أ.د. أحمد القاضي

يا أهل الكتاب

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

السلام على من اتبع الهدى . أما بعد :

     فهذا نداءٌ مخلص إلى كل من آمن بالله، خالق الأرض والسماوات. إلى كل من آمن بأنبيائه السابقين: نوح ، وإبراهيم ، وموسى، وعيسى، ومحمد ، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين . إلى كل من آمن بما أنزل الله من كتاب؛ التوراة والإنجيل والقرآن، وما أنزل إلى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وما أوتي موسى، وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم .
     نتوجه إليكم معشر ( أهل الكتاب )، أفراداً، وجماعات، بهذا النداء المخلص، البريء من كل غرض دنيوي، ومن كل مشاحنة لفظية، قائلين لكم : ( تعالوا !) .
     هكذا أمرنا ربنا أن نخاطبكم :
أولاً : بوصفكم ( أهل الكتاب ) فلستم كسائر الأمم من الوثنيين (الذين لا يعلمون) . بل أنتم ورثة الكتابين : (التوراة) و(الإنجيل) اللذين نؤمن بهما، كما نؤمن بالقرآن .
ثانياً : أن نخاطبكم بالحكمة، والموعظة الحسنة، ولا نجادلكم إلا بالتي هي أحسن .

     فبيننا، وبينكم رحمٌ مشترك، وقضايا متفق عليها، أمرنا ربنا أن نعلنها، ونجهر بها، لتكون قاعدة للانطلاق فيما نختلف فيه . قال ربنا : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [العنكبوت 29/46]

     وقد ورد ذكركم في كتابنا، بوصفكم ( أهل الكتاب ) إحدى ثلاثين مرة، ومثل هذا العدد بلفظ: (أوتوا الكتاب)، أو: (آتيناهم الكتاب) ونحوها، وفي أربعة مواضع بلفظ الميراث، مثل: ( أورثوا الكتاب ). فهذه ستة وستون موضعاً! فضلاً عن عشرات المواضع التي يعبر عنكم بلفظ: ( بني إسرائيل )، أو عن بعضكم بلفظ: ( اليهود )، أو ( النصارى ) . إن ذلكم يدل، بلا ريب، على العناية التامة التي أولاها ديننا إياكم، وألزمنا، نحن المسلمين، أن نحذو حذوها، وننسج على منوالها .
     ومن هذا المنطلق الإيماني، الإنساني، المخلص، المتجرد من كل عصبية أو هوى، نتقدم إليكم معشر أهل الكتاب بهذه السلسلة من المقالات المستوحاة من نداءات القرآن لكم ، آملين أن تقرؤوها بتأمل، ووعي، واهتمام، علَّنا نصل وإياكم إلى (كلمةٍ سواء)، مبنيةٍ على الوضوح، والشفافية، والمناقشة العلمية الصحيحة، بعيدة عن أجواء التشنج والاستفزاز. 
     ولأجل ذا شعر أسلافنا من المؤمنين الأوائل بتعاطفٍ مع أسلافكم، حين اقتتل الروم النصارى مع الفرس الوثنيين، فبشرهم الله بالنصر والفرح، فقال: ( الم. غُلِبَتْ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) [الروم : 1-5]
     ولأجل ذا ميزكم الله عن سائر الطوائف والملل، وخصكم بأحكام لا يشارككم فيها أحد عند أهل الإسلام؛ منها حل ذبائحكم، وحل المحصنات من نسائكم ، فقال : ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) [المائدة : 5]
 


التعليقات ( 0 )