• ×

د. أحمد القاضي

سورة (عبس) [2]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)
( كَلَّا إِنَّهَا ترذْكِرَةٌ ) : ( كلا ) كلمة ردع، وزجر, ولعلها لم تقل لنبينا صلى الله عليه وسلم في القرآن كله إلا في هذا الموضع, والمشار إليه في قوله ( إنها ) إما هذه الواقعة التي جرت، ففيها تذكرة. وإما أن المراد بذلك هذه الآيات التي تلوناها وأنزلناها, وهذا أقرب لدلالة ما بعدها .
( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ) : يعني فمن أراد أن يتعظ، ويدَّكر، فهاهي بين يديه. قال بعضهم: إن مرجع الضمير في قوله " فمن شاء ذكره " إلى الله عز وجل, ولكن الأليق بالسياق أن يكون المراد هذه الآيات، بدلالة ما بعدها، لأنه قال : ( فمن شاء ذكره , في صحف مكرمة , مرفوعة مطهرة , بأيدي سفرة , كرامٍ بررة ), إذاً، هذه التذكرة هي هذه الآيات المتلوة، التي حفظت هذه الواقعة, وبهذا نجمع بين القولين.
( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ  ) : أي القرآن المتلو, في صحف مكرمة، يعني أنه مكتوب في صحف كريمة، شريفة .
( مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ) : أي في منزلة عالية، رفيعة، بعيدة عن الدنس .
( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) : قيل إن السفرة هم كتبة المصحف، يعني القراء. وإلى هذا ذهب قتادة، رحمه الله، فقال: إن السفرة هم اللذين يكتبون هذه الأسفار، وهم كتبة الوحي، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي القراء من الصحابة الذين يحفظون القرآن في السطور، وفي الصدور. وذهب ابن عباس، رضي الله عنهما، في الرواية المشهورة عنه، إلى أن المراد بالسفرة الملائكة, وربما روي من طريق آخر عنه أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , وهي رواية قتادة عنه, والرواية الأخرى المقدمة، هي رواية العوفي عنه. وإنما سمي الملائكة سفرة، لأنهم سفراء بين الله وبين أنبيائه، والأقرب أن المراد بالسفرة الملائكة .
ووصفت هذه الصحف بأنها (مكرمة) و (مرفوعة) و (مطهرة)  لأنها صحف الملائكة التي يستنسخون بها الوحي ويكتبونه فيها. فلا شك أن ما بأيدي الملائكة رفيع القدر، بعيد عن الدنس.
( كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) : وصف الله تعالى الملائكة بوصفين : ( كرام بررة ), كما قال في الآية الأخرى : ( كراماً كاتبين ) والكريم هو الشريف, وأصل البر ما دل على كثرة الخير , فالبار هو كثير الخير. ولهذا سمي البَر بَراً لسعته وكثرته. وقد وصف الله عباده الصالحين بأنهم أبرار , ولم يصفهم بأنهم بررة, كما قال الله تعالى : (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) , أما الملائكة فقد وصفوا بأنهم بررة، لكثرة طاعتهم لله، قال الله عز وجل : ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) , (لا يسئمون ) , (لايستحسرون ) , وقال : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) عليهم صلوات الله وسلامه , وفي هذا ملحظ لطيف، ذكره الحافظ ابن كثير، رحمه الله، وهو أنه ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله، وأقواله، على السداد، والرشاد. فإذا كان الملائكة، سفراء الله إلى أنبيائه، الذين يحملون الصحف المكرمة، المرفوعة، المطهرة، هذا وصفهم " كرام بررة "، فينبغي لحامل القرآن من عباد الله، أن يكون على طريق الرشاد، وعلى سبيل السداد ؛ احتراماً، وصوناً لهذا للكلام الذي بين جنبيه.
( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ  ) : هذا دعاء من الله عز وجل على الإنسان. ولا يستقيم في هذا المقام أن نقول جنس الإنسان, بل ينبغي أن نخصه بالكافر. وقد لاحظ ابن عاشور، رحمه الله، أن ذكر الإنسان في القرآن المكي، غالباً ما يراد به الإنسان الكافر , كما في قول الله تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ).
وقوله ( قتل ) هذا دعاء على الكافر بالقتل. والدعاء عليه بالقتل المراد به اللعن، لأن ذلك طرد، وإبعاد له عن رحمة الله.  
وقوله : ( ما أكفره ) تحتمل (ما) معنيين :
أن تكون تعجبية : أي ما أشد كفره, فالله خلقه، ورزقه، وأعده، وأمده، ثم يكفر به ! أو تكون استفهامية : يعني أي شيء أكفره ؟ لماذا كفر ؟ وكأنها تعجبية أوقع .
( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) : هذا الاستفهام للتقرير ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعلم, والمراد ما أصل خلقه ؟ .
( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه ُ) : والمراد هنا: من سوى آدم عليه السلام , لأن آدم عليه السلام خلق من قبضة من تراب, والمراد بالنطفة: هو نطف المني ودفقته. هذا أصل خلق الإنسان, ما يقذفه الرجل في رحم الأنثى، يكون منتن الريح، يستحي من ذكره. وقد جاء العلم الحديث ليبين أن حال الإنسان أحقر حتى مما كان يفهم من مجرد الصورة الظاهرة للنطفة؛ فالإنسان يخلق من خلية لا ترى إلا بالمجاهر الدقيقة, فهذه النطفة، أو القذفة المنوية، تحتوي على ملايين الحيوانات المنوية. فتأمل بداية  خلق الإنسان ! فما الذي يجعله يشمخ بأنفه، ويتعالى على ربه، ويستنكف عن عبادته ؟
 ( فقدره ) بعد أن خلقه، أمده، وأعده, أعطاه الآلات، والأدواتن التي يقدر فيها على الفعل، والكسبنوالحرث، والضرب في الأرض .
( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) : قيل في معنى ( السبيل ) قولان :
 إما أن المراد بالسبيل: طريق خروجه من بطن أمه. وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا الأمر مدهش ! هذا الجنين الذي احتواه الرحم تسعة أشهر، يسهل الله تعالى مخرجه من هذه المخارج الضيقة ! ويجري من التغيرات العضوية على الرحم، ومخرج الولد، ما يجعله يتسع، ليخرج منه هذا الكائن.
 وقيل أن المراد بالسبيل: هو طريق الحق أو الباطل. ومعنى ( يسره) أي مهد له ذلك السبيل، وبين له الخير من الشر، كما قال في الآية الأخرى : ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً). فهذه الآية تؤيد المعنى الآخر، وإلى هذا ذهب مجاهد، رحمه الله، ويشهد له قول الله عز وجل : ( وهديناه النجدين ) يعني الطريقين؛ طريق الخير، وطريق الشر. ولا مانع من حمل الآية على المعنيين؛ لأنه لا تعارض بينهما.
( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) : يعني بعد أن طوى هذا العمر، سالكاً طريق الخير، أو الشر، أماته , لأن الله تعالى قضى بالموت على كل حي، حتى ملك الموت يموت , فلا يبقى إلا الله الواحد القهار. والموت أمر وجودي، كما قال الله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ) فالموت إذاً أمر وجودي لأنه مخلوق. ومعنى ( أقبره ) أي أمر بدفنه ؛  وفي اللغة يقال " قابر " ويقال  " مُقبر " فالقابر هو الذي يباشر الدفن, والمُقبر هو الذي يأمر بالدفن. فهنا قال: ( فأقبره ), ولم يقل " فقبره ". والدفن سنة كونية، ولهذا لما قتل ابن آدم الأول أخاه ( بعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من    النادمين ) , فلم يزل بنو آدم  يقبرون موتاهم، إلا من طمسه الله عز وجل، من الذين يحرقون الموتى, لكنهم بعد إحراقهم للموتى يدفنون رمادهم .
( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) : أي بعثه وأحياه بعد موته. وقوله ( إذا شاء ) ليس المراد أنه قد يشاء أن ينشره، وقد لا يشاء ذلك؛ لأنه لابد من البعث, وإنما المراد زمن بعثه، يعني إذا شاء أن ينشره أنشره في الوقت المعين.
ولو تأملنا في هذه الآيات، لوجدنا أن العطف يقع تارة " بثم "  وتارة " بالفاء " فمن الناحية البلاغية، سنجد أن العطف جاء " بالفاء " فيما يقصد به التعقيب المباشر ,       و " بثم " فيما يفصله عما قبله تراخي , قال ( من نطفة خلقه فقدره ) أعطاه الآلات التي يقدر فيها على قضاء مصالحه, بعد ذلك قال: ( ثم السبيل يسره ) لأنه جرى بعد ذلك فاصل، سواء على القول الأول أنه خروجه من رحم أمه؛ لأنه أخذ يترقى في الخلقن من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى أن كسا العظام لحماً , فأتى " بثم " لوجود فاصل زمني , أو على القول الثاني أنه الخير، والشر، بأن يمضي عليه سنوات حتى يصبح مكلفاً، فهذا فاصل زمني يناسب أن يأتي بعده " بثم ". ثم قال ( ثم أماته )، لأنه قد عاش ردحاً من الزمن، فناسب أن يأتي " بثم " التي تدل على تراخ وفاصل طويل , ثم قال: ( فأقبره ) أتى " بالفاء " لأن الفاصل بين الموت والدفن فاصل قصير. ثم قال: (ثم إذا شاء أنشره ) أتى " بثم " لأن بين موت الإنسان وبعثه زمن طويل . فتأمل!
( كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) : أي ليس الأمر كما يظن ذلك الكافر المنكر للبعث، أنه أدى ما عليه، وأنه لا شيء عليه، وغير ذلك , كلا! فإنه لم يؤد حق الله الذي افترضه عليه .
الفوائد المستنبطة :
الأولى: وصف القرءان بالتذكرة .
الثانية : إثبات مشيئة العباد، وأفعالهم (  فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ), وفي هذا رد على الجبرية الذين يسلبون العبد مشيئته، وفعله. فالعبد له مشيئة حقيقية , لكن مشيئته داخلة تحت مشيئة الله ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ.وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
الثالثة : كرامة كلام الله, وكرامة محله، وحملته.
الرابعة : أن القرآن كلام الله، ليس كلام الملائكة، لقوله ( سفرة ) لوصفهم بالسفارة فمهمتهم النقل فقط. ففيه الرد على المعتزلة الذين قالوا إن القرآن كلام محمد، أو جبريل، وليس كلام الله الصادر منه.
الخامسة : إثبات الملائكة، ووصفهم بالكرامة وكثرة البر
السادسة : ذم الكافر الجاحد، والتعجيب من حاله .
السابعة : بيان أصل الإنسان المهين.
الثامنة : بيان فضل الله على الإنسان قدراً، وشرعاً، أما قدراً فلقوله ( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ , ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ , ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) , وأما شرعاً فلقوله ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ) على القول إن السبيل المراد به طريق الحق والباطل .
 


التعليقات ( 0 )