• ×

د. أحمد القاضي

سورة (النازعات) [5]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ) : الطامة اسم من أسماء القيامة وهي الساعة , والمقصود بها النفخة الثانية التي يحصل بها البعث؛ بدليل ما بعدها من الآيات. وللساعة أسماء متعددة؛ عد منها القرطبي خمسين اسماً, وعد ابن كثير ثمانين. وليعلم أن الأسماء التي سماها الله تعالى, أو سماها نبيه صلى الله عليه وسلم أعلام، وأوصاف, كما أن أسماء الله الحسنى أعلام، وأوصاف, وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم أعلام، وأوصاف, وأسماء القرآن أعلام، وأوصاف, وكذلك أسماء القيامة أعلام وأوصاف؛ فهي أعلام من حيث دلالتها على ذات المسمى, وأوصاف من حيث اختصاص كل اسم منها بوصف يميزه عن غيره. فالطامة ، والصاخة ، والحاقة ، والغاشية ، والآزفة , كلها أسماء لمسمى واحد , لكن كل اسم منها يحمل دلالة خاصة؛ فالصاخة تصخ الآذان , والقارعة تقرع القلوب , والآزفة قريبة الوقوع , والطامة لأنها تطم كل هائلة سواها؛ أي تغمرها. وكل داهية دونها. ولذا سماها (الكبرى) , وما عظمه الله فلا ريب أنه عظيم .
( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ) : قيل أن هذا جواب " إذا " في قوله : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي حينئذ يتذكر الإنسان ما سعى. وقوله : ( الإنسان ) أي جنس الإنسان , من مؤمن وكافر , وقوله : ( ما سعى ) أي في الحياة الدنيا , ما قدم، وما فرط منه. قال صلى الله عليه وسلم :} كل الناس يغدو , فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها { حينما يُبعث الإنسان يوم القيامة , يمر عليه شريط الحياة التي حياها ستين سنة , أو سبعين سنة , أو تسعين سنة , أو أقل , أو أكثر , يتذكره كله، كما قال تعالى : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود أن لو بينها وبينه أمدا بعيداً ) , وكما قال تعالى في سورة الفجر : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنا له الذكرى ) هذه الذكرى لا فائدة من ورائها .
( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ) : ( برزت ) أي أظهرت , كما في الحديث الصحيح : } يؤتى بجهنم يوم القيامة، لها سبعون ألف زمام , مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها { , وهذا يدل على أنها خلق عظيم هائل، وأنه مشهد مخوف .
( فَأَمَّا مَنْ طَغَى ) : ابتدأ التقسيم , ومعنى ( طغى ) أي تجاوز ؛ لأن الطغيان معناه التجاوز , كما قال الله، عز وجل : ( إنا لمّا طغى الماء حملناكم في الجارية ) يعني لما تجاوز حده , والمقصود ( فأما من طغى ) أي تكبر , وتجبر , وعصى , وكفر .
( وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) : ( آثر ) بمعنى قدّم، وفضّل الحياة الدنيا على الآخرة, وذلك باتباع الشهوات, فلم يؤمن , ولم يستجب , وقال كما قال هؤلاء المنكرون للبعث: (أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر) , فنظرتهم هي النظرة الدنيوية المادية، التي ترى أن الذكي، والحاذق، هو الذي يعب من الحياة عباً، ويقتنص الشهوات حيث ما توفرت له، ولا يلزم نفسه بشيء . وهذه الحياة الدنيوية هي حياة من يسمون بتعبير العصر (العَلمانيين) نسبة إلى العالَم، أي الدنيا، لا نسبة إلى العِلم، كما يلفظها بعض الناس، بكسر العين . والترجمة الصحيحة لهذه اللفظة الأوروبية (الدنيويون)، يعني الذين هم بإزاء (الدينيين) أهل الدين. فهؤلاء لا يعنيهم إلا متاع الحياة الدنيا، ولا ينظرون إلا بمنظور المادة, ولا يعنيهم أمر الدين. فهؤلاء هم الذين يصدق عليهم قول الله عز وجل : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا .فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) .
( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) : ( الجحيم ) اسم من أسماء النار , وهي علم، ووصف ؛ وسميت بالجحيم لتجحمها, يعني لأنها تجحمت من شدة الإيقاد عليها، فهي سوداء مظلمة. ومعنى ( المأوى ) يعني المرجع، والمآل .
( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) : هذا هو القسم الثاني , و ( من ) بمعنى الذي, ( خاف مقام ربه ) يعني خاف المُقام بين يدي الله، عز وجل. فبين عينيه دوماً أنه سيقف بين يدي الله، ليس بينه وبينه ترجمان, فينظر أيمن منه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا عمله, ويرى النار أمامه, والله تعالى من فوقه يحاسبه، ليس بينه وبينه ترجمان، كما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم. فالمؤمن يخاف من هذا المقام بين يدي الله. وقد أثمر هذا الخوف نهي النفس عن الهوى, والمقصود بالهوى ما تهواه النفس, أي تميل إليه , وغلب استعمال الهوى على الأمر المذموم, وإلا فقد يهوى الإنسان أمراً محموداً. فهذا الموفق، نهى النفس عن الهوى. والنفس الله لها ثلاثة أحوال: تارة تكون مطمئنة , وتارة تكون أمارة , وتارة تكون لوامة . فالمقصود بقوله :( ونهى النفس ) جنس النفس الأمارة، وهي التي تأمر صاحبها بالسوء، كما قال الله، عز وجل، على لسان امرأة العزيز : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ). وعلى النقيض منها النفس المطمئنة، ذات القلب المطمئن، قال الله عز وجل : ( يأيتها النفس المطمئنة , ارجعي إلى ربك راضية مرضية , فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) نفس ساكنة، خاضعة، راضية، رضية , رضيت بالله رباً , وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً , ليس لها نزعات، وتطلعات، وميولات، وهفوات, فهي تحب ما يحب الله, وتبغض ما يبغض الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : } لا يؤمن أحدكم - يعني الإيمان الكامل - حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به { . هاتان نفسان متقابلتان. وبين هاتين النفسين، نفس تترد جيئة، وذهاباً, تارة تنزعها حالة النفس الأمارة, وتارة تنزعها حالة النفس المطمئنة, وهى التي أقسم الله تعالى بها بقوله : ( لا أقسم بيوم القيامة , ولا أقسم بالنفس اللوامة ) يعني التي تتلوم على صاحبها , والتلوم هو التلون؛ بمعنى أن لها لوناً تارة ولوناً تارة أخرى, فهي لأغلبهما. فنفوسنا في الأعم الأغلب، نسأل الله أن يصلح أحوالنا، نفوس لوامة , فإنِ الإنسان غلّب الإيمان، ووعظ نفسه، نزع إلى جانب النفس المطمئنة, وإن هو اتبع هواه، وتمنى على الله الأماني، مال إلى النفس الأمارة, فلهذا قال الله عز وجل: ( ونهى النفس عن الهوى ) , وهذا يحمل معنى المجاهدة ؛ لأن النفس تحتاج إلى مجاهدة, لابد من فقه النفس , يجب أن تعلم أن نفسك التي بين جنبيك، قد أودعها الله الخير والشر, قال سبحانه : ( ونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها ) , فنفسك ليست نفس ملَك قد تمحض للخير, وليست نفس شيطان قد تمحض للشر, بل أُلهمت فجورها وتقواها, بمعنى أنه قد أُودع فيها الاستعداد للخير، والاستعداد للشر, وهذا هو محل الابتلاء، فلأجل هذا قال الله : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) , فالمؤمن يزكي نفسه وينقيها، لا يزال يصلحها، ويتعاهدها، حتى تزكو , والكافر لا يزال يدسيها، ويخفي خيرها، حتى تخيب. ومهمة المؤمن أن يجاهد، حتى يرقى في سلم الكمالات، والمراتب العالية. ألم تروا أن الله سبحانه وتعالى قال : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) تأمل قوله : ( آتينا إبراهيم رشده ) , إذاً! عندك رشد يمكن أن تؤتاه , ويمكن ألا تؤتاه . فالموفق هو الذي يستنبط هذا الرشد في نفسه, والمحروم هو الذي يدعه مطموراً مغيباً.  لقي النبي صلى الله عليه وسلم الحصين بن معبد الخزاعي، والد عمران بن الحصين، رضي الله عنهما، قال له : } يا حصين كم تعبد ؟ قال: سبعة ؛ ستة في الأرض، وواحداً في السماء. قال: فمن الذي تعده لرغبك ورهبك ؟ يعني إذا ادلهمت الأمور، واشتد الخطب، أين يتوجه قلبك؟ قال: الذي في السماء. قال : فاعبده، ودع ما سواه فإنك إن أسلمت علمتك كلمتين { , ثم إن الحصين مضى , وبعد ذلك منّ الله عليه، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم مسلماً، وقال: يا رسول الله إنك وعدتني إن أنا أسلمت أن تعلمني كلمتين , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم , قل : " اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي "  فالموفق هو من ألهمه الله رشده، كما آتى إبراهيم رشده، وأعاذه الله من شر نفسه. في نفسك التي بين جنبيك شر , لو خرج هذا الشر ألقاك في المهالك، فأنت تسال الله أن يقمع هذا الشر, وتسأله أن يظهر هذا الخير. وما مثل ذلك، إلا كمثل بلد يوجد في أرضه نفط، ومعادن، وأحجار كريمة, فإن أهله قاموا عليه، واستنبطوا هذه الخيرات المكنونة، ازدهر البلد، وصار من الدول المتقدمة, وإن هم تركوا هذه الخيرات تحت أطباق الأرض لم ينتفعوا منها. كذلك النفس فيها من الخير المذخور، ومن الرشد ما يحتاج إلى استنباط واستخراج. فإن أنت فعلت، واستنبطته، واستخرجته، وزكيت نفسك، انتفعت دنيا، وآخرة. وإن أنت أهملته وتركته حرمت .
( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) : الجنة لا يدخلها إلا نفس طيبة، قد تخلصت وتنقت من شوائبها، وعوالقها الرديئة. والمأوى هو المرجع والمصير .
هذا تمام التقسيم، جواب عن قوله : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) يعني فإذا جاءت الطامة الكبرى انقسم الناس إلى فريقين , فريق مآله إلى الجنة وفريق مآله إلى النار .
( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) : يعني متى وقت وقوعها، وحصولها، كأنه مأخوذ من رسو السفينة , فالسفينة تمخر عباب البحر، ثم ترسو على الشاطئ .
( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ) : أي في أي شيء أنت من ذكراها, كأنه يقول: ليس هذا من شأنك , كما قال صلى الله عليه وسلم لجبريل، عليه السلام، لما سأله عن الساعة قال : } ما المسؤول عنها بأعلم من السائل { , ولما قال له أعرابي : متى الساعة ؟ قال : }ما أعددت لها؟ { , فأمر الساعة قد أخفاه الله، عز وجل، كما قال في آية الأعراف : ( لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها ) , فالساعة قد أخفاها الله , و كل ما تسمعون من دعاوى، ومزاعم، أن انتهاء العالم سيقع عام كذا، وكذا، فهو رجم بالغيب, يقول الله،عز وجل : ( قل لا يعلم من في السموات ومن في الأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ) .
( إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ) : أي أن موعدها، علمه عند ربك , فهو مما اختص الله تعالى بعلمه، كما أخبر عن ذلك في آخر سورة لقمان فقال : ( إن الله عنده علم الساعة ) .
( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) : هذه مهمتك التي ينتفع بها غيرك؛ ليس الإعلان عن موعد الساعة , وإنما النذارة من هذه الساعة , ( من يخشاها ) يعني من يخشى الساعة، هو الذي تحصل له النذارة , والنذارة: هي الإخبار بالأمر المخوف .
( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) : يعني عشية يوم، أو ضحوته، والعشية هي آخر   اليوم، والضحى أوله , كما أخبر سبحانه وتعالى في موضع آخر عنهم، فقال : ( إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً) , سبحان الله ! تمضي كل هذه السنين والعقود، فتبدوا للناظر يوم القيامة، كأنما هي عشية أو ضحاها, فيالها من موعظة بليغة !.
هذه السورة تقرع القلوب , وتوقظ النفوس الغافلة , وتحقق عقيدة الإيمان بالبعث. ففيها أبلغ رد على منكري البعث الذين زعموا أن لا بعث ، ولا نشور. فجاءت هذه الآيات العظيمة مثبتة لليوم الآخر، مؤكدة للبعث الذي أخبر به النبيصلى الله عليه وسلم . ويلاحظ التماثل، والتناظر بين سورتي النبأ و النازعات .
الفوائد :
1- أن أسماء القيامة أعلام وأوصاف .
2- هول القيامة الكبرى؛ لأن الله سماها الطامة .
3- ذكر الإنسان لسعيه بعد البعث .
4- إثبات الجنة والنار.
5- أن الجزاء من جنس العمل .
6- إثبات أفعال العباد, وترتب الثواب والعقاب عليها, مما يدل على أن للعبد فعل، ومشيئة، واختيار يؤاخذ عليه، ويثاب عليه .
7- كمال عدل الله عز وجل .
8- شؤم الطغيان، وإيثار الشهوات.
9- فضل الخوف من الله، ومجاهدة النفس.
10- تشوف الناس للعلم بالساعة.
11- اختصاص الله تعالى بعلم الساعة .
12- أن العبرة بالإعداد لها .
13- حقارة أمر الدنيا في الآخرة)


التعليقات ( 0 )