أ.د. أحمد القاضي

نماذج مشرقة (2)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
تعرض المؤمنون الأوائل، من السابقين إلى الإسلام، في مكة، لاضطهاد شديد من قِبَل المشركين الوثنيين. وشق ذلك على النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فأشار على المستضعفين منهم أن يهاجروا إلى بلاد الحبشة، قائلاً : ( إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه)
وفعلاً، خرج بعض المؤمنين والمؤمنات، في دفعات متوالية، حتى اجتمع في الحبشة أكثر من ثمانين منهم ، ونزلوا بخير دار، عند خير جار، آمنين على دينهم، وأنفسهم .
ولكن المشركين من أهل مكة لم يدعوا أولئك المهاجرين في دعة، بل بعثوا وفداً إلى ملك الحبشة، الملقب بـ (النجاشي) يطالبه بإعادتهم، وتسليمهم إليهم، ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى حظيرة الشرك والوثنية. وتقدم رئيسا الوفد إلى النجاشي، وسجدا له، وقدما الهدايا الفاخرة له ولحاشيته، وأخبراه أن مجموعةً خارجةً عن دينهم قد نزلوا بلاده، وطالبا بتسليمهم ! لكن الملك العادل لم يتسرع باتخاذ قرار التسليم، بل طلب مقابلة هؤلاء المؤمنين، والإصغاء إليهم .
وخاف المؤمنون من هذه المكيدة، وضاقت صدورهم، وتساءلوا ماذا هم قائلون؟ فاتفقت كلمتهم أن يشهدوا شهادة الحق التي يعتقدون، مهما كانت النتائج، وأن يمثلوا دينهم تمثيلاً صادقاً، دون مجاملةٍ، أو التواء. وانتخبوا جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناطقاً باسمهم .
وحين دخلوا مجلس الملك، سلَّموا، ولم يسجدوا ! فقيل لهم لمَ لم تسجدوا للملك؟ فقالوا: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل . فقال لهم النجاشي: وما ذاك ؟ قال جعفر: إن الله بعث إلينا رسولاً، وأمرنا ألا نسجد لأحدٍ إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، وعدَّد له شرائع الإسلام، ومكارم الأخلاق التي بعث بها . وهنا أراد رئيس وفد المشركين أن يفسد هذا العرض الشيق، ويفجر قنبلةً خطيرة تقضي على وجود هذه الفئة القليلة بين ظهراني هذه الأمة النصرانية، فقال : أيها الملك! إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم ! قال النجاشي: فما تقولون في عيسى ابن مريم ؟ قال جعفر: نقول كما قال الله، هو : كلمته، وروحه، ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر . قال النجاشي : هل معكم شيء مما جاء به نبيكم ؟ قال جعفر: نعم ، ثم تلا عليه أول سورة مريم، المتضمن قصة الحمل بالمسيح، ومولده، وتكلمه في المهد، فبكى النجاشي، حتى بلل لحيته، وبكى أساقفته، حتى بللوا أناجيلهم، حين سمعوا القصة القرآنية . وقال النجاشي، مبدياً تأثره بالقرآن: إن هذا، والذي جاء به موسى، ليخرج من مشكاة واحدة، ثم أخذ عوداً صغيراً من الأرض، وخاطب جعفر قائلاً: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود! فهمهم الأساقفة، فتوجه إليهم قائلاً: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ، والله ما يزيدون على الذي نقول في عيسى ما يساوي هذا العود. ثم التفت إلى المؤمنين، وقال : مرحباً بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد صفته في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم. انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك، لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه . وأمر بهدايا الوفد فردت إليهم، وردهم خائبين .
إن هذا الموقف المشرق، لهذا الملك العادل المؤمن، ليكشف لنا عن معاني عظيمة:
1- التجرد للحق، والإخلاص في طلبه، وقبوله ممن جاء به، كائناً من كان .
2- الشجاعة في الشهادة الإيمانية، وعدم التأثر بالضغوط والاعتبارات الخارجية، أياً كان نوعها، حتى لو ترتب عليها فوات المصالح والامتيازات الخاصة ؛ ففي بعض الروايات، أن عظماء الحبشة قالوا له : والله لئن سمعت الحبشة لتخعلنك. فقال : والله لا أقول في عيسى غير هذا أبداً .
3- الإصغاء الجميل ، والتأمل في كلام الآخرين، وفحصه فحصاً جيداً، وعدم العجلة في رده، بناءً على خلفيات سابقة .
لقد نشأت علاقة وثيقة بين هذا الملك المؤمن، وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، رغم بعد المسافات، وعدم التلاقي، حتى إن ضيوفه من المهاجرين المؤمنين، حين أرادوا الرجوع إلى جزيرة العرب، بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، جهزهم، وزودهم، وبعث معهم ممثلاً شخصياً، وقال لجعفر: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنعت لكم، وهذا صاحبي معكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، وقل له يستغفر لي. وقابل النبي الكريم هذا الطلب بالإجابة، حين بلغه جعفر، فقام وتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات، قائلاً: اللهم اغفر للنجاشي. فقال المسلمون: آمين . ثم قال جعفر لمندوب النجاشي: انطلق، فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحين توفي النجاشي، رحمه الله، نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، في اليوم الذي مات فيه، وقال : ( مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمه. فخرج بهم إلى المصلى فكبر عليه أربعاً ، صلاة الميت .
إن هذه التجربة الفريدة لتكشف أيضاً عمق أواصر الإيمان، وتخطيه حدود الزمان والمكان، وانصهار أفراده في بوتقة واحدة منسجمة، وتحدثهم بلغة مشتركة لا تفرقها العصبيات والموروثات، بل يجمعها الوعي والإيمان الخالص .


التعليقات ( 0 )