• ×

د. أحمد القاضي

( الإيمان قيد الفتك )

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن من صور التلاحم بين العقيدة والحياة، صون العقيدة لحرمة الحياة، وتعظيمها للدماء، وتشنيعها للقتل والإفناء . كيف لا ! والحياة هبة من الله لمن شاء أن يستخلفه في أرضه، ويستعمره فيها، ليعبده وحده، ويتبع هداه .

ومن هنا، كان الاستخفاف بالدماء، وإزهاق الأرواح بغير حق، خرقٌ واضح لحكمة الخلق، وتفويت لمقاصد الشريعة، وعدوان على الإنسان .

وقد جرى في غضون الأسبوع المنصرم، جريمة نكراء، اهتزت لها قلوب الآدميين عامة، والمؤمنين خاصة، حين هاجم شخصان مجهولان رفقةً من المسافرين الفرنسيين، في طريق صحراوي، فأرديا أربعةً من الرجال قتلى، يتشحطون في دمائهم بين نسائهم وأطفالهم ! ثم يتبين أن المغدورين مسلمون متجهون للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مواصلون لأداء العمرة، والصلاة في بيت الله الحرام !!

لقد كانت صدمةً هائلةً للنفوس السوية، ذات العقيدة النقية، وهي ترى جنائز هؤلاء الرجال القادمين من بلادٍ غير إسلامية، تزهق أرواحهم بدم بارد، قرب آمَنِ البقاع، وأعظمها حرمةً عند الله تعالى، وتتسائل : بأي ذنبٍ قتلت، وبأي مسوغٍ أعوج أهدرت ؟! وأياً كانت الدوافع، فلا نستبق التحقيقات، فإن التوصيف الشرعي لهذه الجريمة النكراء، أنها (قتل عمد) ، و(حرابة) و (قطع طريق) . قال تعالى: ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)  فرتَّب سبحانه على هذه الجريمة خمس عقوبات رهيبة ؛ جهنم، والخلود فيها، وحلول الغضب عليه، واللعنة، والعذاب العظيم .

إن العقيدة الصحيحة تنشئ في نفس معتنقها حرجاً بالغاً، وحرمةً جليلة للدماء. ففي الحديث الصحيح: ( لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ) رواه البخاري. وقال: ( لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما فإذا أصاب دما حراما بلح ) رواه أبو داود. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ( إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حل ). وقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة الأمن الاجتماعي، بجميع صوره، في خطبة حجة الوداع، في يوم عرفة، وبين يديه مائة ألفٍ أو يزيدون، في إعلان عالمي إيماني لحقوق الإنسان، حين قال : ( إن دماءكم، وأموالكم، حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة ) رواه مسلم.

بل إن العقيدة الصحيحة لتعطي الحياة ضمانات أعلى من مجرد ضرورة حفظ النفس، فتجرِّم التهديد، ولو بمجرد الإشارة ؛ فعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا) رواه البخاري. وعن أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار) رواه البخاري. قال ابن العربي: (إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن، فكيف الذي يصيب بها؟ ) فتح الباري:13/32، وتحرِّم الأذى الجسدي، ولو كان مجرد خدش؛ فعن جابر أن رجلاً مرَّ في المسجد بأسهم قد بدا نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها، لا يخدش مسلما. رواه البخاري. وعن أبي موسى عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: ( إذا مر أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا، ومعه نبل، فليمسك على نصالها، أو قال: فليقبض بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء) رواه البخاري. بل ترتقي العقيدة في رعايتها لحرمة المؤمن، إلى تحقيق الأمن النفسي للأفراد، فضلاً عن سائر المجتمع؛ ففي الحديث: ( لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً ) رواه أبو داود .

ثم إن العقيدة الحقَّة، التي ترعى حرمة الحياة المستحقَّة، تمد رواقها الآمن، لتضفيه على من أوى إلى دار الإسلام، ومُنح عهدهم وذمتهم. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة) رواه البخاري.وقال:(إني لا أخيس بالعهد،ولا أحبس البرد) رواه أبو داود والنسائي وقال : ( الإيمان قيد الفتك ؛ لا يفتك مؤمن ) رواه أبو داود ..

 

 



التعليقات ( 0 )