديان السماوية: (30 ـ 33).
     2- ويزيد الأمر وضوحاً حول شخصية «الفارقليط» أو «المعزي» ومهمته ودوره، ما جاء في إنجيل يوحنا على لسان المسيح عليه السلام: (أما الآن فإني ذاهب إلى الذي أرسلني. وما من أحدٍ منكم يسألني: إلى أين تذهب؟ بل ملأ الحزن قلوبكم لأني قلت لكم هذه الأشياء. غير أني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أذهب. فإن لم أذهب لا يأتكم المؤيد. أما إذا ذهبت فأرسله إليكم وهو متى جاء أخزى العالم على الخطيئة والبر والدينونة. أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على البر فلأني ذاهب إلى الآب فلن تروني، وأما على الدينونة فلأن سيد هذا العالم قد دين. لا يزال عندي أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكن لا تطيقون الآن حملها، فمتى جاء هو، أي روح الحق، أرشدكم إلى الحق كله، لأنه لن يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بما سيحدث، سيمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم به) 16/5 ـ 14[(404)].
     وهذه البشارة بـ«المؤيد» أو «المعزي» كما في بعض الترجمات صدرت في الأيام الأخيرة من حياة المسيح عليه السلام قبل رفعه كما واضح في إنجيل يوحنا. ولعل فيها بياناً لسبب تلقيب المبشر به بـ«المعزي» أو على الأقل لترجمته بذلك. وهو أن رجاء قدومه وبعثته يزيل الكآبة التي ملأت قلوب الحواريين لفراق المسيح، فيكون في ذلك عزاء لهم. كما أن فيه دلائل قوية متعينة على إرادة النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذه البشارة منها:
     1 ـ أنه يقيم الحجة البالغة على العالم.
     2 ـ أنه يبين مقتضى الإيمان الصحيح بالمسيح عليه السلام بين الغالي فيه والجافي عنه؛ بين النصارى الذين رفعوه فوق منزلته وألهوه وادعوا بنوته لله تعالى، واليهود الذين كفروا به وزعموا أنه ابن سفاح وآذوه أشد الإيذاء وهموا بقتله. وأما هو صلّى الله عليه وسلّم فقد مجَّده، لأنه يتلقى الوحي من الله الذي أرسل كلاً منهما عليهما السلام وأداه كما سمعه.
     3 ـ أنه يجيء بالحق الكامل، والهداية التامة الشاملة الموحى بها من عند الله تعالى: (فمتى جاء هو أي روح الحق أرشدكم إلى الحق كله، لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بما سيحدث...)، قال الله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } [المائدة: 3] .
     إن نظرة منصفةً، وقراءةً واعية متجردة، لهذه النصوص وأمثالها، لتدل على الترابط الوثيق بين أنبياء الله، وأنهم حلقات متماسكة من سلسلة كريمة، هي دين الله الخالد، الذي ابتدأ بنوح، وختم بمحمد، عليهم صلوات الله وسلامه جميعاً .
 


التعليقات ( 0 )