• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (النازعات) [4]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قال الله تعالى : أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
(27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
(30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ) : هذا استفهام تقريري، بغرض تنويع الخطاب لهؤلاء المنكرين للبعث. ( أأنتم ) الهمزة الأولى همزة الاستفهام , والثانية في أصل الضمير, والجواب معروفٌ سلفاً، فقد قال الله عز وجل : ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ), فالله تعالى ينعى على هؤلاء المنكرين للبعث، والمستبعدين له بقولهم ( من يحيي العظام وهي رميم ) بأن الذي خلق السموات السبع الشداد قادر على أن يعيد خلقهم، كما قال في الآية الأخرى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم/27], ففي هذا إقامة لحجة عقلية، حسية، على هؤلاء المنكرين للبعث, ويقول في الآية الأخرى : (أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم). ثم إنه سبحانه وتعالى بين كيفية خلق السماء فقال: (بناها), على الصفة التي جاءت الآيات بعدها مفسرة لها, ومعنى بناها: أي شيدها وأقامها .
( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) : ومرجع الضمير إلى السماء , والمراد بالسمك: الارتفاع. وقيل إن السمك المقصود به السقف, فما بين السماء والأرض مسافة هائلة طويلة. ومعنى سواها: أي جعلها معتدلة الأرجاء، واسعة الفناء، لا فطور فيها، ولا تفاوت . والناظر في هذه السماء يسرح طرفه في أرجائها، ويعجب من دقة خلقها، ومتانته, لا يجد فيها الإنسان أدنى ثقب , كما قال تعالى : ( فارجع البصر هل ترى من فطور ) يعني من شقوق وصدوع , ( ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) , فيكِلُّ الطرف عن العثور على مقدار ثقب إبرة في هذه السماء المحكمة. فيا لها من آية عظيمة! ولهذا ندب الله المؤمنين إلى التفكر فيها، فقال تعالى : (أفلا ينظرون إلى السماء كيف رفعت) , وهذا يدلنا على طريقة القرآن في بناء العقيدة , وهو أنه يوجه العقول والأنظار إلى مظاهر الربوبية ؛ ليحصل بذلك توحيد الإلوهية .
( وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ) : مرجع الضمير إلى أقرب مذكور وهو السماء. ومعنى ( أغطش ليلها ) أي جعل ليل السماء مظلماً. فمعنى أغطش أي أظلم. ومعنى ( وأخرج ضحاها ): أي أظهر ضحاها بنور الشمس , فالشمس إذا بدت في السماء بان الضحى, وأسفر المكان, وإذا احتجبت الشمس عن هذه السماء عادت الظلماء. وهى دورة متكررة في اليوم والليلة. كما قال تعالى: ( يكور الليل على النهار , ويكور النهار على الليل ) , وفي تعاقب الليل والنهار حكم بالغة في, يطول المقام بذكرها، لكن لا تقوم حياة الآدميين إلا بها, فلو اختل ذلك النظام لحصل اضطراب في الحياة البشرية؛ ولهذا قال الله عز وجل : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) , فحياة الإنسان , وحياة الحيوان , وحياة النبات , تتأثر بتعاقب الليل والنهار كما هو معروف, وكما كشفت عنه العلوم الحديثة، بأوضح ما يكون. ويحسن أن يكون لطالب العلم نوع اطلاع على البحوث الحديثة في علم الفلك , وفي علم الفيزياء , وفي علم وظائف الأعضاء , وفي علم النبات , وفي مختلف العلوم الحديثة ؛ لأنها تزيد المؤمن إيماناً , وإن كانت لا تزيد الكافرين إلا ضلالاً، كما قال ربنا عز وجل : ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) , فالمؤمن، صاحب القلب المفتوح تزيده هذه المكتشفات , وهذه الحقائق العلمية إيماناً بقدرة الله عز وجل , وكمال ربوبيته. وقد ألف بعض الملحدين قبل نحو خمسين سنة كتاباً سماه " الإنسان يقوم وحده "، وهو كاتب شيوعي، يريد أن يقرر أن الإنسان مستغن بنفسه , وأنه ليس بحاجة إلى إله , فألف أحد الناس كتاباً يرد به عليه بعنوان " الإنسان لا يقوم وحده ". وهذا المؤلف رجل من النصارى, لكن عنده الإيمان بالربوبية, واعتضد بالعلوم الحديثة، والكشوف العلمية، على بيان حاجة الإنسان إلى الرب, وترجمه بعض المعرَّبين باسم " العلم يدعو إلى الإيمان ". وهو كتاب مفيد، وإن كان قد مضى على تأليفه نحو نصف قرن ؛ لأنه يوقف المؤمن، ويوقف طالب العلم، على حقائق مذهلة من خلق الله عز وجل, وحكمته, ودقيق صنعه، وتدبيره في الأنفس، وفي الآفاق، مما يزيد المؤمن إيماناً .
( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) : معنى ( دحاها ) أي بسطها, وقيل : حرثها، وشقها. وها هنا إشكال مشهور، وهو ما يتعلق بترتيب خلق السموات والأرض، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة فصلت :    ( قُلْأَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) ثم قال : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) , فهذا الترتيب يدل على أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرض، ثم خلق السماء , والذي بين أيدينا ها هنا، أن الله سبحانه وتعالى ابتدأ بذكر السماء فقال : ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ   دَحَاهَا ) , فجعل ذكر الأرض بعد ذكر السماء، وهذا في ظاهره مخالف لما في سورة ( فصلت ) ! ولأجل هذا الإشكال سلك بعض المفسرين مسالك فيها نوع تكلف، وتعسف , فمنهم من قال إن معنى قوله : ( والأرض بعد ذلك ) أي قبل ذلك, ولا يخفى التأويل الشديد في هذا؛ بأن يقلب اللفظ إلى ضده , ولو شاء الله لقال قبل ذلك. وقال بعضهم، ويروى هذا عن مجاهد ( والأرض بعد ذلك ) أي مع ذلك , فجعل " بعد " بمعنى " مع ". ولكن الجواب عن هذا هو ما قاله حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: أن الخلق غير الدحو , بمعنى أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرض أولاً، ولم يدحها , ثم استوي إلى السماء فخلقها، وسواها , ثم بعد ذلك دحا الأرض. فيكون سبحانه خلق الأرض في يومين كما أخبر في سورة فصلت , لكنه خلقها في يومين من غير دحو , ثم بعد ذلك استوي إلى السماء فخلقها وسواها كما أخبر, ثم دحا الأرض بعد ذلك. وبذلك يزول الإشكال .
( أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ) : وهذا يدل على أن معنى (دحاها) أي شقها، وبسطها , فكأن هذه العملية تمت بعد خلق السماء, وهو إخراج مائها؛ بأن جعلها تتفجر ينابيع، ويجرى فيها الماء من الأنهار . وأخرج هذه النباتات الهائلة، التي تملأ الغابات، والبساتين. والمرعى. اسم لمكان الكلأ والعشب , ومرجع الضمير إلى الأرض .
( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) : لما ذكر السماء, وذكر الأرض, ذكر الجبال. والله تعالى يقرن هذه المخلوقات العظيمة في غير ما موضع. فالله تعالى قال مثلاً : ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال ) , وقال : ( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) . ومعنى ( أرساها ) أي أثبتها، وقررها في الأرض؛ حتى لا تميد، ولا تضطرب, كما قال في آية أخرى ( أن تميد بكم ) أي لئلا تميد بكم. والجبال في الحقيقة خلق عجيب؛ إذا رأى الإنسان الجبال الضخمة، الهائلة، الشاهقة، وقف متصاغراً أمام قدرة الله عز وجل, يرى هذا الخلق الهائل، العظيم، الذي يشق أجواز الفضاء بثقله، وصلابته, فيدرك ضآلة خلقه أمام هذا الخلق .
( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ  ) : هذه هي الحكمة من المظاهر الكونية التي ذكرت. ومعنى ( متاعا ) أي متعة، ومنفعة، وسخرة. فربنا، عز وجل، سخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة، وباطنة. ( ولأنعامكم ) والأنعام هي الإبل, والبقر, والغنم. وهذه الأصناف الثلاثة أكثر ما يلابس الناس؛ لعظيم منفعتها لهم؛ من حيث الركوب, والأكل, والحلب, ونحو ذلك , فالحاجة إليها ماسة. ولهذا تعلقت بها أحكام الزكاة دون غيرها من المخلوقات والبهائم .
وهذه الآيات في الواقع تكشف لنا عن طريقة القرآن العظيمة، البديعة، في ذكر ملكوت السموات والأرض, وتوظيف ذلك في الإيمان بالله، عز وجل، وترتيبه لما بعده؛ فكما أن الله عز وجل ذكر تلك الآيات في سورة النبأ, ثم عقب عليها بذكر البعث، وما يحصل يوم القيامة, صنع سبحانه وتعالى ذلك في هذه السورة فقال: ( متاعا لكم ولأنعامكم , فإذا جاءت الطامة الكبرى ) , انظر هذه النقلة ! بعد أن ملء قلوبهم، وأبصارهم، بهذه الصور، والمعاني , صاروا الآن مهيئين لإلقاء الحجة الثقيلة عليهم, لأنهم ينكرون البعث. إذاً هذا الخلق البديع، لم يخلقه الله عبثاً, ولن يذهب سدىً, خلق السموات والأرض بالحق, وتمام الحق بالفصل الثاني الذي يقع بعد الطامة الكبرى, فإن أفعاله سبحانه كلها معللة محكمة .
الفوائد :
1- الاستدلال على الأخف بالأشد , وذلك في قوله تعالى : ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء ) .
2- بيان دليل من دلائل البعث، والرد على المنكرين, وذلك في قوله تعالى : (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) , فإذا كان الله، سبحانه وتعالى، خلق السموات والأرض على عظمهما, فمن باب أولى، وأحرى أن يعيد خلق الإنسان .
3- بديع خلق السموات والأرض .
4- تسخير الله للمخلوقات؛ متاعاً لبني آدم , كما قال الله تعالى : ( متاعاً لكم ولأنعامكم ) .
5- أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل .
 


التعليقات ( 0 )