• ×

د. أحمد القاضي

نبوة محمد صلى الله عليه وسلم (2)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

السلام على من اتبع الهدى . أما بعد :

     فقد ناداكم الله تعالى نداءًَ آخر، مفعماً بالإغراء، والموعظة المؤثرة، فقال : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل، أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير، والله على كل شيء قدير ) المائدة : 19
     لقد كانت الفترة التي أعقبت رفع المسيح عليه السلام، فترة تزيد على ستة قرون، آلت فيها البشرية ؛ منكم أهل الكتاب، فضلاً ، عن الأمم الوثنية إلى حال من الفوضى والاضطراب، لا توصف ! وكان مقتضى الحكمة الإلهية، والرحمة الربانية، أن ينقذ الله البشر من هذا المأزق ببعثة نبي جديد، لتخليصهم من التخبط العقدي، والخلقي، والاجتماعي، الذي يعانونه. فهل كانت بعثة نبي في آخر الزمان مفاجئةً لكم، مخالفةً لما في كتبكم ؟ أم كانت قضيةً متوقعةً، نطقت بها الأسفار، وبشرت بها النصوص الدينية التي بين أيديكم ؟ إليكم هذه الشواهد القطعية من العهد القديم، الذي تؤمنون به جميعاً :
 
     1- جاء في سفر التثنية: (فقال لي الرب:... سأقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك. وأجعل كلامي في فمه فيخاطبهم بكل ما آمره به) 18/17 ـ 18[(385)].
     إن لفظ «إخوتهم» يستعمل في التوراة في حق بني إسماعيل. يقول البروفسور اللاهوتي، عبد الأحد داود، معلقاً على النص السابق: ( فإذا كانت هذه الكلمات لا تنطبق على «محمد» فإنها تبقى غير متحققة ولا نافذة. فالمسيح نفسه لم يدَّعِ أبداً أنه النبي المشار إليه. حتى إن حوارييه كانوا على نفس الرأي، وأنهم يتطلعون إلى دعوة المسيح مرة ثانية لكي تتحقق النبوءة، وحتى الآن فإنه من الثابت غير المنقوض بأن «الظهور الأول للمسيح» لم يكن ليدل على ما جاء في الجملة «أقيم لهم نبياً مثلك» وكذلك فإن عودة المسيح مرةً ثانية لا تكاد تحمل معنى هذه الكلمات. وأن المسيح كما تؤمن به كنيسته سوف يظهر كقاضٍ، وليس كمقدم للتشريع؛ بينما الموعود هو الذي يجيء حاملاً «الشريعة النارية المشعة بيده اليمنى» محمد في الكتاب المقدس: (30) عبد الأحد داود. ترجمة: فهمي شما. مراجعة وتعليق: أحمد محمد الصديق. دار الضياء للنشر والتوزيع. عمّان. الطبعة الثانية) 1405هـ 1985م)..
     2- جاء في سفر التثنية أيضاً: (أقبل الرب من سيناء. وأشرق لهم من ساعير. وسطع من جبل فاران) 33/2.
     قال الشيخ رحمت الله الهندي مبيناً هذه الجمل: (فمجيئه من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى عليه السلام، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى عليه السلام، واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن؛ لأن فاران جبل من جبال مكة. وفي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في وصف حال إسماعيل عليه السلام هكذا: «20 ـ وكان الله معه، ونما وسكن في البرية وصار شاباً يرمي بالسهام، وسكن برية فاران وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر» ظهار الحق: (4/135).
     3- وجاء في سفر التكوين: (وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه. وهاأنذا أباركه وأنميه وأكثره جداً جداً، ويلد اثني عشر رئيساً. وأجعله أمة عظيمة) 17/20.
     وهذا النص يناسب دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، في القرآن: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [البقرة] . ولا ريب أن هذه الدعوة إنما تحققت ببعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأن «الأمة» المسلمة المنشودة إنما هي أمته. يقول البرفسور عبد الأحد داود: (فإذا كان «محمد» وكما هو معروف للجميع قد جاء من نسل إسماعيل، وابنه قيدار «عدنان»، ثم ظهر بعد ذلك نبياً في قفار فاران، ثم دخل مكة مع عشرة آلاف قديس «مؤمن»، وجاء بالشريعة النارية إلى شعبه، أو ليست هذه النبوءة السالفة الذكر هي التي تحققت بالحرف الواحد؟)محمد في الكتاب المقدس: (32).
     تلك بعض النصوص الواردة في العهد القديم . وفي الحلقة القادمة نورد نصوصاً من العهد الجديد، تدل على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم .
 


التعليقات ( 0 )