• ×

د. أحمد القاضي

سورة (النازعات) [3]

د. أحمد القاضي

 0  0  2.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

( هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) : ما أجمل التعبير القرآني وألذه , وما أحسن سبكه ونظمه، حينما ينتقل من أسلوب إلى أسلوب , فقد أتى بطريقة الاستفهام، لتنبيه الأفهام، ولفت الأنظار. والمخاطب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وما من قصة جرى تكرارها في القرآن، كقصة موسى ! كثيراً ما يذكر الله عز وجل، قصة موسى، عليه السلام، في القرآن، ويعرضها بصور متنوعة. وسر ذلك، والله أعلم،  ما تضمنته قصة موسى عليه السلام من المواقف الجليلة، والعبر العظيمة ، ولتشابه حال موسى، عليه السلام، بحال محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن موسى عليه السلام أخرج أمته من الكفر، والظلم، والبغي, وأسس دولة كما محمد صلى الله عليه وسلم. ولأن اليهود كانوا شوكة في جنب المسلمين في المدينة، فأراد الله أن يبين حالهم، وأخلاقهم، وصنيعهم مع نبيهم.

وها هنا إشكال ! قد يقول قائل : أليس الله تعالى ذكر ما يدل على أن قصة يوسف أحسن القصص؛  فإنه قال بين يدي سورة يوسف : (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القران وإن كنت من قبله لمن الغافلين), فلم لم يقع تكراررها، كما تكررت قصة موسى؟

والجواب: أن قصة يوسف، عليه السلام، قصة من القصص, وقصص غيره من الأنبياء أعظم فائدة , فإن أنباء الرسل، وما جرى بينهم وبين أقوامهم من المسائل حول الكفر والإيمان، أكثر أهمية من قصة يوسف عليه السلام.  فلا يلزم أن يكون هذا الاستهلال في أول سورة يوسف خاصاً بتلك القصة, وإنما هو وصف لقصص القرآن جميعاً, لكن، لما كانت هذه السورة من أولها إلى آخرها قصة، ناسب ذكر ذلك في أولها. وربما يقال : أنه أتى بهذا التعبير " أحسن القصص " بين يدي قصة يوسف، لأنها من الناحية القصصية البحتة، فيها ما ليس في غيرها من السور, من عنصر المفاجأة, والتنقل من حال إلى حال, ومن نعمة إلى نقمة, ومن نقمة إلى نعمة, ومن منحة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن عز إلى ذل, ومن ذلً إلى عز. ففي هذا التنوع، من الناحية القصصية الفنية البحتة ما ليس في سواها من القصص.

(إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) : لم يسق سبحانه جميع قصة موسى هنا, وإنما ذكر سبحانه موقفاً هاماً، مؤثراً، عظيماً، جليلاً, وهو تكليم الله له تعالى له دون واسطة . فإن موسى، عليه السلام، لما سار بأهله من صحراء مدين، وقارب الطور، آنس ناراً فقصدها, فلما اقترب من النار كلمه الله عز وجل. فكان هذا الموقف بالنسبة لموسى أشرف موقف، ولا ريب.

( إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ ) : والمناداة هي الصوت لمن بعُد , كما أن المناجاة هي الصوت لمن قرب, ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً ) فالمناجاة للقريب، والمناداة للبعيد.

( بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) : المقدس: المطهر, واسمه طوى , هكذا رجح ابن كثير، رحمه الله، وغيره. وقيل : أنه بمعنى طء , يعني أمر لموسى بالوطء، والسير عليه. وقيل: معنى طوى : الذي طويته, أي طويته يا موسى وسرت فيه. وقيل : أن طوى: بمعنى مرتين , يعني: إذ ناده ربه بالواد المقدس مرتين, وكأنه قصد بالمرتين المناداة، والمناجاة, فصارت الأقوال في معنى " طوى " أربعة، أقربها أنها اسم للوادي .

( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ) : هذا هو نص النداء، نص تكليم الرب لموسى الكليم. وفرعون لقب يطلق على من ملك مصر من أهلها. وفي سورة يوسف سمى الله صاحب مصر ملكاً فقال: ( وقال الملك أتوني به ). وفي هذا إشارة إلى أن ملوك مصر زمن يوسف، عليه السلام، غير الفراعنة، وهم (الهكسوس). وهؤلاء (الهكسوس) قبائل أغارت على مصر في فترة معينة، إبَّان حكم الأسر الفرعونية المتعاقبة. أما في زمن موسى، عليه السلام، فقد عاد الفراعنة إلى ملك مصر . والمقصود أن (فرعون) لقب لمن ملك مصر، كما أن (كسرى) لقب لمن ملك الفرس, و(قيصر) لقب لمن ملك الروم , و(المقوقس) لقب لمن ملك القبط, و(النجاشي) لقب لمن ملك الحبشة , و(الخاقان) لقب لمن ملك الترك, وهكذا .

( إِنَّهُ طَغَى ) : أي تجاوز الحد وتمرد وتجبر، قبحه الله،  فكان يقتل أبناء بني إسرائيل, ويستحيي نسائهم. وبلغ به الأمر أن خرج على قومه مرة بصورة المجتهد، المستفرغ لطاقته، واجتهاده، ونصحه، قائلاً : (ما علمت لكم من إله غيري)!

( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) : انظر هذا التلطف في الدعوة! لم يقل له: زكِّ نفسك! بصيغة الأمر, وإنما تلطف في الأسلوب فقال له : ( هل لك ) يعني: أدعوك، وأعرض عليك (أن تزكى). والتزكية تعني التطهر، بتنقية النفس من شوائب الشرك, والغل, والأخلاق الرذيلة, والتصرفات القبيحة .

( وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) : وهذا لون آخر في التلطف, فإنه وضع نفسه بموضع الهادي، والدليل كأنما يقول: أنا كالذي يمشي بين يديك, والدليل الذي يدلك على الدرب. وهذا من التواضع في الدعوة لأنه يخاطب ذا سلطان, ومعلوم أن الخطاب لأصحاب المقامات، والوجاهات، ليس كالخطاب لآحاد الناس, فينبغي أن ينزل الناس منازلهم. ويقال إن واعظاً دخل على أحد الخلفاء، فوعظه موعظة جافة, فيها غلظة, فقال له الخليفة : يا هذا! إن الله قد بعث من هو خير منك, إلى من هو شر مني, فقال : ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ), ولا ريب أن الله تعالى يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف .

 وفي قوله: (إلى ربك ) تلطف أيضاً؛ حيث ذكَّره بربوبية الله له. وقوله: (فتخشى): أي يثمر ذلك لك خشية، وينقشع ما في قلبك من قسوة وغلظة.

( فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ): عرض عليه أن يريه آية، قال: ( فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) يعني: ألقى عصاه، فاستحال حيةً حقيقية، وأدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، فإذا هي تبرق بيضاء، من غير سوء! آيتان عظيمتان، باهرتان، حتى إنه أرتج على فرعون, وأخذ يخبط في التهم. ومعنى ( الآية الكبرى ) أي العلامة الباهرة .

( فَكَذَّبَ وَعَصَى ) : يعني: ومع أنه تحدى، ولم يصمد أمام التحدي , فقد كذب وعصى .

(  ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ) : وفوق ذلك، ما ترك الأمر مغلقاً، بل أدبر يسعى سعياً حثيثاً في الصد.

(  فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) : أي جمع الناس، وأعلن قائلاً : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) يعني زاده ظهور الحق إصراراً على الباطل, حتى إنه قال لهامان، وزيره: (ابن لي صرحاً لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً ) وغير ذلك من صنوف الطغيان.

( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ) : اختلف المفسرون في هذا، فقيل : أن المراد بالآخرة: آخر كلامه, والأولى أول كلامه, فآخر كلامه  " أنا ربكم الأعلى" , وأول كلامه  "ما علمت لكم من إله غيري" , وقيل : أن المراد بالآخرة والأولى: الآخرة، والدنيا. فالله تعالى أذاقه عذاب الدنيا, وعذاب الآخرة؛ عذاب الدنيا بالغرق, ومن قبل الغرق الطوفان, والجراد, والقمل, والضفادع, والدم, وأما في الآخرة، فلا يخفى : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ؛ وإنما قدم الآخرة لأنها أشد, وقيل في تفسير الآخرة والأولى: يعني أول عمله، وآخره , وهو قريب من المعنى الأول .

( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) : أي موعظة، وتوقظة، لمن في قلبه خشية, لأن الآيات، والمواعظ لا ينتفع بها إلا أهل الخشية .

فالمعنى الإجمالي لهذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يضرب مثلاً للكافرين، المنكرين للبعث، بقصة جبار من الجبابرة الظالمين, وكيف كانت نهايته, فذكَّر الله تعالى بقصة موسى، عليه السلام، حينما أمره ربه أن يقصد فرعون بسبب طغيانه، وجبروته، وتمرده, وأن يعرض عليه مشروع الإيمان، وطريق الهدى، والخشية، والتزكية, فركب رأسه وأبى, وبالغ في إنكاره، وجبروته، وكفره، فادعى الربوبية، بعد أن كان قد ادعى الإلوهية . فكان من شأنه، أن أذله الله تعالى، وأخزاه خزياً ما بعده خزي, فأهلكه الله بألطف الأشياء وهو الماء, فأغرقه فيه, ثم يوم القيامة يحرقه بالنار. وفي هذا عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فلينتبه هؤلاء المشركون، المنكرون للبعث، الذين يظنون أنهم إنما يمتعون في هذه الدنيا، ثم ينتهي كل شيء.

الفوائد المستنبطة :

الفائدة الأولى : عناية القرآن بقصة موسى، عليه السلام، وكثرة تكرارها، وتنوع عرضها .

الفائدة الثانية : إثبات صفة الكلام لله، سبحانه، بصفة المناداة, فهو يتكلم متى شاء كيف شاء بما شاء.

الفائدة الثالثة : أن كلام الله، عز وجل، متعلق بمشيئته؛ لأنه قال : ( هل أتاك حديث موسى , إذ ناداه) , و (إذ) تدل على ظرفية زمنية, فهذا يدل على أن الله يتكلم متى شاء، خلافاً للأشاعرة ، والكلابية، والسالمية ، وغيرهم من فرق الصفاتية، الذين يقولون إن كلامه هو المعنى القديم القائم في ذاته، وليس من صفاته الفعلية, بينما يعتقد أهل السنة إن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد, فهو قديم النوع بمعنى أن الكلام صفة ذاتية له باعتبار أصله , ولكنه يتجدد باعتبار آحاده، وأفراده .

الفائدة الرابعة : فضل موسى، عليه السلام. ولهذا يقال: موسى الكليم .

الفائدة الخامسة : فضل وادي طوى وشرفه ؛ لأن الله طهره فقال : ( بالواد المقدس طوى ) .

الفائدة السادسة : قبح الطغيان وفاعله , ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) , فالطغيان مرذول، مذموم.

الفائدة السابعة : التلطف في الدعوة, لاسيما مع أهل السلطان , فلكل مقام مقال.

الفائدة الثامنة : بيان غاية الدعوة وثمرتها, (فقل هل لك إلى أن تزكى , وأهديك إلى ربك فتخشى), إذاً غاية الدعوة التزكية, وثمرتها الخشية ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ), إذا أردت أن تقيس حالك فانظر خشية الله في قلبك. العالمون بالله حقاً هم أهل الخشية. لا تنظر إلى ما عندك من كتب, ودفاتر, بل انظر إلى ما في قلبك, فإن كان قلبك مخبتاً، خاشعاً لله عز وجل, فأنت من أهل العلم؛ لأن الخشية ثمرة هذا العلم. وإلا لا فائدة من كثرة المرويات, والمحفوظات، مع قسوة في القلب. وليس في هذا تقليل من أهمية التحصيل, ولكن على طالب العلم أن يوظف علمه في خشية الله, فإن العلم النافع، هو الذي يورث الخشية .

الفائدة التاسعة : تأييد الله تعالى لأنبيائه بالآيات, التي يسميها بعض العلماء المعجزات. فلما علم الله تعالى، أن من الناس من لا يستجيب إلا بآية ظاهرة، خارقة للعادة, أجرى على أيدي رسله هذه الآيات , ولم يكلهم فقط إلى مضمون الدعوة, بل نوَّع دلائل النبوة. وأعظم الأنبياء آية هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح ( ما من نبي إلا وقد أتاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر , وإنما كان الذي أوتيته قرآن يتلى ), فأعظم آيات نبينا، صلى الله عليه وسلم،القرآن العظيم, آية خالدة , وها نحن نقرأ هذه الآيات العظيمة فنعجب، وننبهر، ونندهش من تأثيرها, ومعانيها, وحكمها.

الفائدة العاشرة : غلظ كفر فرعون, وشدة عناده. ولا يعلم أحد من البشر اشتهر بإنكار الربوبية مثل فرعون, فإنه أنكر ربوبية الله، وادعاها لنفسه, أنكرها بقوله : (وما رب العالمين), وادعاها لنفسه في قوله: (أنا ربكم الأعلى) , فلذلك صار مضرب المثل في الكفر، الجبروت، والإلحاد .

الفائدة الحادية عشرة : شدة أخذ الله للظالم الطاغي, ( إن أخذه أليم شديد ).

الفائدة الثانية عشرة : وجوب الاعتبار, والاتعاظ بمصارع الظالمين, ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) .

الفائدة الثالثة عشرة : أن الخشية سبب الانتفاع بالمواعظ, لأن صاحب القلب القاسي مهما رأى, ومهما سمع, ومهما وقع له, مقفل على قلبه, أما صاحب القلب اليقظ الواعي , الذي تسري فيه نسائم الخشية يتأثر, تأمل في حال أهل العلم النافع: ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً , ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً , ويخرون للأذقان يبكون , ويزيدهم خشوعاً ) , ما الذي أبكاهم ؟ مجرد آيات طرقت أسماعهم , لكن هذه الآيات ليست مجرد حروف معجم، بل حروف ذات معاني , لامست أوتاراً حساسة في قلوبهم, فانفعلت تلك القلوب, وهملت تلك العيون, وخرت تلك الأعضاء خروراً، من أعلى إلى أسفل ( يخرون للأذقان سجداً ) يجعلون أذقانهم  في الرغام إجلالاً لله, وخشية له,. وتأمل في حال مؤمني أهل الكتاب: ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ), وأخبر الله تعالى عنهم في موضع آخر، فقال : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق , يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ). فليحرص كل مؤمن على أن يضمخ قلبه بخشية الله, هذه خشية تلين القلب , وتجعله حسن الاستقبال للمواعظ والعبر, والآيات الكونية والشرعية. نسال الله أن يرزقنا خشيته في السر والعلن .

 



التعليقات ( 0 )