• ×

أ.د. أحمد القاضي

حقيقة عيسى عليه السلام (1)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
السلام على من اتبع الهدى . أما بعد :
لقد كان عيسى ابن مريم، عليه السلام، آية عظيمة من آيات الله ؛ آية في خلقه! وآية في ولادته! وآية فيما أجرى الله تعالى على يديه من آيات أخرى كثيرة!
كان آيةً باهرة في خلقه، حين خلقه الله تعالى من أمٍ بلا أب، لتتم به جميع صور الخلق الإلهي لبني الإنسان؛ فإن الله تعالى خلق سائر الناس من أبٍ وأم. وخلق آدم، عليه السلام، بلا أبٍ ولا أم. وخلق حواء، عليها السلام من أبٍ بلا أم. وخلق عيسى، عليه السلام، من أمٍ بلا أب.
لقد أرسل الله تعالى أشرف ملائكته، جبريل، إلى مريم بنت عمران، العذراء، الطاهرة، البتول، وهي في إحدى خلواتها، فنفخ فيها نفخةً علويةً كريمةً من خلق الله، استقرت في رحمها، وخلق منها ابنها عيسى، على غير مثالٍ سابق، سوى أبيه الأول آدم! فإن كلاً منهما قال الله له كن ! فكان .
وكان الأمر عصيباً على فتاةٍ عفيفة، شريفةٍ، طاهرة، ولدت من أبوين صالحين، وترعرعت في أكناف بيت المقدس، في عبادة، ومناجاة لله، وإعراض عن لذات الدنيا. ولكن ذلك كان ضرورياً لإحداث صدمة قوية لبني لإسرائيل، الذين صارت قلوبهم قاسيةً، وأخلاقهم جافيةً، وإيمانهم صورياً . فحين حلت اللحظة الحاسمة، وأقبلت العذراء تحمل وليدها الذي لا أب له! انهالوا عليها بالأسئلة الحادة ، المبطنة بالظنون السيئة، والتهم الفاجرة، فلم تجبهم، واكتفت بالإشارة إلى الوليد، لتقع الآية الباهرة الثانية، فإذا به ينطق بلسان فصيح، معرفاً بنفسه، بسبع عبارات، قائلاً :
1-( إني عبد الله ) ولست الله، ولا ابن الله ، ولا جزءً من الله .
2-(آتاني الكتاب) وهو الإنجيل، الذي جعله الله هدى وموعظة لبني إسرائيل.
3-( وجعلني نبيا ) فهو نبي من أعظم أنبياء الله، وبشر سوي، كسائر البشر .
4-( وجعلني مباركاً أينما كنت ) فهو مبارك أينما حلَّ، يعظ، ويعلِّم، ويمسح على المريض فيشفى، ويبرئ الأكمه، والأبرص، بل ويحيي الموتى! وكل ذلك بإذن الله وتأييده .
5-( وأوصاني بالصلاة والزكاة ) فهو قد أتى بشريعة عملية، لا مجرد معلومات نظرية. فالمؤمن لا يتبرر بمجرد إيمان نظري، بل لا بد من سلوك عملي، يدل على صدق هذا الإيمان .
6-( وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ) فقد بعث بقيمٍ خلقية رفيعة، ترعى الحقوق، وتحترم الأخرين، وتأبى العقوق والعدوان .
7-( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ) إذاً، فحياته عليه السلام، سلامٌ في سلام، كما أنه يدعو إلى السلام.
هكذا تم الإعلان الكبير، الواضح، عن شخصية هذا النبي الكريم، بهذه الصورة المدهشة، التي تخضع لها القلوب القاسية، والعقول العنيدة، فتضطرها إلى الإذعان، وتفرح بها القلوب اللينة، والفطر السوية، فتجد فيها الفرج والمخرج من عبث العابثين، وتسلط الكتبة والفريسيين، الذين تدرعوا بالدين، للوصول إلى مطامعهم الشخصية، فأفسدوا الدنيا والدين .


التعليقات ( 0 )